فضل عشر ذي الحجة (العشر)

وليد إبراهيم
1447/11/25 - 2026/05/12 11:54AM

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) آل عمران [102](يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ۝) النساء [1] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) الأحزاب [70-71]

 

أما بعد عباد الله فاتقوا الله تعالى حق التقوى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجْوَى، واعلموا أنكم مقبلون على أعظم أيام الدنيا، أيامٍ أقسم الله بها في كتابه فقال: (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ)، هي عشر ذي الحجة، تلك الليالي العشر المباركة

 

عباد الله ها هم حجاج بيت الله الحرام، يرفعون أصواتهم في المشاعر المقدسة، “لَبَّيْكَ اللهم لَبَّيْك، لَبَّيْكَ لا شريك لك لَبَّيْك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك”

 

وكان من تلبية عمر رضي الله عنه “لبيك وسعديك، والخير في يديك، والرغباء إليك والعمل”

 

وكأن الدنيا كلها تنقاد بمحبة وإجلال لله الواحد الأحد وكأن القلوب المؤمنة تهتز شوقًا وإجلالًا وهي تسمع هذه الكلمات العظيمة وما أعظم كلمات التلبية، كلماتٌ قليلة، لكنها جمعت معاني العبودية كلها “لبيك” إقامةً ودواما على طاعتك يا رب وثباتًا على أمرك “لبيك”محبةً لك وإخلاصًا لك، من لُبِّ القلب وخالصه، “لا شريك لك” لا شريك لك في العبادة، ولا في الدعاء، ولا في الرجاء والخوف “لبيك” قربًا منك وإقبالًا عليك  وفرارًا إليك من الذنوب والغفلات

 

“إن الحمد والنعمة لك والملك” الحمد كله لك، والفضل كله منك، والملك كله بيدك “وسعديك” إسْعادًا بعدَ إسْعادٍ،، وتوفيقًا بعد توفيق، مرَّةً بعدَ أُخْرى، فلا قوة لنا على الطاعة إلا بك، ولا نجاة لنا من الذنوب إلا بعفوك، “والخير في يديك”، والخيرُ مِنكَ وحْدَكَ، خزائن الخير كلها بيده، الهداية بيده، والرزق بيده، والتوفيق بيده، والسعادة بيده، “والرغباء إليك والعمل”، السُّؤالُ والطَّلبُ، إليك تتوجه القلوب رغبةً ورجاءً، ولك يكون العمل والطاعة والقصد، فما بال أقوامٍ يعرفون نعم الله ثم يعصونه بها؟ وما بال آخرين يسمعون نداء الله ثم يؤخرون التوبة؟

 

فيا من لم يكتب الله له الحج هذا العام، لا تحرم نفسك من معاني التلبية، فإن لم تكن مع الحجاج بجسدك، فكن معهم بقلبك وطاعتك، لبِّ نداء الله بالمحافظة على الصلاة، ولبِّ نداء الله ببر الوالدين والإحسان إلى الناس، ولبِّ نداء الله بترك الظلم والغش وأذية المسلمين، ولبِّ نداء الله بغض البصر وحفظ اللسان، ولبِّ نداء الله بترك الشائعات والفتن والكلمات التي تفرق المجتمع وتمزق القلوب فالسعيد من قال: لبيك ثم صدّقتها جوارحه وأعماله.

 

عباد الله إن هذه الأيام هي أحب أيام العمل الصالح إلى الله قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام” يعني عشر ذي الحجة (رواه البخاري)

 

حتى الجهاد في سبيل الله، ليس أفضل من العمل الصالح فيها إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء؛ فأكثروا فيها من الصلاة والذكر والقرآن والصدقة، وأكثروا فيها من التكبير والتهليل والتحميد، فإنها أيام ذكرٍ وشٌكرٍ وإنابة.

 

والتكبير من أعظم شعائر هذه الأيام، فأحيوا بيوتكم وأسواقكم ومجالسكم بذكر الله وتعظيمه.

 

ويبدأ التكبير المطلق من دخول عشر ذي الحجة؛ فيُكبِّر المسلم في كل وقت، في بيته، وطريقه، وسوقه، لعلها تؤجل بجمعة 5/12

 

وأما التكبير المقيد عقب الصلوات (جماعة): فيبدأ من فجر يوم عرفة لغير الحاج، إلى عصر آخر أيام التشريق ومن صيغ التكبير المشهورة:

 الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد

 

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله - والله أكبر الله أكبر ولله الحمد

 

عباد الله ومن أعظم ما يُتقرب به في هذه الأيام، الصيام، فهو عبادة خفية بين العبد وربه، يترك فيها شهوته وطعامه وشرابه ابتغاء مرضاة الله، وأعظمها يوم عرفة لغير الحاج، يومٌ يكفّر الله بصيامه سنتين، سنةً ماضية وسنةً مستقبلة.

 

وكم من حاجٍّ يرفع صوته اليوم بـ”لبيك”، وهو لا يدري هل يعود بعدها إلى أهله، وكم من مسلمٍ بيننا، يتمنى أن يدرك عشرًا أخرى فلا يدركها.

 

فاغتنموا هذه الأيام قبل فواتها، فإن الأعمار قصيرة، والآجالُ مكتوبة، ولا تجعلوا هذه المواسم تضيع في الغفلات واللهو وما لا ينفع، فإن من الناس من يرفع صوته بالتلبية أو التكبير، ثم يطلق جوارحه في معصية الله، فكيف يرجو القرب من الله، وهو يلبي بلسانه ويعصي بجوارحه؟، فتكون مواسم الطاعة حجة عليه وحسرةً وندامة.

 

عباد الله سيأتي يومٌ ينقطع فيه صوتك من الدنيا كلها، فلا صلاة، ولا صيام، ولا تلبية، ويبقى عملك وحده بين يدي الله ـ فطوبى لمن كانت مواسمه عامرةً بالطاعة والإنابة.

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ.

 

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) التوبة [119]

 

أما بعد عباد الله: اتقوا الله ربكم، وراقبوه جلَّ في علاه مراقبة من يعلمُ أن ربَّه يسمعُه ويراه وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، واعلموا أن من شكر نعمة الله على بلوغ هذه الأيام، أن تُستعمل فيما يرضيه، فاجعل لنفسك نصيبًا من القرآن، ونصيبًا من الذكر، ونصيبًا من الصدقة، ونصيبًا من بر الوالدين والإحسان إلى الناس ومن كان قادرًا على الأضحية، فلا يفرطنَّ في هذه الشعيرة العظيمة، فإنها من شعائر الإسلام الظاهرة، فهي شُكْرُ للهِ تعالى على نِعمةِ، وفيها تعظيم لله وإحياء لسنة إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام.

 

ومن أراد أن يضحي: ودخلت عليه عشر ذي الحجة، فليمسك عن أخذ شعره وأظفاره حتى يضحي لقوله صلى الله عليه وسلم: “إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئًا” (رواه مسلم)، تعظيمًا لهذه الشعيرة العظيمة، واقتداءً بأهل النسك والطاعة.

 

ومن أراد الحج فليتق الله في نفسه وفي المسلمين، وليلتزم بالأنظمة والتعليمات التي تحفظ سلامة الحجاج وأمنهم، وليحرص على استخراج التصريح النظامي، وأخذ التطعيمات اللازمة، فإن الشريعة جاءت بحفظ الأنفس ومنع الضرر والفوضى، وطاعة ولي الأمر في ذلك من التعاون على البر والتقوى .

 

أيامٌ معدودات، وساعاتٌ تمضي سريعًا، وربنا ينادي عباده بالتوبة والإنابة، فطوبى لمن لبّى النداء قبل أن يُنادى على رحيله من الدنيا.

 

يا أمة محمد إن الله قد أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه وثنى بملائكته المسبحة بقدسه وحمده وثلث بكم أيها المؤمنون من إنسه وجنه، فقد قال في محكم تنزيله: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) الأحزاب [56] ، وقال "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بهَا عَشْرًا".

 

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِكْ على عبدك ورسولك، نبينا محمد الخليل المصطفى، والنبي المجتبى، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومَنْ تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك، وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

 

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك - اللهم بلغنا عشر ذي الحجة وأعنا على اغتنامها - اللهم وفق حجاج بيتك الحرام وأعدهم إلى أهليهم سالمين غانمين - اللهم تب علينا توبة نصوحًا-

 

اللَّهُمَّ طَهِّرْ أَبْصَارَنَا وَأَسْمَاعَنَا وَقُلُوبَنَا

 

اللَّهُمَّ احْفَظْنَا مِنْ فِتَنِ الشَّهَوَاتِ

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين ودمر أعدائك أعداء الدين وانصر عبادك المؤمنين واحم حوزة الإسلام والمسلمين يارب العالمين

 

اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا وَأَمْنَهَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا - وَأَدِمْ عَلَيْنَا الْأَمْنَ وَالْإِيمَانَ وَالِاسْتِقْرَارَ

 

اللهم آمنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالعز والتمكين والنصر المبين عبدك خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز- وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد ابن سلمان - اللهم احفظهما في صحة كاملة - وعافية شاملة - واجزهما عن الحرمين الشريفين ومقدسات الإسلام والمسلمين خير الجزاء وأوفاه.

 

 اللهم وفِّق جميع قادة المسلمين لهداك - واهدهم لما فيه الخير لدينهم وأوطانهم

 

اللهم إنا نسألك فيمن أرادنا في بلدنا أو في أنفسنا بشرٍ وسوء أن تجعل تدبيره تدميرًا عليه يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

 

اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفة والغنى.

 

(رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) البقرة [286]

 

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) البقرة [201]

 

اللهم تقبل دعاءنا وصالح أعمالنا، إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

 

عباد الله (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) النحل [90]

 

فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

 

المرفقات

1778575991_فضائل عشر الحجة- نسخة بدون وقفات.docx

1778575991_فضائل عشر الحجة.docx

1778576065_فضائل عشر الحجة.pdf

المشاهدات 160 | التعليقات 0