لَذَّةُ السُّجُودِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ.

أ.د عبدالله الطيار
1447/06/08 - 2025/11/29 10:27AM
إنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عليْهِ وعَلَى آلِهِ وأَصْحَابِهِ إلى يوم الدين أمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا).
أيُّهَا المؤْمِنُونَ: إِنَّ الصَّلاةَ أَجَلُّ فَريضَةٍ، وأسْمَى طَاعَةٍ، وهِيَ رِدَاءُ الْعُبُودِيَّةِ للمُسْلِمِ تَجْمَعُ لهُ بينَ الذُّلِّ والانْكِسَارِ، والعِزَّةِ والْوَقَارِ، والقُرْبِ منَ الْعَزِيزِ الْجَبَّارِ، وتَتَجَلَّى فِيهَا عِبَادَاتٌ عَدِيدَةٌ، فَهِيَ ذِكْرٌ ومُنَاجَاةٌ، ودُعَاءٌ وخُشُوعٌ، وذلٌّ وخضوعٌ، قالَ تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) هود: [114].
عِبَادَ اللهِ: وَالسُّجُودُ مِنْ أَجَلِّ الْعِبَادَاتِ الَّتِي تَتَجَلَّى فِيهَا الْعُبُودِيَّةُ للهِ عزَّ وجلَّ وَبِالسُّجُودِ يَتَعَبَّدُ جَمِيعُ المَخْلُوقَاتِ للهِ رَبِّ الْعَالمِينَ، قَالَ تَعَالَى: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا) الرعد: [15]. وَقَالَ عَنْ مَلائِكَتِهِ الْكِرَام: (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) الأعراف: [206].
أَيُّهَا المؤْمِنُونَ: وَالسُّجُودُ للهِ عزَّ وجلَّ، عِبَادَةٌ تَجْمَعُ شُعَبَ الإِيمَانِ وَأَرْكَانَه، فَهُوَ إِقْرَارٌ بِأُلُوهِيَّةِ اللهِ عزَّ وجلَّ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَقَيُّومِيّتِهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَعِبَادَةٌ قَوْلِيَّةٌ، تَتَجَلَّى فِيهَا المُنَاجَاةُ وَالدُّعَاءُ وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّحْمِيدُ وَالثَّنَاءُ وَالتَّمْجِيدُ، وَعِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، يُلْصِقُ فِيهَا الْعَبْدُ أَشْرَفَ مَا فِيهِ -جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ- بِالأَرْضِ؛ لِيَتَحَقَّق بِالإِيمَانِ الْحَقِيقِيِّ فَيَجْمَعَ بَينَ ذُلِّ الْجَسَدِ، وَخُضُوعِ الْقَلْبِ، وَشَهَادَةِ اللِّسَانِ، كَمَا ذَكَرَهُ رَبُّنَا بِقَوْلِهِ: (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ) السجدة: [15].
عِبَادَ اللهِ: وَالسُّجُودُ سَبِيلُ الْقُرْبِ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ، قَالَ تَعَالَى: (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب) العلق: [19]. وَالْقُرْبُ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ لا يُنَالُ إِلا بِتَمَامِ الْخُضُوعِ، وَصِدْقِ الانْكِسَارِ وَاللُّجُوءِ، فَكُلَّمَا كَانَ الْعَبْدُ مُكْثِرًا فِي السُّجُودِ، كَانَ أَقْرَبَ إِلى خَالِقِهِ جلَّ وعَلا، فَجعلَ الله عَزَّ وَجَلَّ الْقُرْب مِنْهُ سُبْحَانَهُ ثَمَرَةَ السُّجُودِ لَهُ، فَزَادَ السَّاجِدَ بِانْكِسَارِهِ جَبرًا، وَبِذُلِّهِ رِفْعَةً وَعِزًّا، وَبِعُبُودِيَّتِهِ رَحْمَةً وَقُرْبًا، سَأَلَ ثَوْبَانُ النَّبِيَّ ﷺ: أخْبِرْنِي بعَمَلٍ أعْمَلُهُ يُدْخِلُنِي اللَّهُ به الجَنَّةَ؟ فَقالَ: عَلَيْكَ بكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ، فإنَّكَ لا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً، إلَّا رَفَعَكَ اللَّهُ بهَا دَرَجَةً، وحَطَّ عَنْكَ بهَا خَطِيئَةً) أخرجه مسلم (488).
أَيُّهَا المؤْمِنُونَ: وَلأَنَّ السُّجُود هُوَ مُنْتَهى الْقُرْبِ مِنَ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ، أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّتَهُ أَنْ تَبُثَّ شَكْوَاهَا فِي سُجُودِهَا، وَتَرْفَعَ حَوَائِجَهَا لِرَبِّهَا، قَالَ ﷺ (أَقْرَبُ ما يَكونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ، وهو ساجِدٌ، فأكْثِرُوا الدُّعاءَ) أخرجه مسلم (482). وَالسُّجُودُ سَبِيلُ مُرَافَقَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَنَّةِ، يَقُولُ رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبِ الأسْلَمِيّ: كُنْتُ أبِيتُ مع رَسولِ اللهِ ﷺ فأتَيْتُهُ بوَضُوئِهِ وحاجَتِهِ فَقالَ لِي: سَلْ فَقُلتُ: أسْأَلُكَ مُرافَقَتَكَ في الجَنَّةِ. قالَ: أوْ غيرَ ذلكَ قُلتُ: هو ذاكَ. قالَ: فأعِنِّي على نَفْسِكَ بكَثْرَةِ السُّجُودِ) أخرجه مسلم (489).
عِبَادَ اللهِ: وَلا تَتَحَقَّقُ لِلْعَبْدِ تِلْكَ المْنِزَلةُ إِذَا جَعَلَ مِنَ السُّجُودِ عِبَادَةً لَحْظِيَّةً، وَحَرَكَةً اعْتِيَادِيَّةً تَفْتَقِرُ لِلْخُشُوعِ وَالسَّكِينَةِ، وَالْخُضُوعِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، فَفِي الْحَدِيثِ: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ نَقْرَةِ الغُرابِ..) أخرجه أبو داود (862) وصححه الألباني. وَالسُّجُودُ دَوَاءٌ لأَمْرَاضِ الْقُلُوبِ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالاكْتِئَابِ وَالسَّقَمِ، أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) الحجر: [97- 98]. بَارَكَ اللهُ لي ولكم فِي الْوَحْيَيْنِ، وَنَفَعَنَي وَإِيَّاكُم بِهَدْيِ خَيْرِ الثَّقَلَيْنِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي ولَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:
الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى مَنْ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أمَّا بَعْدُ فاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ بِأَرْكَانِهَا وَشُرُوطِهَا وَأَحْسِنُوا السُّجُودَ للهِ بِاسْتِحْضَارِ مَعَانِي الْعُبُودِيَّةِ مِنْ تَمَامِ الافْتِقَارِ وَالذُّلِّ للهِ رَبِّ الْعَالمِينَ، وَاذْكُرُوا أَقْوَامًا يَتَمَنَّوْنَ لَوْ سَجَدُوا للهِ سَجْدَةً وَاحِدَةً، يُلْصِقُونَ فِيهَا جِبَاهَهُم بِالأَرْضِ كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ وَهُمْ أَصِحَّاء، لَكِنْ مَنَعَهُم المَرَضُ، وَأَعَاقَهُم الْكِبَرُ، وَهُمْ مَعْذُورُونَ بِمَرَضِهِمْ، مَأْجُورُونَ بِحِرْصِهِمْ وَنِيَّاتِهِمْ، فَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ، أَنْ مَكَّنَكُمْ مِنَ السُّجُودِ لَهُ سُبْحَانَهُ وَاجْعَلُوا مِنْ سُجُودِكُمْ مَطِيَّةً وَزُلْفَى لِرَبِّكُمْ، وَاغْتَنِمُوا تِلْكَ الْعِبَادَةِ بِبَثِّ الْحَاجَاتِ وَرَفْعِ الشَّكَاوَى إِلى رَبِّ الْبرِيَّاتِ، وَأَيْقِنُوا بِالرِّفْعَةِ وَالْعِزَّةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ السُّجُودَ أَمَانٌ لِلعَبْدِ مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ ﷺ: (وَحَرَّمَ اللَّهُ على النّارِ أنْ تَأْكُلَ أثَرَ السُّجُودِ) أخرجه البخاري (806) ومسلم (182).اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا لَذَّةَ السُّجُودِ بَينَ يَدْيَكَ، وَحُسْنَ الإِقْبَالِ عَلَيْكَ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ والمسْلِمِينَ، وأَذِلَّ الشِّرْكَ والمشْرِكِينَ وانْصُرْ عِبَادَكَ الموَحِّدِينَ. اَللَّهُمَّ أمِّنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، اللهم وَفِّق وَلِيَّ أَمْرِنَا خادمَ الْحَرَمَيْنِ الشريفينِ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى كُلِّ خَيْرٍ، وَسَلِّمْهُمْ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ وَشَرٍّ. اللَّهُمَّ احْفَظْ رِجَالَ الأَمْنِ، والمُرَابِطِينَ عَلَى الثُّغُورِ. اللَّهُمَّ ارْحَمْ هذَا الْجَمْعَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ والمؤْمِنَاتِ، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِهِمْ، وآَمِنْ رَوْعَاتِهِمْ وارْفَعْ دَرَجَاتِهِمْ في الجناتِ واغْفِرْ لَهُمْ ولآبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ، واجْمَعْنَا وإيَّاهُمْ ووالدِينَا وإِخْوَانَنَا وذُرِّيَّاتِنَا وَأَزْوَاجَنَا وجِيرَانَنَا ومشايخَنَا وَمَنْ لَهُ حَقٌّ عَلَيْنَا في جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
الجمعة 7 /6 /1447هـ
المشاهدات 22 | التعليقات 0