لَذَّةُ الْعِبَادَة- أَسْبَابُهَا وَمَوَانِعُهَا-.

أ.د عبدالله الطيار
1447/06/08 - 2025/11/29 10:29AM

 

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ علمًا، وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ الْجَنَّةَ لِلْمُؤْمِنِينَ نُزُلًا، خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عليْهِ وعَلَى آلِهِ وأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمَا كثيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ أمَّا بَعْـدُ:

فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) البقرة: [281].

أيُّهَا المؤْمِنُونَ: مِنَ النِّعَمِ الَّتِي امْتَنَّ اللهُ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ أَنْ وَهَبَهُمْ لَذَّةَ الإِيمَانِ، وَحَلاوَةَ الْعِبَادَةِ، قَالَ تَعَالَى: (وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) التغابن: [11] وَقَالَ ﷺ: (ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ باللَّهِ رَبًّا وَبِالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ رَسولًا) أخرجه مسلم (34)

عِبَادَ اللهِ: وَأَهْلُ اللَّذِّةِ في الْعِبَادَةِ، بَاتُوا لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا، وَكَابَدُوا الشَّوَاغِلَ وَالمُلْهِيَاتِ، وَالْفِتَنَ وَالمَلَذَّاتِ، فَلَمَّا اسْتَعَاضُوا بِرَبِّهِمْ، عَوَّضَهُمْ أَفْضَلَ مِمَّا يَتَمَنُّونَ وَأَلَذَّ مِمَّا يَجِدُونَ، رَزَقُهُم لَذَّةَ الْعِبَادَةِ، وَأَفَاضَ عَلَيْهِمْ بِنَعِيمِ الطَّاعَةِ، فَاسْتَحَالَتْ المُكَابَدَةُ نَعِيمًا وَلَذَّةً، وَصَارَت المُجَاهَدَةُ فُسْحَةً وَنُزْهَةً، قَالَ شَيْخُ الإِسْلامِ ابن تيمية-رحمه الله-(إِنَّ فِي الدُّنْيَا جَنَّةً، مَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا لَمْ يَدْخُلْ جَنَّةَ الآَخِرَةِ) الوابل الصيب (ص81) وَهِيَ جَنَّةُ الأُنْسِ بِاللهِ عزَّ وجلَّ، وَالْفَرَحِ بِطَاعَتِه، وَالتَّلَذُّذِ بِعِبَادَتِهِ.

عِبَادَ اللهِ: وَكُلَّمَا زَادَ حُضُورُ الْقَلْبِ في الْعِبَادَةِ، زَادَ حَظُّ الْعَبْد مِنَ التَّلَذُّذِ بِهَا، وَمَا مِنْ مُسْلِمٍ إلا وَلَهُ نَصِيبٌ مِنْ لَذَّةِ الْعِبَادَةِ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ مِنَ الإِقْبَالِ عَلَيْهَا، وَالنَّشَاطِ لَهَا.

أَيُّهَا المؤْمِنُونَ: وَلَذَّةُ الْعِبَادَةِ لَيْسَتْ شُعُورًا دَاخِليًا فَقَط، وَإِنَّمَا هِي صِبْغَةٌ وَوَقَارٌ، وَسَمْتٌ وَجَمَالٌ، يَصْبُغُ اللهُ عَزَّ وجلَّ بِهِا عِبَادَهُ المؤْمِنِينَ، قَالَ تَعَالى (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ) المطففين: [24].

عِبَادَ اللهِ: وَالتَّلَذُّذُ بِالْعِبَادَةِ، فَضْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، قَالَ تَعَالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ) الحجرات: [7]. وَلَها أَسْبَابٌ توصل إليها مِنْهَا:

أَوَّلا: مُجَاهَدَةُ النَّفْسِ عَلَى الطَّاعَةِ، وَتَرْوِيضُهَا وَتَدْرِيبُهَا، بِالْجِدِّ وَالمُثَابَرَةِ، وَالْحَزْمِ وَالْعَزْمِ قَالَ تَعَالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) العنكبوت: [69]. قَالَ ابْنُ رَجَبَ: (وَاعْلَمْ أَنَّ نَفْسَكَ بِمَنْزِلَةِ دَابَّتكَ، إِنْ عَرَفَتْ مِنْكَ الْجِدًََّ جَدَّتْ وَإِنْ عَرَفَتْ مِنْكَ الْكَسَلَ طَمِعَتْ فِيكَ وَطَلَبَتْ مِنْكَ حُظُوظَهَا وَشَهَوَاتِهَا. لذة العبادة (ص 12).

ثَانيًا: الْخُشُوعُ في الصَّلاةِ: فَلا يَجِدُ الْعَبْدُ لَذَّةً في صَلاتِهِ: إِلا إِذَا أَقْبَلَ عَلَيْهَا بِخُشُوعٍ وَوَقَارٍ، وَتُؤَدَةٍ وَاسْتِقْرَارٍ، يَطْرَحُ مَا في الْقَلْبِ مِنَ الدَّوَاخِلِ، وَمَا في الْعَقْلِ مِنَ الشَّوَاغِلِ يَسْتَشْعِرُ عَظَمَةَ اللهِ عزَّ وجلَّ، وَجَلاله وَهَيْبَتَه، فَهُنَا: تُؤْتِي الْعِبَادَةُ ثِمَارَهَا، وَيَجِدُ الْعَبْدُ لَذَّتَهَا وَأَثَرَهَا، وَإِذَا ذَاقَ الْعَبْدُ لَذَّةَ الْعِبَادَةِ مَرَّةً، لا يَطِيقُ حِرْمَانَهَا أَبَدًا، فَترَاهُ مُقْبِلًا عَلَى الصَّلاةِ، مُحُبًّا لَهَا، متَحَيُّنًا لِوَقْتِهَا، يَرْتَاحُ بِهَا، كَمَا كَانَ ﷺ يَقُولُ لِبِلال: (أرِحْنا بِهَا) فَتَكُونُ الصَّلاةُ قرةً للعينِ، قَالَ ﷺ: (جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيني في الصَّلاةِ).

ثالثًا: المُوَاظَبَةُ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآَنِ وَتَدَبُّرِهِ، وَالتَّدَبُّرُ هُوَ حَظُّ النَّفْسِ مِنَ الْقِرَاءَةِ، فَعَلَى قَدْرِ حُضُورِ الْقَلْبِ وَفَهْمِ مَا يُقرَأ، تَكُونُ اللَّذَّةُ المَرْجُوَّةُ مِنَ الْقِرَاءَةِ، وَمَتَى وُجِدَت اللَّذَّةُ، وَذَاقَ الْعَبْدُ حَلاوَتَهَا، أَنِسَ بِكَلامِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَرَاحَتِ المعَانِي تَسْتَقِرُّ فِي قَلْبِهِ فَأَقْبَلَ عَلَى الْقُرْآنِ إِقْبَالَ الظَّمْآنِ عَلَى المَاءِ، قَالَ سُفْيَانُ بنُ عيينَةَ: (إِنّمَا القرآنُ خَزَائِنُ، فَإذَا دَخَلْتَ خَزَانَة فاجتهدْ ألا تَخْرُجَ منها حَتَّى تَعْرِفَ مَا فِيهَا) زاد المسير لابن الجوزي (2/ 370).

رَابِعًا: الإِكْثَارُ مِنْ عِبَادَاتِ السِّرِّ، وَمِنْهَا الذِّكْرُ، قَالَ تَعَالَى: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) الرعد: [28]. وَقَالَ ﷺ: (ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) أخرجه البخاري: (660) وَكَذَا قِيَامُ اللَّيْلِ: قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا) المزمل: [6] وَأَهْلُ اللَّذَّةِ بِالْعِبَادَةِ يَتَحَيَّنُونَ الْخَلَوَاتِ، فَإِذَا خَلَوْ بِرَبِّهِمْ، أَنِسَتْ أَرْوَاحُهُم، وَسَكَنَتْ قُلُوبُهُم، وَاسْتَوْحَشُوا مَا سِوَاهُ مِنَ المَخْلُوقَاتِ.

عِبَادَ اللهِ: وَكَمَا أَنَّ الْجَسَدَ يَتَلَذَّذُ بِمَا يُحِبُّ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَإِنَّ الْقَلْبَ يَتَلَذَّذُ بِالْعِبَادَةِ، وَإِذَا كَانَ الْجَسَدُ سَقِيمًا، فَإِنَّهُ لا يَجِدُ للطَّعَامِ وَالشَّرَابِ لَذَّةً، لأَنَّ شِدَّةَ الأَلَمِ تُفْقِدُهُ مُتْعَةَ التَّذَوُّقِ، فَكَذَلِكَ الْقَلْبُ إِذَا خَالَطَتْهُ المعْصِيَةُ، وَغَشِيَتْهُ الذُّنُوبُ، وَأَفْسَدَتْهُ الأَهْوَاءُ وَالشَّهَوَاتُ، فَإِنَّهُ لا يَجِدُ لِلْعِبَادَةِ لَذَّةً، وَلا لِلذِّكْرِ مُتْعَةً، وَلا لِلْقُرْآَنِ أَثَرًا، قَالَ تَعَالَى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) الأنعام: [146]. فَلَمَّا تَلَبَّسُوا بِدَاءِ الْكِبْرِ، حَرَمَهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ نُورَ الذِّكْرِ، وَلَذَّةَ الْعِلْمِ، جَزَاءً وِفَاقًا، وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا.  

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) الزمر: [23].

بَارَكَ اللهُ لي ولكم فِي الْوَحْيَيْنِ، وَنَفَعَنَي وَإِيَّاكُم بِهَدْيِ خَيْرِ الثَّقَلَيْنِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي ولَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى مَنْ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أمَّا بَعْدُ فاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ: وَاعْلَمُوا أنَّ الذُّنُوبَ وَالمعَاصِي حُجُبٌ تَحُولُ بَينَ الْعَبْدِ وَبَينَ لَذَّةِ الْعِبَادَةِ، لأَنَّهَا تُورِثُ الْقَلْبَ قَسْوَةً وَغِلْظَةً وَجَفَاءً.

أَيُّهَا المؤْمِنُونَ: وَمِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْبَلاءِ وَالْعِقَابِ أَنْ يُعَاقِبَ اللهُ عَزَّ وَجَلَ عَبْدَهُ بِحِرْمَانِهِ لَذَّةَ الْعِبَادَةِ، وَيَسْلُبَهُ حَلاوَةَ الطَّاعَةِ، جَزاءً بِمَا كَسَبَ نَكَالاً مِنَ اللهِ، وَأَيُّ حِرْمَانٍ أَعظم مِنْ أَنْ يُحْرَمَ الْعَبْدُ الأُنْسَ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ؟!

عِبَادَ اللهِ: احْذَرُوا الذُّنُوبَ وَالمعَاصِي، فَإِثْمُهَا جَسِيمٌ، وَأَثَرُهَا عَظِيمٌ، قَالَ أَحَدُ السَّلَفِ: (إِنَّ الرَّجُلَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيُحْرَمُ بِهِ قِيَامُ اللَّيْلِ) وَذَلِكَ لأَنَّ الْقِيَامَ بَينَ يَدَيِ اللهِ شَرَفٌ وَالمَعْصِيَةُ تَنْزِعُ عَنِ المَرْءِ ثَوْبَ الشَّرَفِ؛ لِتُلْبِسهُ ثَوْبَ الذِّلَّةِ وَالمهَانَةِ.

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا حَلاوَةَ الطَّاعَةِ، وَلَذَّةَ الْعِبَادَةِ، والأُنْسَ بَينَ يَدَيْكَ، وَحُسْنَ الإِقْبَالِ عَلَيْكَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ والمسْلِمِينَ، وأَذِلَّ الشِّرْكَ والمشْرِكِينَ وانْصُرْ عِبَادَكَ الموَحِّدِينَ.

اَللَّهُمَّ أمِّنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، اللهم وَفِّق وَلِيَّ أَمْرِنَا خادمَ الْحَرَمَيْنِ الشريفينِ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى كُلِّ خَيْرٍ، وَسَلِّمْهُمْ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ وَشَرٍّ. اللَّهُمَّ احْفَظْ رِجَالَ الأَمْنِ، والمُرَابِطِينَ عَلَى الثُّغُورِ. اللَّهُمَّ ارْحَمْ هذَا الْجَمْعَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ والمؤْمِنَاتِ، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِهِمْ، وآَمِنْ رَوْعَاتِهِمْ وارْفَعْ دَرَجَاتِهِمْ في الجناتِ واغْفِرْ لَهُمْ ولآبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ، واجْمَعْنَا وإيَّاهُمْ ووالدِينَا وإِخْوَانَنَا وذُرِّيَّاتِنَا وَأَزْوَاجَنَا وجِيرَانَنَا ومشايخَنَا وَمَنْ لَهُ حَقٌّ عَلَيْنَا في جَنَّاتِ النَّعِيمِ. 

الجمعة 30 /5 1447هـ

المشاهدات 37 | التعليقات 0