لو تكلموا لقالوا..!!
سامي بن محمد العمر
لو تكلموا لقالوا...!!
22/10/1447
أما بعد:
فاليومَ نَمْخُرُ بسفنِ الخيالِ بحورَ المستحيلات.
ونطيرُ بأجنحةِ التَّطلُّعاتِ في أجواءِ التأمُّلات.
ونعيش الواقعَ الذي لا يمكن وقوعُه، والموقفَ الذي لا يمكن وجودُه..
ونتأملُ ونتفكرُ.. ونتعظُ ونتدبرُ..
{أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ} {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}
أيها المؤمنون:
تطرق أسماعنا كلَّ يوم أخبارُ المغادرين إلى الدار الآخرة فلا نُفكرُ ولا نعتبر، ولا نُقدّر أننا سنموتُ كما ماتوا، وسنغادرُ كما غادروا...
نشيّعُ مواكبَ الأمواتِ ونحن في غفلة عنها، وكأنها حالةٌ قد سلمنا منها، ولن تمرَّ بنا..
لقد مات مَن كان أوفر منَّا صحة، وأشدَّ منَّا قوة، وأكبرَ سلطاناً، وأكثرَ أعواناً، فما دفعتْ عنه الموتَ - لما جاءه - صحتُه ولا قوتُه، ولا حماه منه سلطانُه ولا أعوانُه.
إنه الموت على وضوحِ شأنه، وظهورِ أثره: سرٌّ حيَّرَ الألبابَ وأذهلَ العقولَ.. {وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا وما تدري نفس بأي أرض تموت}
الموت.. حالةٌ مؤكدةٌ لا انفكاك من طَوْقها.. وكأسٌ موفورةٌ لا بُدَّ من ذَوْقها {كلُّ نفس ذائقة الموت}
عندها ... يأتي اليقين الذي أُمِرنا أن نعبدَ الله حتى يأتي، ويمضي زمنُ العملِ الذي أُمِرنا أن نتداركه قبلَ أن يمضي.
وأصبحَ الواحدُ مِنَّا كما قال الشافعي رحمه الله في آخر لحظاته من الدنيا:
أصبحتُ من الدنيا راحلا، وللإخوان مفارقا، ولسوء عملي ملاقيا، ولكأس المنية شاربا، وعلى الله واردا، ولا أدري أروحي تصير إلى الجنة فأهنيها، أم إلى النار فأعزيها، ثم أنشأ يقول:
ولما قسـا قلبي وضاقـت مذاهبي
جـعـلت رجـائي نحـو عفـوك سُلَّـما
تعاظـمــني ذنبــي فلـما قرنتـه
بعـفــوك ربـي كـان عفوك أعظـما
فما زلتَ ذا عفو عن الذنب لم تزل
تجـود وتعـفـو منـّـةً وتكـرُّمـا([1])
عباد الله:
الموت سفرة لا بدّ منها، والعاقل من تهيّأ لها ... وأعدَّ لها الزاد والراحلة، ونظر في كل شيء حوله، فإن كان مما يستطيع أن يحمله فيها حرص عليه، وإن كان مجبراً على تركه وراءه زهِد فيه وانصرف عنه.
وكل محمول في هذه السفرة فهو خسارة... إلا شيئاً واحداً تأخذه معك: هو الإيمان والعمل الصالح: {والعَصْرِ، إنّ الإنسانَ لَفي خُسْرٍ، إلاّ الذين آمَنوا وعَمِلوا الصّالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}.
ولئن كان للطاعة أَلَـمٌ يُكابَدُ فلقد ذهبَ وبقي الثواب،
ولئن كان للمعصية لذةٌ تُستمتعُ فلقد ذهبتْ وبقي الحساب؛
ولَنَنْدَمَنَّ على كل لحظة لم نجعلها في طاعة الله.
قال إبراهيم العبدي رحمه الله: أتاني رياح القيسي فقال: يا أبا إسحاق انطلق بنا؛ فانطلقت معه فأتى المقابر، فجلسنا إلى بعض تلك القبور، فقال: يا أبا إسحاق ما ترى هذا مُتمنِّيا لو تمنى؟
قلت: أن يُردَّ - والله - إلى الدنيا، فيستمتعَ من طاعة الله ويُصلِح،
قال: ها نحن في الدنيا، فلنُطعِ الله ولْنُصلِحْ، قبل أن نَتمنَّى ما يَتمنون!!([2])
اللهم وفقنا للصالحات قبل الممات، وأرشدنا لاستدراك الهفوات قبل الفوات...
واجعل القبور بعد فراق الدنيا من خير منازلنا، وافسح فيها ضيق ملاحدنا، وارحم في موقف العرض عليك ذل مقامنا، وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين
بارك الله لي ولكم ...
الخطبة الثانية:
أما بعد:
فأما الواقعُ الذي لا يمكن وقوعه، والموقفُ الذي لا يمكن وجوده..
فهو أن تتخيل عودتَك للدنيا بعد فراقها ... لتنظرَ أثر ما صنعتَ فيها ومِن أجلِها وأجلِ أهلِها..
· الأصدقاءُ والزملاءُ: بذلتَ لهم مُهجتك، وأغدقت عليهم مِن مَالك ومحبتك ...
مَن مِنهم سترَ عيبك، وأظهرَ جميلك، وذكركَ بدعوة، وخصَّك بصدقة، وأثنى عليك بمجلس؟
ومَن منهم جرّك لساحةِ النسيان، وكساكَ ثيابَ الإهمالِ، وجَرحَك بلفظةٍ، وآلمكَ بِسبَّة!
· الأولادُ والزوجاتُ: أفنيت عمرك لراحتهم، وشغلت وقتك لسعادتهم..
مَن منهم يستغفرُ لك؟ مَن منهم يترحمُ عليك؟ مَن منهم تدمعُ عينه إذا مرَّ بالذهن خيالُك؟ مَن منهم يحسنُ في نفسه ليرفعَ ذكركَ في الناس فيقالُ: هو ابن فلانٍ رحمه الله؟؟
ومَن منهم يتنازعُ في الإسراعِ بقسمِ الأموال، ولا يذكُرُكَ مِن ذلك بشيء؟؟
أما والله لو كُشِفَ الغِطاءُ؛ لما اخترنا كثيرًا من أصدقائنا أصدقاء، ولَعضَضْنا بالنواجذِ على البررةِ الأوفياءِ.
أما والله لو كُشِفَ الغِطاء؛ لما فَرِحنا بمجيئِ بعضِ البناتِ والأبناء، ولما ضيَّقنا على الصالحينَ منهم والأتقياء.
أما الوالد والوالدة: فهما الحالةُ التي لا تتغيرُ مهما كانت حالتُكَ معهما مطيعًا أم عاصيًا ... رقيقًا أم قاسيًا
فإنما هي دموعُ الفراقِ لا تنقطع، وأَلَمُ البينِ لا يَلْتئِم.
يشُمَّانِ ريحَكَ في كلِّ زاوية، ويَلمحانِ طيْفكَ في كلِّ ناحية.
ولكَ في كلِّ صلاةٍ منهما دعوة، وفي كلِّ مجلسٍ ثناءٌ ورِفْعة، وفي كل وجوهِ الخيرِ تبرعٌ وصدقة.
فهل عرفتم - عباد الله - مَن أحقُّ الناس بحُسنِ صحبتكم؟؟؟
{رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا}
وقف عليّ بن أبي طالب رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يومًا بين المقابر فقال: "السّلام عليكم يا أهل المقابر؛ أمّا أموالكم فقد قُسِمت، وأمّا بيوتكم فقد سُكِنت، وأمّا أزواجُكم فقد تزوّجن غيركم.
هذا خبرُ ما عندنا، فمَا خبرُ ما عندكم!؟ ثمّ سكتَ قليلاً والتفتَ إلى مَن كان معه، وقال: "أما واللهِ لو شاءَ اللهُ لهم أن يتكلّموا لقالوا: إنّ خير الزّاد التّقوى".
اللهم اهدنا فيمن هديت....
([1]) سير أعلام النبلاء (10/ 75).
([2]) موارد الظمآن لدروس الزمان (4/ 653).
المرفقات
1775761745_لو تكلموا لقالوا...pdf
1775761755_لو تكلموا لقالوا.docx