ليلة القدر 🌙

تركي بن عبدالله الميمان
1447/09/22 - 2026/03/11 19:08PM

ا

 

 
 
 

 

 

 

 

 

 

(نسخة للطباعة)

 
 

 

 

 

 

 

 

 
قناة الخُطَب الوَجِيْزَة

https://t.me/alkhutab
 
 

 

الخُطْبَةُ الأُوْلى

إِنَّ الحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ، ونَستَغفِرُهُ ونَتُوبُ إِلَيه، ونَعَوذُ باللهِ مِن شُرُورِ أَنفُسِنَا، وسَيّئَاتِ أعمالِنَا؛ مَنْ يَهْدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَه، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هَادِيَ لَه، وأَشهَدُ أَن لا إله إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَه؛ وأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ ورَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ، وسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعْدُ: فَأُوْصِيْكُمْ ونَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ U؛ فَهِيَ سَبَبُ الأَمَانِ، مِنَالمَخَاوِفِ والأَحْزَانِ! ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِم ولَا هُمْ يَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آمَنُوا وكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.

عِبَادَ اللهِ: بِالأَمْسِ القَرِيْبِ؛ كُنَّا نَسْتَقْبِلُ الشَّهْرَ الفَضِيلَ، وهَا هُوَ قَدْ أَزِفَ على الرَّحِيل! ولَكِنْ بَقِيَتْ مِنْهُ بَقِيَّةٌ ثَمِيْنَةٌ؛ إِنَّهَا العَشْرُ الأَخِيْرَة، وَفِيْهَا لَيْلَةُ العُمُرِ، وغَنِيْمَةُ الدَّهْرِ؛ إِنَّهَا لَيْلَةُ القَدْر!

وسُمِّيَتْ بِـ(لَيْلَةِ القَدْرِ)؛ لِعِظَمِ قَدْرِهَا عِنْدَ اللهِ؛ فَهِيَ لَيْلَةُ العَظَمَةِ والشَّرَفِ؛ ولِأَنَّهُ يُقَدَّرُ فِيْهَا ما يَكُونُ في العَامِ مِنَ المَقَادِيْرِ؛ ولِأَنَّلِلطَّاعَاتِ فِيهَا قَدْرًا عَظِيمًا، وثَوَابًا جَزِيْلًا؛ ولِهَذَا فَخَّمَ اللهُ شَأْنَهَا بِقَوْلِهِ: ﴿ومَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القَدْرِ﴾. قال بَعْضُهُم: (هذا تَنْوِيهٌبِشَرَفِ هذه اللَّيْلَة، وتَفْخِيمٌ لِشَأْنِهَا؛ حَتَّى لَكَأَنَّ عَظَمَتَهَا أَكْبَرُمِنْ أَنْ تُحِيطَ بِهَا الكَلِمَاتُ!).

ومِنْ بَرَكَاتِ لَيْلَةِ القَدْرِ: أَنَّهَا لَيْلَةٌ نَزَلَ فِيْهَا القُرْآنُ؛ فَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ أَفْضَلَالكَلَامِ، بِأَفْضَلِ اللَّيَالِي والأَيَّامِ، على أَفْضَلِ الأَنَامِ! قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾.

ومِنْ بَرَكَاتِ هذه اللَّيْلَةِ: مَضَاعَفَةُ الأَعْمَالِ؛ قال I: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، فَالعَمَلُ الصَّالِحُ فِيْهَا؛ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ ثَمَانِينَ سَنَة! قال أَهْلُ العِلْمِ: (حِينَ جَعَلَ اللهُ أَعْمَارَ هذه الأُمَّة قَصِيرَة؛ أَعْطَاهُم هذه اللَّيْلَة؛ لِيَبْلُغُوا بِهَا فَوقَ ما بَلَغَتِ الأُمَمُ السَالِفَةُ في طُولِ أَعْمَارِهِم؛ وهذا مِمَّا تَتَحَيَّرُ فِيهِ الأَلبَاب، وتَنْدَهِشُ لَهُ العُقُوْل! حَيْثُ مَنَّ اللهُ على هذه الأُمَّةِ، بِلَيْلَةٍ يَكُونُ العَمَلُ فِيْهَا يَزِيدُ على ثَلَاثٍ وثَمَانِينَ سَنَةً، وأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ!).

ومِنْ بَرَكَاتِ لَيْلَةِ القَدْرِ: أَنَّهَا لَيْلَةٌ مَعمُوْرَةٌ بالسَّكِينَةِ والسَّلَامِ، ونُزُولِ الملائكةِ الكِرَام، وعلى رَأْسِهِم جِبْرِيْلُ u؛ قال ﷻ: ﴿تَنَزَّلُ المَلَائِكَةُ والرُّوحُ فِيهَا﴾.

يقول ابنُ عُثَيمين: (إِنَّ تَنَزُّلَ المَلَائِكَة في الأَرْضِ؛ عُنْوَانٌ على الخَيرِ والرَّحْمَةِ والبَرَكَةِ).

وفي لَيْلَةِ القَدْرِ الشَّرِيْفَةِ؛ يَأْذَنُ اللهُ بِالأَوَامِرِ المَلَكِيَّةِ الكَرِيْمَةِ؛ لِتَنْزِلَ إلى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، عَبْرَ مَوْكِبٍ مَلَكِيٍّ بَهِيْج! قال I: ﴿تَنَزَّلُ المَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾. قال المُفَسِّرُونَ: (أَيْ بِكُلِّ أَمْرٍ مِنَ الخَيْرِ. ونُزُولُ المَلَائِكَةِ إلى الأَرضِ؛ لِأَجْلِ البَرَكَاتِ التي تَحُفُّهُم).

ومِنْ فَضَائِلِ لَيْلَةِ القَدْرِ: أَنَّهَا لَيْلَةُ سَلَامٍ وَأَمَانٍ؛ كما قال U: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾: أَيْ لَيْلَةُ خَيْرٍ وبَرَكَةٍ على أَولِيَاءِ اللهِ وأَهْلِ طَاعَتِهِ. يقولُ ابنُ عُثَيمين: (وَصَفَهَا اللهُ بِالسَّلَامِ؛ لِكَثْرَةِ مَنْ يَسْلَمُ فِيْهَا مِنَ الآثَامِ، ولِكَثْرَةِ السَّلَامَةِ فِيهَا مِنَ العَذَابِ؛ بِمَا يَقُومُ بِهِ العَبْدُ مِنْ طَاعَةِاللهِ).

ومِنْ أَنْوَاعِ السَّلامِ في لَيْلَةِ القَدْرِ: أَنَّ الملائِكَةَ يُسَلِّمُونَ فِيهَا على المؤمنينَ القائمينَ فِيْها! قال تعالى: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾: قال الشَّعْبِيُّ: (هُوَ تَسْلِيمُ الملَائِكَةِ في لَيْلَةِ القَدْرِ على أَهْلِ المسَاجِدِ). وقيل: (لَا يَلْقَوْنَ مُؤْمِنًا إِلَّا سَلَّمُوا عَلَيْهِ! وهذا لِلْعَامِلِيْنَ فِيْهَابِالعِبَادَةِ). قال ابنُ عاشور: (السَّلَامُ: يشْمَلُ كُلَّ خَيْرٍ؛ فَيَشْمَلُ:الغُفْرَانَ، وإِجْزَالَ الثَّوَابِ، واسْتِجَابَةَ الدُّعَاءِ، وسلَامَ الملَائِكَةِ على أَهْلِ لَيْلَةِ القَدْرِ).

وبَيَّنَ اللهُ نِهَايَةَ هَذِهِ اللَّيْلَة؛ لِيَحْرِصَ النَّاسُ على اغْتِنَامِهَا قَبْلَ فَوَاتِهَا! ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾.

ومِنْ مَزَايَا لَيْلَةِ القَدْرِ: أَنَّ اللهَ يُقَدِّرُ فِيْهَا أَمْرَ السَنَةِ إلى السَنَةِ المُقْبِلَةِ؛ قال قَتَادَةُ: (تُقْضَى فِيهَا الأُمُورُ، وتُقَدَّرُ الآجَالُ والأَرْزَاقُ). قال U: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾.

والحِكْمَةُ مِنْ إِخْفَاءِ لَيْلَةِ القَدْرِ؛ لِيَجْتَهِدَ المُسلِمُونَ في جَمِيعِ اللَّيَالِي، وتَكْثُرَ حَسَنَاتُهُم! وكَانَ ﷺ إِذَا دَخَلَتِ العَشْرُ الأَوَاخِرُ: شَدَّ مِئْزَرَهُ، وأَحْيَا لَيْلَهُ، وأَيْقَظَ أَهْلَهُ؛ طَلَبًا للأَجْرِ، وتَحَرِّيًا لِلَيْلَةِ القَدْرِ؛ قال ﷺ: (تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدرِ في العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَان).

ومِنَ الأَعْمَالِ الَّتِي يَتَنَافَسُ فِيْهَا المُتَنَافِسُونَ؛ لِاغْتِنَامِ لَيْلَةِ العمر، ما يلي:

أَوَّلاً: قِيَام اللَّيْلِ: فَـ(مَنْ قَامَ لَيْلةَ القَدْرِ إِيْمَانًا وَاحْتِسَابًا؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ). 

ثَانِيًا: الدُّعَاء: قالت عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: (يَا رَسُوْلَ اللهِ؛ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيَّ لَيْلَةٍ لَيْلَةَ القَدْرِ؛ ما أَقُوْلُ فِيْهَا؟). قال: (قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ؛ فَاعْفُ عَنِّي). قال ابنُ رَجَب: (العَارِفُونَ يَجْتَهِدُونَ في الأَعْمَالِ، ثُمَّ لا يَرَوْنَ لِأَنْفُسِهِمْ عَمَلاً صَالِحًا؛ فَيَرْجِعُونَ إلى سُؤَالِ العَفْوِ: كَحَالِ المُذْنِبِ المُقَصِّرِ!).

ثَالِثًا: الاِعْتِكَاف: فإنَّ النبيَّ ﷺ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَان؛ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ. وحَقِيقَةُ الاِعتِكَافِ: قَطْعُ العَلَائِقِ عَنِ الخَلَائِقِ؛ لِلْاِتِّصَالِ بِالخَالِقِ! فَالمُعْتَكِفُ قَدْ حَبَسَ نَفْسَهُ على طَاعَةِ اللهِ، وعَكَفَبِقَلْبِهِ وقَالَبِهِ على رَبِّه.

أَقُوْلُ قَوْلِي هَذَا، وأسْتَغْفِرُ اللهَ لِيْ وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوْهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الحَمْدُ للهِ على إِحْسَانِهِ، والشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيْقِهِ وَامْتِنَانِه، وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُه.

أَمَّا بَعْدُ: لَيْلَةُ القَدْرِ هِيَ أَعْظُمُ سُوقٍ لِلْتِّجَارَةِ مَعَ اللهِ؛ فَإِذَا اسْتَطَعْتَ أَلَّا يَسْبِقَكَ إلى اللهِ أَحَدٌ فَافْعَلْ؛ فَهِيَ (لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ!).

والعَشْرُ الأَوَاخِرُ: هِيَ مِسْكُ الخِتَامِ، ونِهَايَةُ السِّبَاقِ؛ فَأَسْرِعُوا بِاللَّحَاقِ، فَأَنْتُم على وَشْكِ الفِرَاقِ! فَإِنَّ الخَيْلَ إِذَا شَارَفَتْ نِهَايَةَ المِضْمَارِ؛ بَذَلَتْ قُصَارَى جُهْدِهَا، والأَعْمَالُ بِالخَوَاتِيْمِ؛ قال ﷺ: (مَنْ أَحْسَنَ فِيمَا بَقِيَ؛ غُفِرَ لَهُ ما مَضَى).

*******

 

 

* اللَّهُمَّ كما بَلَّغْتَنَا رمضان؛ فَأَعِنَّا فيه على الإحسان، واخْتِمْهُ لَنَا بالمَغْفِرَةِ والرِّضْوَان، والعِتْقِ مِنَ النيران.

* اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِاغْتِنَامِ لَيْلَةِ القَدْر، وارْزُقْنَا فيها عَظِيمَ الثَّوَابِ والأَجْر.

* اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسلامَ والمُسلِمِينَ، وارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِين: أَبِي بَكرٍ، وعُمَرَ، وعُثمانَ، وعَلِيّ؛ وعَنِ الصَّحَابَةِ والتابعِين، ومَنْ تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إلى يومِ الدِّين.

* اللَّهُمَّ فَرِّج هَمَّ المَهمُومِينَ، ونَفِّسْ كَرْبَ المَكرُوبِين، واقْضِ الدَّينَ عَنِالمَدِينِيْن، واشْفِ مَرضَى المسلمين.

* اللَّهُمَّ آمِنَّا في أَوطَانِنَا، وأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا ووُلَاةَ أُمُورِنَا، ووَفِّقْ (وَلِيَّ أَمرِنَا ووَلِيَّ عَهْدِهِ) لِمَا تُحِبُّ وتَرضَى، وخُذْ بِنَاصِيَتِهِمَا لِلْبِرِّ والتَّقوَى.

* اللَّهُمَّ أَنتَ اللهُ لا إِلَهَ إلَّا أَنتَ، أَنتَ الغَنِيُّ ونَحنُ الفُقَراء؛ أَنْزِلْ عَلَينَا الغَيثَ، ولا تَجْعَلْنَا مِنَ القَانِطِين.

* اللَّهُمَّ إِنَّا نَستَغفِرُكَ إِنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا؛ فَأَرسِلِ السَّمَاءَ عَلَينَا مِدرَارًا.

* عِبَادَ الله: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.

* فَاذْكُرُوا اللهَ يَذْكُرْكُمْ، واشْكُرُوهُ على نِعَمِهِ يَزِدْكُم ﴿ولَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾.

قناة الخُطَب الوَجِيْزَة

https://t.me/alkhutab
 
 

 

 

المرفقات

1773245137_ليلة القدر (نسخة مختصرة).pdf

1773245137_ليلة القدر (نسخة مختصرة).docx

1773245139_ليلة القدر (نسخة للطباعة).pdf

1773245140_ليلة القدر.pdf

1773245140_ليلة القدر (نسخة للطباعة).docx

المشاهدات 7420 | التعليقات 1

جزاك الله خيرا