محبة الله -عز وجل-

راكان المغربي
1447/10/21 - 2026/04/09 15:08PM

محبة الله -عز وجل-

 

الْخُطْبَةُ الْأُولَى

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.

أَمَّا بَعْدُ:

أَعْظَمُ وَقُودٍ، وَأَلَذُّ مَتَاعٍ، وَأَسْرَعُ طُرُقِ الْوُصُولِ.

الرِّحْلَةُ الَّتِي تَغْمُرُهَا الْمَحَبَّةُ، وَتَتَّقِدُ بِمَشَاعِرِ الْوُدِّ، لَا يَشْعُرُ فِيهَا الْمَرْءُ بِالتَّعَبِ، وَلَا يُخَالِطُهُ النَّصَبُ. بَلْ لَنْ يَجِدَ فِيهَا إِلَّا الْأُنْسَ وَالسُّرُورَ، وَالسَّعَادَةَ وَالنَّعِيمَ.

وَهَكَذَا هِيَ رِحْلَةُ الْإِنْسَانِ مَعَ اللهِ، مَتَى مَا عُمِرَتْ بِالْمَحَبَّةِ لَهُ جَلَّ وَعَلَا، فَسَيَكُونُ ذَلِكَ الْحُبُّ هُوَ النَّعِيمَ الَّذِي تَلْتَذُّ بِهِ رُوحُكَ، وَالْوَقُودَ الَّذِي يَدْفَعُ قَلْبَكَ وَجَوَارِحَكَ، وَالْمَرْكَبَ السِّحْرِيَّ الَّذِي يُوصِلُكَ إِلَى أَعْلَى الْمَرَاتِبِ، وَأَرْفَعِ الدَّرَجَاتِ.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ: مَتَى السَّاعَةُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟) قَالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثِيرِ صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ وَلَا صَدَقَةٍ، وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَقَالَ: (أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ).

بِالْحُبِّ وَصَلَ، وَبِالْحُبِّ نَصِلُ -بِإِذْنِ اللهِ-.

لِلْإِيمَانِ حَلَاوَةٌ لَذِيذَةٌ لَا يَذُوقُ طَعْمَهَا إِلَّا مَنْ عَاشَ حَيَاةَ الْحُبِّ لِلهِ جَلَّ وَعَلَا، يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: (ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ).

يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ- عَنِ الْمَحَبَّةِ: "هِيَ الْمَنْزِلَةُ الَّتِي فِيهَا يَتَنَافَسُ الْمُتَنَافِسُونَ، وَإِلَيْهَا شَخَصَ الْعَامِلُونَ، وَإِلَى عَلَمِهَا شَمَّرَ السَّابِقُونَ. هِيَ قُوتُ الْقُلُوبِ، وَغِذَاءُ الْأَرْوَاحِ، وَقُرَّةُ الْعُيُونِ. وَهِيَ الْحَيَاةُ الَّتِي مَنْ حُرِمَهَا فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَمْوَاتِ، وَالنُّورُ الَّذِي مَنْ فَقَدَهُ فَفِي بِحَارِ الظُّلُمَاتِ، وَالشِّفَاءُ الَّذِي مَنْ عَدِمَهُ حَلَّتْ بِقَلْبِهِ جَمِيعُ الْأَسْقَامِ، وَاللَّذَّةُ الَّتِي مَنْ لَمْ يَظْفَرْ بِهَا فَعَيْشُهُ كُلُّهُ هُمُومٌ وَآلَامٌ".

 

عِبَادَ اللهِ

جُبِلَ الْإِنْسَانُ عَلَى حُبِّ مَنْ أَكْرَمَهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، فَالْمَرْءُ يُحِبُّ أُمَّهُ الَّتِي رَبَّتْهُ، وَأَبَاهُ الَّذِي أَنْفَقَ عَلَيْهِ، وَجَارَهُ الَّذِي يُحْسِنُ جِوَارَهُ، وَمُعَلِّمَهُ الَّذِي صَبَرَ عَلَيْهِ، وَمُدِيرَهُ الَّذِي يُرَاعِي ظُرُوفَهُ. وَقَدْ قِيلَ: "الْإِنْسَانُ أَسِيرُ الْإِحْسَانِ". فَيَتَفَاوَتُ مِقْدَارُ النَّاسِ الَّذِينَ تُحِبُّهُمْ بِقَدْرِ مَا أَحْسَنَ كُلٌّ مِنْهُمْ إِلَيْكَ، وَبِقَدْرِ مَا اسْتَحْضَرْتَهُ وَشَهِدْتَهُ مِنْ إِحْسَانِهِمْ.

وَلَيْسَ أَحَدٌ أَعْظَمَ إِحْسَانًا إِلَيْكَ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ، الَّذِي إِلَيْهِ يُرَدُّ كُلُّ إِحْسَانٍ عَرَفْتَهُ مُنْذُ خُلِقْتَ.

هَلْ تَصَوَّرْتَ يَوْمًا كَيْفَ سَتَنْقَلِبُ حَيَاتُكَ جَحِيمًا إِذَا تَخَلَّى عَنْكَ اللهُ، فَحَرَمَكَ نِعَمَهُ، وَسَلَبَكَ هِدَايَتَهُ، وَأَضَلَّكَ عَنْ طَرِيقِهِ؟

لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ يُغْدِقُ عَلَيْكَ مِنْ نِعَمِهِ، وَيَفِيضُ عَلَيْكَ مِنْ آلَائِهِ. كَمْ بَعُدْتَ عَنْهُ فَقَرَّبَكَ، وَبَارَزْتَهُ بِالْعِصْيَانِ فَأَرْجَعَكَ، وَتَمَادَيْتَ فِي الطُّغْيَانِ فَمَا عَاَقَبَكَ؟

 

تَعَالَ مَعِي لِنُقَدِّرَ قِيمَةَ مَا وَهَبَنَا اللهُ مِنَ النِّعَمِ.. عَفْوًا! لِنُقَدِّرَ قِيمَةَ نِعْمَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ.

بِكَمْ سَتَعْرِضُ عَيْنَيْكَ وَتَبِيعُهَا فِي الْأَسْوَاقِ، مِلْيُونَ أَمْ مِلْيَارَ أَمْ تِرِيلْيُونَ؟

إِنَّهَا -بِدُونِ شَكٍّ- لَا تُقَدَّرُ بِثَمَنٍ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّكَ تَمْلِكُ فِي رُقْعَةِ وَجْهِكَ مَا قِيمَتُهُ أَكْبَرُ مِنَ الْمَلَايِينِ وَالْمِلْيَارَاتِ وَالتِّرِيلْيُونَاتِ.

هَذِهِ الْمَبَالِغُ الضَّخْمَةُ لَوْ أَعْطَاكَ عُشْرَ عُشْرِ مِعْشَارِهَا أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ لَأُسِرَ قَلْبُكَ بِمَحَبَّتِهِ، وَلَظَلَلْتَ حَيَاتَكَ كُلَّهَا تَسْتَحْضِرُ كَرَمَهُ وَفَضْلَهُ، وَتَوَدُّ أَنْ تَرُدَّ لَهُ شَيْئًا مِنَ الْجَمِيلِ.

فَلِمَاذَا نَسْتَحْضِرُ فَضْلَ الْبَشَرِ، وَنَنْسَى كَرَمَ وَفَضْلَ وَإِحْسَانَ رَبِّ الْبَشَرِ؟!

يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ: (إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ)، قَالَ الْحَسَنُ: "الْكَنُودُ هُوَ الَّذِي ‌يَعُدُّ ‌الْمَصَائِبَ وَيَنْسَى نِعَمَ اللهِ عَلَيْهِ". فَلَا تَكُنْ جَاحِدًا كَنُودًا، وَكُنْ ذَاكِرًا شَكُورًا.

إِذَا أَرَدْتَ أَنْ يَزْدَادَ حُبُّ اللهِ فِي قَلْبِكَ فَلْتَسْتَحْضِرْ نِعَمَهُ وَإِحْسَانَهُ عَلَيْكَ، وَانْتَبِهْ مِنْ نِسْيَانِهَا وَالْغَفْلَةِ عَنْهَا. وَلْتَكُنْ أَيْضًا دَائِمَ التَّعَرُّضِ لِمَعْرِفَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ بِأَسْمَائِهِ الْجَمِيلَةِ وَصِفَاتِهِ الْجَلِيلَةِ، وَذَلِكَ مِنْ خِلَالِ التَّفَكُّرِ وَالتَّأَمُّلِ فِي كِتَابِهِ الْمَقْرُوءِ، وَفِي كَوْنِهِ الْمَنْظُورِ.

فَالْقُرْآنُ يَزِيدُكَ مَحَبَّةً لِلهِ سُبْحَانَهُ، إِذْ أَنَّ أَعْظَمَ مَنْ عَرَّفَ بِاللهِ هُوَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ، فَلَا يَكَادُ تَمُرُّ عَلَيْكَ صَفْحَةٌ مِنَ الْمُصْحَفِ إِلَّا وَفِيهَا تَعْرِيفٌ بِاللهِ، وَجَلِيلُ صِفَاتِهِ، وَحُسْنُ أَسْمَائِهِ.

ثُمَّ سَتَجِدُ الْقُرْآنَ دَائِمًا مَا يَلْفِتُكَ إِلَى الْكَوْنِ الْمَنْظُورِ، لِتَتَعَرَّفَ عَلَى جَمِيلِ صُنْعِهِ، وَكَرِيمِ نِعَمِهِ فِي هَذَا الْكَوْنِ الْبَدِيعِ، يَقُولُ سُبْحَانَهُ: (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ‌وَأَسْبَغَ ‌عَلَيْكُمْ ‌نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ).

"تَعَبُكُمْ رَاحَةٌ" هَذِهِ كَلِمَةٌ تُقَالُ لِلتَّعْبِيرِ بِأَنَّ الْإِنسَانَ لَا يَتْعَبُ مِنْ خِدْمَةِ الَّذِينَ يُحِبُّهُمْ، بَلْ بِالْعَكْسِ هَذَا الَّذِي يَرَاهُ النَّاسُ تَعَبًا، هُوَ عَيْنُ الرَّاحَةِ بِالنِّسْبَةِ لَهُ، لِأَنَّ الْبَذْلَ فِي سَبِيلِ مَنْ تُحِبُّهُمْ سَعَادَةٌ وَمُتْعَةٌ.

هَذِهِ مِنْ أَجَلِّ عَلَامَاتِ الْمَحَبَّةِ الصَّادِقَةِ، فَإِذَا كُنْتَ تُحِبُّ اللهَ حَقًّا فَإِنَّهُ سَيَسْهُلُ عَلَيْكَ النَّصَبُ فِي طَاعَتِهِ وَمَرْضَاتِهِ، وَحَبْسُ النَّفْسِ عَمَّا يُغْضِبُهُ وَلَا يُرْضِيهِ.

مَنْ يُحِبُّ اللهَ سَيَسْهُلُ عَلَيْهِ تَرْكُ النَّوْمِ وَالْقِيَامُ مِنْ فِرَاشِهِ لِلصَّلَاةِ لَهُ، وَسَيَهُونُ عَلَيْهِ إِنْفَاقُ الْمَالِ فِي سَبِيلِ مَرْضَاتِهِ، وَسَيَسْتَلِذُّ بِتَرْكِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ صِيَامًا مِنْ أَجْلِهِ.

أَرْقَى نَمُوذَجٍ لِهَذَا الْمَعْنَى هُوَ سَيِّدُ الْخَلْقِ ﷺ الَّذِي تَرْوِي عَنْهُ زَوْجُهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّهُ: "كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ، وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَقَالَ: (أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟!)".

إِنَّهُ يَعِيشُ تَمَامًا شُعُورَ "التَّعَبِ الْمُرِيحِ" مَعَ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَا يَشْعُرُ بِتَشَقُّقِ الْقَدَمِ، وَلَا أَلَمِ الظَّهْرِ، وَلَا مَشَقَّةِ الْوُقُوفِ، لِأَنَّ لَذَّةَ الْأُنْسِ بِمَحْبُوبِهِ غَطَّتْ عَلَى أَلَمِهِ، وَأَنْسَتْهُ كُلَّ عَنَاءٍ.

كُلَّمَا ازْدَادَ الْإِنْسَانُ فِي مَحَبَّتِهِ لِلهِ، سَهُلَ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ مَحَابِّهِ جَلَّ وَعَلَا عَلَى مَحَابِّ نَفْسِهِ. سَيَخْتَارُ رِضَا اللهِ إِذَا طَمَحَتْ نَفْسُهُ فِي النَّظْرَةِ الْمُحَرَّمَةِ، سَيَفِرُّ مِنْ غَضَبِ اللهِ إِذَا رَغِبَتْ أُذُنُهُ سَمَاعَ النَّغْمَةِ الْمُحَرَّمَةِ، سَيَنْهَى نَفْسَهُ عَنْ هَوَاهَا كُلَّمَا تَاقَتْ لِلْمَالِ الْحَرَامِ.

كُلُّ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُ أَنْ يَخْسَرَ حُبَّ حَبِيبِهِ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا قَلِيلٍ فَانٍ لَا يُقَدِّمُ وَلَا يُؤَخِّرُ.

وَأَمَّا إِذَا خَسِرَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الِامْتِحَانَاتِ -وَلَا بُدَّ فَكُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ-، فَإِنَّكَ سَتَجِدُهُ مُسَارِعًا إِلَى مَحْبُوبِهِ، طَالِبًا رِضَاهُ، وَاقِفًا عَلَى عَتَبَاتِهِ، تَائِبًا مِنْ ذَنْبِهِ وَعِصْيَانِهِ، يَقُولُ بِلِسَانِ الْحَالِ وَالْمَقَالِ: يَا رَبِّ "أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ".

وَسَيَلْقَى مَحْبُوبَهُ يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ، وَيُقِيلُ عَثْرَتَهُ (وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا).

 

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ، أَمَّا بَعْدُ:

عَادَةُ الْمُحِبِّينَ أَنَّهُمْ لَا يُطِيقُونَ مُفَارَقَةَ مَحْبُوبِيهِمْ، فَإِنْ لَمْ تَجْمَعْهُمُ الْأَجْسَادُ، جَمَعَتْهُمُ الْقُلُوبُ وَالْأَرْوَاحِ. فَيَشْتَاقُونَ إِلَى لُقْيَاهُمْ، وَيَأْنَسُونَ بِذِكْرَاهُمْ، وَلَا تَغِيبُ عَنْهُمْ خَوَاطِرُهُمْ.

وَهَذِهِ عَلَامَةٌ بَيِّنَةٌ مِنْ عَلَامَاتِ الْمُحِبِّ لِلهِ سُبْحَانَهُ، تَجِدُهُ دَائِمَ الذِّكْرِ لَهُ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ، فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، وَحْدَهُ وَعَلَى الْمَلَأِ: (لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ ‌يَذْكُرُونَ ‌اللَّهَ ‌قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ).

وَمِنْ شَوَاهِدِ الْمَحَبَّةِ الصَّادِقَةِ، مَا تُشْعِلُهُ تِلْكَ الْمَحَبَّةُ مِنْ نِيرَانِ الشَّوْقِ إِلَى الْمَحْبُوبِ. يَقُولُ ابْنُ رَجَبٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: "‌الشَّوْقُ إِلَى لِقَاءِ اللهِ دَرَجَةٌ عَالِيَةٌ رَفِيعَةٌ تَنْشَأُ مِنْ قُوَّةِ الْمَحَبَّةِ لِلهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْأَلُ اللهَ هَذِهِ الدَّرَجَةَ". وَهُوَ يُشِيرُ إِلَى دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ: (وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ).

فَتِلْكَ غَايَةُ أَمَانِي الْمُحِبِّينَ، وَأَقْصَى مَطْلُوبَاتِ الصَّالِحِينَ، أَنْ يَلْقَوْا مَحْبُوبَهُمْ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَهُ فِي مَقْعَدِ الصِّدْقِ، وَمُسْتَقَرِّ الرَّحْمَةِ، فَيَعِيشُونَ تِلْكَ اللَّحْظَةَ الْمَهِيبَةَ الَّتِي يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهَا: (إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ نَادَى مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ! إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ. فَيَقُولُونَ: مَا هُوَ؟ أَلَمْ يُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ يُثَقِّلْ مَوَازِينَنَا؟ أَلَمْ يُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَيُجِرْنَا مِنَ النَّارِ؟ فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَوَاللهِ مَا أَعْطَاهُمْ اللهُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ، وَلَا أَقَرَّ لِأَعْيُنِهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ، ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللهِ هَذِهِ الْآيَةَ: (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ)).

إِنَّهَا لَحْظَةُ الْمُحِبِّينَ الْمُنْتَظَرَةُ، حِينَ يَرَوْنَ وَجْهَ رَبِّهِمُ الْكَرِيمِ، ذَلِكَ الرَّبَّ الَّذِي طَالَمَا خَشَعَتْ لَهُ قُلُوبُهُمْ، وَعُمِرَتْ بِذِكْرِهِ أَلْسِنَتُهُمْ، وَجَاعَتْ لَهُ بُطُونُهُمْ، وَسَهِرَتْ لَهُ أَعْيُنُهُمْ، وَبَذَلُوا فِي سَبِيلِهِ أَمْوَالَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ، لَطَالَمَا اشْتَعَلَتْ نِيرَانُ الشَّوْقِ إِلَى لِقَائِهِ، وَالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ، وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ تَنْطَفِئُ نِيرَانُ الشَّوْقِ، فَيَنَالُونَ أَعْظَمَ نَعِيمٍ وَأَعْلَى غَايَةٍ: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ ۚ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا).

 

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إِلَى حُبِّكَ.

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ.

اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِالْإِيمَانِ وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ، غَيْرَ ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ.

المرفقات

1775736472_محبة الله عز وجل.docx

1775736474_محبة الله عز وجل.pdf

المشاهدات 173 | التعليقات 0