مقاصد الصيام وأهمية تحقيقها

د.عبدالحميد المحيمد
1447/09/04 - 2026/02/21 21:46PM

إن الحمد للّه، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده اللّه فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له،  وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله  اللَّهم صلَّ على محمدٍ وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ، في العالمين إنك حميدٌ مجيد، اللَّهم بارك على محمدٍ وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم ، في العالمين إنك حميدٌ مجيد .

عباد اللّه ، أوصيكم ونفسي بتقوى اللّه.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ )

أيها الأحبة في اللَّه، للصيام مقاصد، وفهمُ المقاصد في الشريعة الإسلامية هو أساسٌ في تصوّرها والإخلاصِ فيها، وفهمِ غايةِ اللَّه عزَّ وجلَّ من هذه العبادات. فالصيام ليس مجرد عادةِ جسدٍ، بل عبادةُ قلبٍ، وليس مجرد برنامجٍ صحيٍّ، بل مشروعٌ للتغيير، مشروعٌ للتهذيب. ومن أهمِّ مقاصدِ الصيام المقصدُ الذي ذكره القرآنُ في آيةٍ أُمرنا بها بالصيام:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: 183]

لماذا قرنَ اللهُ عزَّ وجلَّ التقوى في أولِ آيةٍ أُمِرَتْ بالصيام؟ لأن هذه التقوى هي الثمرةُ من هذا الصيام، فإذا صام الإنسانُ ولم يتعلَّمِ التقوى، فهناك خللٌ في صيامه.

اليوم، وللَّه الحمد، نحن في اليوم الثالث من رمضان، ماذا يعني هذا؟ يعني أننا تقدَّمنا في التقوى ثلاثَ درجات، إذا كان مقدارُ التقوى ثلاثين درجةً في رمضان نتعلَّمها شيئًا فشيئًا، فنحن اليوم، بإذن اللَّه، تعلَّمنا ثلاثَ درجاتٍ وتعمَّقنا في التقوى.

(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) حتى نتعلَّم معنى التقوى ونرتقي منها إلى الإحسان،

لأن كلَّ العبادات ظاهرها أكثر من باطنها، فكلُّ عبادة، على سبيل المثال الصلاة، هناك الأذان والقراءة والركوع، كلها ظاهره لكنها تحمل في باطنها عمقًا يُسمّى الخشوع. وأما الصيام، فعمقه أعظم من ظاهره.

تخيّل صائمًا واقفًا أمامك، هل ستعرف أنه صائم؟ هل تظهر عليه أي علامات تميّزه؟ لا، لا شيء يميّزه، لأن المعنى الحقيقي للصيام يكون في داخلك، ولذلك الاطلاعُ عليه من اللهِ عزَّ وجلَّ .

ولذلك خصّ اللَّه عز وجل الصوم كما جاء في الحديث القدسي:

«يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ كلُّ عمَلِ ابنِ آدمَ له إلا الصيامَ فهو لِي وأنا أجزِي بِهِ إنَّمَا يتْرُكُ طعامَهَ وشَرَابَهُ مِن أجْلِي فصيامُهُ لَه وأنا أجزِي بِه كلُّ حسنةٍ بعشرِ أمثالِهَا إلى سبعمائِةِ ضعفٍ إلا الصيامَ فهو لِي وأنا أجزِي بِهِ».

ومن هنا نتساءل: لماذا خصّ الصوم مع أنّ الصلاة أهم من الصيام؟

لأن الصلاة يدخلها الرياء، ويدخلها العجب ونظرة الناس، أما الصيام فغالبه في داخلك، إذاً تتعلَّم معنى التقوى الحقيقية في قلبك.

 

ومن مقاصد الصيام أن يُدرك الإنسان بأن اللَّه يراه، وذلك في مرتبة الإحسان كما في الحديث:

«اعبُدِ اللَّه كأنَّك تراه، فإنْ لم تكُنْ تراه فإنَّه يراك».

فلتتخيَّل حال المرء في خلوةٍ من أمره، وأغلق الأبواب، وعنده الماء البارد؛ فيمتنع عن شربه لشعوره بأن اللَّه يراه.

أما خارج الصيام، فهو كثير الغفلة عن باقي العبادات، مشغول بالموسيقى الصاخبة وكل ما يلهي ويعبث بجوارحه، ويؤخر الصلاة.

إلا أن الصوم يربّيه وينمِّي فيه المراقبة والإحسان، ويجعله يحس دائمًا بمراقبة اللَّه تعالى.

ومن مقاصد الصيام أيضًا كسر الشهوات، وخاصة لدى الشباب، فالأمم اليوم تملك خزانًا كبيرًا من الطاقات الشبابية، لكن كثيرًا ما تضيع هذه الطاقات.

الشباب، كثيرٌ منهم في ضياع، فالإسلام يُعلِّم هؤلاء الشباب حتى في غير رمضان. النبيُّ عليه الصلاة والسلام يأمر بالزواج، قال عليه الصلاة والسلام:

«يا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَعليه بالصَّوْمِ؛ فإنَّه له وِجَاءٌ».

فماذا يفعل من لم يستطع؟ قال صلى اللَّه عليه وسلم: «فَعليه بالصَّوْمِ؛ فإنَّه له وِجَاءٌ».

فالصوم إذًا هو طريقةٌ لكسر الشهوات.

كذلك اليوم بعضُ الناس، إذا جلس، لا يملك لسانه، فيخوض في سيرة الآخرين ويتناول أخبار الفضيحة هنا وهناك. فجاء الصوم ليهذّب لسانه، وسمعه، وبصره. ولذلك ماذا قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام لمن لم يحقق هذا المقصد؟

قال عليه الصلاة والسلام:

«من لم يَدَعْ قولَ الزور والعملَ به، فليس للَّه حاجةٌ في أن يَدَعَ طعامَه وشرابَه»

إذًا هذا تأكيدٌ بأن هذا المقصد لا بد أن يتحقق.

من مقاصد الصيام أيضًا أن ينظّم حياة الإنسان اليومية ويهيئه للالتزام بالطاعات. فلننظر إلى حال بعض الناس خارج رمضان، فنجد صعوبةً في انتظامهم بالصلوات الخمس، وصلاة الجماعة غالبًا ما تكون بعد الإقامة وفي الركعات الأخيرة، أمّا في رمضان، فيحصل انشراح القلب وقبول الطاعات، فيبادر المؤمن إلى الصلاة مبكرًا، محافظًا على صلاة الجماعة، ولا يغفل أغلبهم عن صلاة الفجر أو التراويح.

ولا يقتصر أثر الصيام على الفرد فقط، بل يشمل الأسرة أيضًا؛ فالأسرة تجتمع على مائدة الإفطار، فيزداد التلاحم، ويعزز الصلة والمودة بين أفراده.

العالم اليوم، وكلُّ الحضارات عاجزون عن تنظيم جدولهم اليومي وجدول الأسرة كما نظَّمه الإسلام في رمضان، فما استطاع أحدٌ أن ينظّم ذلك؛ لأن هذا من صُنعِ اللَّه، وخلق اللَّه، وشرع اللَّه. عند الإفطار، يجتمع أهلُ الإيمان بمجرد سماع الأذان.

ولذلك أمرنا النبيُّ عليه الصلاة والسلام أن نُعجّل الإفطار، لئلا يكون هناك تفاوت، كما أوصانا بالسحور، وتأخيره لما فيه من بركة.

إذًا، هذا من التنظيم الحياتي وتنظيم الجدول اليومي. فنسأل اللَّه أن يُصلح أحوالنا، وأن يتقبّل صيامنا.

أقول ما تسمعون وأستغفر اللَّه .

 

الخطبة الثانية

 

الحمدُ للّهِ ربِّ العالمين، وصلَّى اللَّه وسلَّم على نبينا محمدٍ، وعلى آلِ بيتهِ الطيبين الطاهرين.

أيها الأحبة في اللَّه، فهمُ مقاصدِ الصيام من أجل أن نُطبِّق هذه المقاصد ونعيشَها في أجوائنا الرمضانية، حتى نخرج من رمضان وقد تغيَّرنا، وتعلَّمنا التقوى، ونَمَا عندنا الإحسان، واستشعرنا حاجةَ الفقراء، ونظَّمنا جدولَنا اليومي، وحافظنا على العبادات، وابتعدنا عن قول الزور، وحفظنا ألسنتَنا، وحفظنا أسماعَنا، حتى بعد رمضان.

شهرٌ واحد، لكنه يربِّي العامَ كُله، اثني عشر شهرًا نتربَّى فيها بتربية رمضان. فنسأل اللَّه أن يغفر ذنوبَنا، وأن يستر عيوبَنا، وأن يكفِّر سيئاتنا، وأن يُحسِن ختامَنا، وأن يشفي مرضانا، وأن يُعافي مبتلانا، وأن يغفر لآبائنا وأمهاتِنا.

اللَّهم أعنَّا على الصيامِ والقيامِ، وغضِّ البصر، وحفظِ اللسان، واجعلنا من المقبولين، ولا تجعلنا من المحرومين يا رحمن يا رحيم.

اللَّهم احفظ هذا البلدَ وبلادَ المسلمين.

اللَّهم اسقِنا الغيثَ، ولا تجعلنا من القانطين، اللَّهم أغِثِ البلادَ والعبادَ سقيا رحمةٍ لا سقيا عذاب، تُحيي بها الزرعَ، وتُدِرُّ بها الضرعَ، وتجعلها رحمةً لنا يا رحمنُ يا رحيم.

اللَّهم أغِثنا، اللَّهم أغِثنا، اللَّهم أغِثنا.

وصلَّى اللَّه على نبينا محمد.

  1.  

 

المرفقات

1771699588_مقاصد الصيام وأهمية تحقيقها .pdf

المشاهدات 74 | التعليقات 0