مقام الإيمان

عبدالعزيز بن محمد
1447/10/21 - 2026/04/09 11:12AM

إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَمَّا بَعْدُ:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)
أيها المسلمون: لا يَزالُ النَّاسُ على هذهِ الأَرضِ يَتَعاقَبُون، أُمَةٌ على إِثْرِ أُمَةٍ، وجِيْلٌ على إِثْرِ جِيْل، يُمَتَّعُ جِيْلٌ على هَذِهِ الأَرضِ زَمَناً، ثُمَّ يَنْقَرِضُ ويَخْلُفُ ذاكَ الجِيْلَ جِيْل. أَجْيالٌ تَمُرُّ، لِتُبْتَلَى وتُمْتَحَنُ، وتُخْتَبَرُ وتُمَحَّصْ، والنَّاسُ في الحَياةِ ما بَيْنَ مُهْتَدٍ وَحَائِرٍ، وَمَا بَيْنَ بَرٍّ وَفَاجِرٍ. ومُنْقَلَبُ النَّاسِ في عَاقِبَةِ أَمْرِهِم مَا بَيْنَ نَاجٍ وَهالِكٍ، وما بَيْنَ رَابِحٍ وَخَاسِرٍ. 

ولا سَلامَةَ للإِنْسانِ إِلا بالإِسْلامِ، ولا نَجاةَ لَهُ إِلا بالإِيْمانِ، ولا كَرامَةَ لَهُ إِلا بالتَقْوَى.

والإِيْمانُ هُوَ مَعْقِلُ الهِدايَةِ وهُوَ مَوْرِدُها، وهُو غايَةُ الفَلاحٍ وهُوَ أَساسُها. بالإِيْمانِ يَعْلُو المرءُ ويَسْمُو، وبِهِ يَنالُ الكَرامَةَ ويَنْجو {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} الإِيْمانُ، نُورٌ بِهِ القَلْبُ يُشْرِقُ، وسَعادَةٌ بِها الحَياةُ تَطِيْبُ، وانْشِراحٌ بِهِ الصَدْرُ يَتَّسِعُ، وهدايَةٌ بِها المرءُ يَسِيْر.

والإِيْمانُ: هُوَ التَّصْدِيْقُ الجَازِمُ الذِيْ لا يِشُوبُهُ شَكٌّ، وهُوَ الاعْتِقادُ الصَّادِقُ الذِيْ لا يُصِيْبهُ رَيْب. يُؤْمِنُ العَبْدُ بأَرْكانِ الإِيْمانِ التِيْ أَوْجَبَ اللهُ عليهِ الإِيْمانَ بها: «أَنْ تُؤْمِنَ باللَّهِ، ومَلائِكَتِهِ، وكُتُبِهِ، ورُسُلِهِ، والْيَومِ الآخِرِ، وتُؤْمِنَ بالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ» {وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا}

الإِيْمانُ: هُوَ اعْتِقادٌ بالقَلْبِ، وقَوْلٌ باللسَانِ، وعَمَلٌ بالأَرْكَانِ. يَزِيْدُ بالطَّاعَةِ ويَنْقُصُ بالعِصْيان.  الإِيْمانُ هُوَ الأَمانُ، ولا أَمانَ لِمَنْ لا إِيْمانَ لَه {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} المؤْمِنُونَ لَهُمُ الأَمْنُ الأَعْظَمُ يُومَ القِيامَةِ {لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} ولَهُم الأَمْنُ في الدُّنيا، وإِنْ أَحاطَتْ بِهِمُ الكُروبُ، وإِنْ لَفَّتْ بِهِم المَخاوِف، وإِنْ تَكالَبَتْ عَلِيْهِم الآلام. وعلى قَدْرِ إِيْمانِ العَبْدِ بِرَبِهِ يَعْظُمُ أَمانُه {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} {قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}

قُوَّةُ الإِيْمانِ في القَلْبِ، هِيَ أَعْظَمُ طَاقَةٍ تَحْمِلُ صَاحِبَها على المُسارَعَةِ إِلى فِعْلِ الخَيْراتِ، وهِيَ أَعْظَمُ سِياجٍ يَحْجِبُ صَاحِبَهُ عَنْ اقْتِرافِ المُنْكراتِ، وهِيَ أَعْظَمُ مُهذِّبٍ للنَّفْسِ، وهِيَ أَعْظَمُ حافِظٍ للأَخلاقِ، وهِيَ أَعْظَمُ حَامٍ للمُرُوءَات.  

* الإِيْمانُ، هُوَ عَقْدُ الوَلايَةِ بَيْنَ اللهِ بَيْنَ عِبادِه. فَمَنْ كانَ باللهِ مُؤْمِناً، كَانَ للهِ ولِياً، يُسَدِّدُهُ اللهُ ويَهْدِيْهِ، ويَحْفَظُهُ ويُنْجِيْه، ويُعِيْنُهُ ويَتَولاهُ ويَكفِيْه {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}

* الإيْمانُ يَجْلِبُ في القَلْبِ السَّكِيْنَةِ، ومَنْ كانَت السَّكِيْنَةُ لَهُ مَوْهُوبَةٌ، فالمَكارِهُ عَنْهُ مَحْجُوبَة. ومَنْ كَانَت السَكِيْنَةُ لُهُ مركَبْ، فَالسَعادَةُ لَهُ مَشْرَب {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ} الإيْمانُ ضَمانُ الهِدايَةِ، ومَنْ كَانَ الإِيْمانُ لَهُ أَكْمَل، كَانَتِ الهِدايَةُ لَهُ أَتَمُّ وأَشْمَل {وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. 

* الإِيْمانُ مَقامُ عِزٍّ، ولا عِزَّةَ إِلا بالإِيْمانِ. قَرَنُ اللهُ عَزَّةَ المُؤْمِنِ بِعِزَّتِهِ سُبْحانَهُ {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} وأَيُّ عَزّةٍ لَمْ تُسْتَمَدَّ مِنَ الإِيْمانِ، فَإِنَما هِي وَهْمٌ وَذُلٌّ وخَيْبَةُ وخُذْلان، يُخْذَلُ مَنْ رَكِبَ مَرْكَبَ العِزِّ زُوراً. وَكُمْ رَأَى النَاسُ في الدُّنْيا مِنْ عَزِيْزٍ اعْتَمَدَ على غَيْرِ اللهِ، فَسُلِبَ مَكانَتَهُ، فَانْقَلَبَ إِلى ذُلٍّ وهَوان. وهُوانُ الآخِرَةِ أَبْشَعُ وأَخْزَى {خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ}

* المؤْمِنُ كَرِيْمٌ على رَبِهِ، يُقَدِّرُ اللهُ لَهُ أَكْرَمَ المَقادِيْرِ، فَكُلُّ تَقْدِيْرِ اللهِ للمُؤْمِنِ خَيْرٌ، وإِنْ كانَ في ظَاهِرِ القَدَرِ مَنْعٌ وحَجْبٌ وحِرْمان. عَنْ صُهَيْبٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» رواه مسلم

* تَعْصِفُ بالنَّاسِ أَصْنافُ الفِتَن، وتَتَلاطَمُ بِهِم أَمْواجٌ مِنَ الشَهَواتِ والشُبُهاتِ، وتَشْتَدُّ بِهِم المخَاوِفِ، وتقْسُو بِهِم الأَزَمات. ويَبْقَى المُؤْمِنُ في أَمانِ اللهِ يُرْعَى، وفي حِفْظِهِ يُحْمَى. ثابِتُ القَلْبِ، لا يَهْتَزُّ إِيْمانُهُ، ولا يَضْعُفُ قَلْبُهُ، ولا يَتَزَعْزَعُ ثَباتُه {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكيلُ}

* مُؤْمِنٌ فَتَحَ قَلْبَهُ للوَحِيِ فأَشْرَقَ النُورُ فيهِ، فأَبْصَرَ مِنَ الحَقِّ ما لَمْ يُبْصِرُهُ مَنْ جَحَد. مُؤْمِنٌ لَهُ عِلْمٌ مُسْتَمَدٌّ مِنَ الوِحيِ فَهْوَ على بَصِيْرَةٍ مِنْ رَبِهِ، يَعْلَمُ لِماذا خُلِقَ، وبِماذا أُمِرَ، وما هِيَ الحَياةُ التِيْ يَجِبُ أَن يكونَ عليها، ويَعْلَمُ أَنَّ مَصِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ الجَنَّةَ، وأَنْ مَصِيْرَ المُسْتَكْبِرِيْنَ النَّار. فَلَمْ يَتَخَبَّطْ في ظُلُماتِ الجَهْلِ والحَيْرَة.

بَيْنمَا المُحْتَارُ تَاه، بَيْنَما المَخْذُولُ لا يُبْصِرْ خُطاه، بَيْنَما المُرْتابُ في عَيْشِ بَلاءٍ، قَامُ يَشْكُو ما يُعانِيْ قَامَ يَشْكُو ما يجِد. حائِرٌ في الظُلُمات، غَارقٌ في الحَسَرَات، صَرَخاتُ البُؤْسَ تُدْمِيْ عَقْلَهُ، ونِداءُ الضِّيْقِ لا يَدْوِيْ صَداه، قَالَ قَولاً مُنْكَراً، قَالَ: (جِئْتُ لا أَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ، وَلَكِنِّي أَتَيْتُ.. وَلَقَدْ أَبْصَرْتُ قُدَّامِي طَرِيقاً فَمَشَيْتُ.  وَسَأَبْقَى مَاشِياً إِنْ شِئْتُ هَذَا أَمْ أَبَيْتُ.. كَيْفَ جِئْتُ؟ كَيْفَ أَبْصَرْتُ طَرِيقِي؟ لَسْتُ أَدْرِي!).

إِنها حَيْرَةُ المُرْتابِ أَنْ ضَلَّ الطَرِيْق، إِنها حَسْرَةُ المُعْرِضِ أَنْ دامَ في البُؤْسِ غَرِيْق. لَيسَ يَدْرِي كَيْفَ جاءَ. لَيْسَ يَدْرِي ما المَصِيْر. ولَسَوفَ يَدْرِي حِيْنَ يَنْكَشِفُ الغِطاءُ، ولَسَوْفَ يُبْصِرُ ما كَانَ يُوعَد {وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ} {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}

بارك الله لي ولكم..


الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ رَبِّ العَالمين، وأَشْهَدُ أَن لا إله إلا اللهُ ولي الصالحين، وأَشْهَدُ أَنَّ محمداً رسول رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وسلم تسليماً.  أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُوْن

أيها المسلمون: ولا يَصِحُّ الإِيْمانُ إِلا مُقْتَرناً بالعَمَلِ الصَّالحِ، فَمَنْ ادَّعَى الإِيْمانَ بِقَلْبِهِ، وأَعْرَضَتْ عَنْ عَمَلِ الصَالحاتِ جَوارِحُه، فَقْدَ كَذَبَ في دَعْوَى الإِيْمانِ {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمً}

قَال الشافعيُّ رحمه الله: (وَكَانَ الإِجْمَاعُ مِنَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ومَنْ أَدْرَكْنَاهُمْ، يَقُوْلُوْنَ: إِنَّ الإِيْمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنيَّةٌ، لا يُجزئُ وَاحِدٌ مِنَ الثَلاثَةِ إِلا بِالآخَرِ) ا.هـ

ولَمَّا وَصَفَ اللهُ المؤْمِنِيْنَ في القُرآنِ، أَثْنَى عليهِمْ بِصالحِ أَعْمالِهِم التِيْ تُصَدِّقُ اعْتِقاَدَهُم {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}

والجزاءُ المُوعُودُ للمؤْمِنِيْنَ في الآخِرَةِ، إِنَّما هُوَ لِمَنْ آمَنَ وعَمِلَ الصَّالحاتِ، وعَمَلُ الصَالحاتِ مِن الإِيْمان {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمَلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمَلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ}

وإِنَّ أَقَواماً ممَّنْ يَنْتَسِبُونَ إِلى الإِسلامِ، انْحَرَفُوا في فَهْمِهِم، فانْحَرَفُوا في طَرِيْقِهِم وضَلُّوا في اعْتِقادِهِم، إِذْ ظَنُّوا أَنَّ مُجَرَّدَ الإِيْمانِ بالقَلْبِ كَافٍ لِتَحْقِيْقِ النَّجاةِ والفَوْزِ برِضا اللهِ، فَعَطَّلُوا الجَوارِحَ عَنِ العَمَلِ، وما اسْتَجابُوا لأَوامِرِ اللهِ ورَسُولِه، فأَضاعُوا أَوامِرَ اللهِ، وانْتَهَكُوا كَثِيْراً مِنْ الحُرُمات، مُعْتَمِدِيْنَ على سَعَةِ عَفْوِ اللهِ التِيْ لَمْ يَسْلُكُوا سَببَ إِدراكِها. وقَدْ ذَمَّ اللهُ مَنْ خَالَفَتْ أَفْعالُهُم أَقُوالَهُم، وكذَّبَتْ أَحُوالَهُم مَزاعِمَهُم {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ}

أَلا وإِنَّ قِراءَةَ القُرآنِ وتَدَبُرَ آياتِهِ وتَفَهُّمَ مَعانِيْهِ، مِنْ أَعْظَمِ أَسْبابِ زِيادَةِ الإِيْمانِ في القَلْبِ. بَلْ هُو أَعْظَمُ سَببٍ لذلك {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}

ومَنْ عَظُمَ إِيْمانُهُ باللهِ وبِما جاءَ عَنِ اللهِ، عَظُمَ ولاؤُهُ للهِ، فَكانَ حُبُّهُ تَبَعاً لِما يُحِبُّهُ اللهُ، وكَانُ بَغْضُهُ مُوافِقاً لِما يُبْغِضُهُ الله.  فَلا يُحِبُّ مِن الأَعْمالِ، ولا مِنَ الأَقْوالِ، ولا مِنَ النَّاسِ، ولا مِنِ الأَماكِنِ، ولا مِنَ المَجالِسِ، ولا مِن الأَخْلاقِ إِلا ما يُحِبُهُ اللهُ. وفي الحدِيْثِ: «مَن أَحَبّ للهِ وأَبْغَضَ للهِ، وأَعْطَى للهِ، ومَنَعَ للهِ، فَقَدْ اسْتَكْمَلَ الإِيْمانَ» وفي القُرآنِ: {وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ}

اللهم اهدِ قُلُوبنا للإيْمان..

المرفقات

1775722352_مَقامُ الإِيْمان 22- 10- 1447هـ.docx

المشاهدات 429 | التعليقات 2

شكر الله لك شيخنا المبارك

وبورك لسانك الفصيح

جزاك الله خير الجزاء

على كلمات آسرة للألباب

لامست شغاف القلوب


وأنت جزاك الله خير الجزاء

وجعلك مباركا أينما كنت