نداء الحج

د.عبدالحميد المحيمد
1447/11/22 - 2026/05/09 06:45AM

إن الحمد للّه، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده اللّه فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له،  وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله  اللَّهم صلَّ على محمدٍ وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ، في العالمين إنك حميدٌ مجيد، اللَّهم بارك على محمدٍ وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم ، في العالمين إنك حميدٌ مجيد .

عباد اللّه ، أوصيكم ونفسي بتقوى اللّه.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)

أيها الأحبة في اللَّه، في مثل هذه الأيام تتحرك الأشواق، وتتحرك القلوب حبًّا وشوقًا إلى حج بيت اللَّه الحرام، وما هذا الشعور الروحاني إلا استجابة لنداء رباني؛ أمر اللَّه سبحانه وتعالى إبراهيمَ عليه السلام أن يبني له بيتًا:

 

(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا  إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [البقرة: 127]. بعد أن انتهى من بناء البيت، أمره اللَّه عز وجل أن يؤذن في الناس بالحج، فنادى إبراهيم عليه السلام. كانت مكة آنذاك جبالًا وصحارى، ولم يكن هناك من البشر إلا القليل، ولكن هذا النداء الذي تجاوز الجبال، ووصل إلى الأرواح، يستشعره كل مسلم صادق، فيجد في قلبه حنينًا إلى زيارة بيت اللَّه الحرام، وهذا مصداق لقول اللَّه عز وجل:

 

(وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) [الحج: 27].

الحج، أيها الأحبة في اللَّه، فريضة وركن من أركان الإسلام، والمسلم لا يضع أركان الإسلام في أواخر أولوياته، بل يضعها في أساسياته. فمن ملك الاستطاعة، وملك زادًا وراحلة، وحصل على ترخيص الحج، فقد وجب عليه الحج، ولا ينبغي أن يتراخى.

يقول النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم:

(تَعَجَّلُوا إلى الحَجِّ ، فإنَّ أحَدَكُمْ لا يَدرِي ما يَعرِضُ لَهُ) ومعنى «ما يَعرِضُ لَهُ»: أي ما يطرأ عليه من العوارض؛ فقد يأتيه العجز، ويأتيه المرض، ويبتليه اللَّه بالفقر، وقد تُغلق الأبواب في طريقه إلى الحج، فلذلك المسلم لا يتوانى ولا يتخلف عن حج بيت اللَّه الحرام.

ومن العجب أن تجد بعض الناس يسافر إلى أقاصي الأرض، يعرف أين أماكن التنزّه، وأين الفنادق، وأين الأماكن الرخيصة، وأين الأماكن التي فيها فسحة، في دولٍ بعضها سمعنا به وبعضها لم نسمع به، يعرف ذلك كله، ولكنه لم يحج بيت اللَّه الحرام. ويعتذر بالالتزامات المالية والقروض والأقساط، وما هذه الأقساط إلا أمور كمالية، فالمسلم إذا أدى ما عليه من نفقات ضرورية وحاجات أساسية، فإنه يدخر النفقة، وينوي ويعزم أن يحج بيت اللَّه الحرام. فمن وجد ما يحول بينه وبين حج بيت اللَّه الحرام، فليستغفرِ اللَّه، وليُلحَّ بالدعاء، ويسأل اللَّه أن ييسر له الحج.

كذلك، أيها الأحبة، الحج ليس رحلة عادية، وليس رحلة من أجل الترفيه، ولكنه عبادة، وطاعة، وإقبال على اللَّه عز وجل. يذهب الإنسان وعليه من الذنوب ما تعجز الجبال عن حمله، ولكن كيف يعود إذا قُبل حجه؟ يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(مَن حَجَّ للَّهِ فلَم يَرفُثْ، ولَم يَفسُقْ، رَجَعَ كَيَومَ ولَدَتْه أُمُّه) .

كيف يكون حال هذا الطفل عندما يولد؟ هل عليه ذنوب؟ هل عليه خطايا؟ ليس عليه شيء، فالحج يكفِّر ما قبله من الذنوب والخطايا. هنيئًا لمن حجَّ بيتَ اللَّه مخلصًا، هنيئًا لمن حافظ على حجه:

 

(الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) [ البقرة: 197].

لذا تنبَّه يا أخي الكريم، قد تذهب في حملةٍ ميسَّرة، ولكنك تكون منشغلًا بالجدال والفسق والكلام الفاحش، أو تنشغل بالتصوير ونشر المقاطع والصور، بما قد يوقعك في الرياء والسمعة، ويشغلك عمّا أنت فيه من العبادة، فلا تُضيِّع حجك.

عندما حجَّ النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم، كان على رحلٍ رثٍّ وقطيفةٍ خَلِقةٍ لا تساوي، ثم قال صلى اللَّه عليه وسلم: «اللهم حجةً لا رياءَ فيها ولا سُمعةَ». دعا اللَّه أن يجعلها حجةً مقبولةً خالصةً للَّه عز وجل، خاليةً من مراءاة الناس.

فنسأل اللَّه ان ييسر لنا ولكم حج بيته الحرام وان يغفر لنا وان يجعلنا من المقبولين وان يتوب علينا  انه هو التواب الرحيم اقول ما تسمعون وأستغفر اللَّه.

 

الخطبة الثانية:

الحمدُ للَّه والصلاةُ والسلامُ على رَسولِ اللّهِ وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أمرٌ هامٌّ جدًا لمن يذهب لحجِّ بيت اللَّه الحرام: أن يتفقه في أحكام الحج، ليعبد اللَّه على علم، ويحافظ على حجته، ويؤدي المناسك كما حجَّ النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم، حيث كان يطوف أحيانًا على دابته حتى يراه الناس، ويقول: (خُذوا ‌عني ‌مناسِكَكم).

فكان حجُّ النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم حجةً واحدةً، ولكنه ترك لنا فقهًا عميقًا، وعلمًا غزيرًا، وسلوكياتٍ وأحكامًا نتعلمها، فحريٌّ بمن أراد الحج أن يتفقه ويتعلم ويجتهد أن يحج كما حجَّ النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم، حتى لا يقع في محظورات الحج، ولا يضطر إلى الفداء وصرف الأموال، وحتى لا ينقص أجر حجه.

فنسأل اللَّه أن يفقهنا وإياكم والمسلمين. اللَّهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وكفِّر سيئاتنا، وأحسن ختامنا، وتب علينا، وفرِّج همومنا، واشفِ مرضانا، وعافِ مبتلانا.

اللَّهم احفظ الكويت آمنةً مطمئنةً، وسائر بلاد المسلمين، اللَّهم اجعلها سخاءً رخاءً، اللَّهم رد عنها كيد الظالمين، اللَّهم رد عنها كيد الحاسدين، اللَّهم من أرادها بخير فوفقه لذلك، ومن أرادها بسوء فخذه أخذ عزيزٍ مقتدر.

اللَّهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وأصلح أبناءنا وبناتنا، والمسلمين والمسلمات.

وآخر دعوانا أن الحمد للَّه ربّ العالمين، وصلى اللَّه على نبينا محمد.

 

 

المرفقات

1778298329_نداء الحج.pdf

المشاهدات 32 | التعليقات 0