نعمة الأمن وليلة القدر

هلال الهاجري
1447/09/15 - 2026/03/04 16:56PM

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِيْنُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوْذُ باللهِ مِنْ شُرُوْرِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ الله فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إلهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ.

(يَا أَيُّهاَ الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَآءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَاْلأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) .. أَمَّا بَعْدُ:

فَإنَّ أَحسَنَ الحَديثِ كَلامُ اللهِ تَعَالى، وَخَيرَ الهَدي هَديُ مُحمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وَسَلَمَ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدثَاتُها، وَكُلَّ مُحْدَثةٍ بِدْعَةٌ، وكُلَّ بِدْعَةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضَلالةٍ في النَّارِ.

أيُّها الأحبَّةُ، أَتَعلَمُونَ مَا هُوَ أعظمُ مَطلوبٍ للحياةِ السَّعيدةِ في الأوطانِ؟ ... إنَّهُ الأمانُ ثُمَّ الأمانُ ثُمَّ الأمانُ، ولذلكَ لمَّا تركَ إبراهيمُ عليه السَّلامُ زوجتَه وابنَهُ في وادٍ غيرِ ذِي زَرعٍ ليكونَ لهم مَوطِناً، ماذا كانَ أولُ دُعاءٍ لهُ؟، (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا)، فما فائدةُ الرِّزقِ الرَّغيدِ، في بلادٍ الخوفُ فِيها شَديدٌ؟، وما فائدةُ عافيةِ الأبدانِ، في وطنٍ لا يأمنُ فيه الإنسانُ؟، وأما إذا اجتمعَ له الأمنُ والرِّزقُ والعافيةُ، فقد اجتمعتْ له الدُّنيا جمعاءُ صافيةٌ، كما عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا)، ولذلكَ أولُ بُشارةٍ لأهلِ الجنَّةِ مِنَ النَّعيمِ، هو ذهابُ الخوفِ وحلولُ الأمنِ المٌقيمِ، كما قالَ تعالى: (ادْخُلُوا الجَنَّةَ لَاخَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ).

أيُّها الأحبَّةُ، أمنُ الوطنِ هو مسئوليةُ الجميعِ، ويجبُ الحفاظُ عليه بالنَّفسِ والمالِ وبما نَستطيعُ، وَالحَذَرَ مِن نَشرِ الشَّائعَاتِ الخَطِيرةِ، والأَخبَارِ المُثِيرةِ، فَهُنَاكَ مَن يُفَبرِكُ المَقَاطعَ المُفزعةَ، والرَّسائلَ المُزعزعةَ، لِبَثِّ الخَوفِ فِي البِلادِ، وَالقَلَقِ بيَنَ العِبَادِ، فَالحَذَرَ مِن تَصدِيقِ كُلِّ مَا يُذَاعُ، والتَّحدِيثِ بِهِ فِي أَمَاكِنِ الاجتِمَاعِ، وَقَد جَاءَ فِي الحَدِيثِ: (كَفَى بالمَرْءِ كَذِبًا أنْ يُحَدِّثَ بكُلِّ ما سَمِعَ)، وَمِثلُهُ إعَادَةُ إرسَالِ كُلِّ الرَّسَائلِ، التي تَصِلُكَ عَلى وَسَائلِ التَّواصُلِ، واسأَلوا اللهَ تَعَالى أَن يُدِيمَ عَليكُم الأَمنَ والأَمَانَ، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم كَمَا جَاءَ فِي القُرآنِ: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ).

ولا يَخفَى مَا يَكونُ لِمثلِ هَذهِ الأَخبارِ عَلى المجتَمعِ مِن أَضرارٍ اجتِمَاعيَّةٍ، وأَخطَارٍ أَمنيَّةٍ واقتَصَاديَّةٍ، وَلِذَلِكَ جَاءَ التَّوجِيهُ الرَّبَانيُّ في الطَريقَةِ المُثلَى لِلتَّعَاملِ مَعَ هَذهِ الأَخبَارِ بِقَولِهِ تَعَالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ)، فَلا تَنشُروا ، واترُكُوا الأَمرَ لِوُلاةِ الأُمُورِ، فَهُم أَعَلَمُ بِبَواطنِ الأُمُورِ، وَهُم أَعلَمُ بِمَا يَنبَغي أَن يُكتَمَ أَو يُذَاعَ، مِمَا فِيهِ الحِفَاظُ عَلى الطُمَأنِينَةِ والاجتِمَاعِ.

وِمِمَا يَنبَغِي التَّذكِيرُ بِهِ فِي مِثلِ هَذِهِ الظُّرُوفِ والأَجوَاءِ، هُوَ الإيمَانُ بِمَا كَتَبَهُ اللهُ تَعَالى مِنَ القَدَرِ والقَضَاءِ، فَمَا شَاءَ كَانَ ومَا لَم يَشَأ لَم يَكُنْ، (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)، هُنَا تَطمَئنُ القُلُوبَ وتَهدأُ النُّفُوسُ، وتَأَمَلوا هَذا الحَدِيثَ وَمَا فِيهِ مِنَ الدُّروسُ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا، فَقَالَ: (يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ).

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيْمِ، وَنَفَعَنِي وَاِيِّاكُمْ بِمَا فِيْهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيْمِ، أقُوْلُ قَوْلِي هَذا وَأسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيْمَ لَيْ وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِيْنَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُؤْمِنَاتِ فَاسْتَغْفِرُوْهُ إنَّهُ هُوَ الْغَفُوْرُ الرَّحِيْمُ.

الخطبة الثانية:

الحَمدُ للهِ هو الغَنيُّ وعِبادُه الفُقَراءُ، وهو القَويُّ وخَلقُهُ هُمُ الضُّعفاءُ، وصلى اللهُ وسلَّمَ وباركَ على نبيِّنا محمدٍ وعلى آلِه وأصحابِه، والتَّابعينَ ومن تبِعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّينِ، وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا، أَمَّا بَعدُ:

أَيُّهَا الأَحِبَّةُ، لا يَنبَغِي أَن تُنسِينَا هَذِهِ الأَحدَاثُ والتَّغطِيَاتُ، أَنَنَا عَلى أَبوَابِ لَيَالٍ عَشرٍ مُبَارَكَاتٍ، فِيهِنَّ لَيلَةٌ تُنَافِسُ فِي أَجرِهَا مَن عَاشَ طَوِيلَ السَّنَوَاتِ، وَاَسمَعُوا إلى قَولِ اللهِ تَعَالى: (لَيلَةُ الْقَدْرِ خَيرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ)، قَالَ المفسرونَ: مَعناه عَملٌ صالحٌ في لَيلةِ القَدرِ خيرٌ من عملِ ألفِ شهرٍ ليسَ فيها ليلةُ القَدرِ، فَعِبادةُ لَيلةِ القدرِ خيرٌ من عبادةِ ثلاثٍ وثمانينَ سنةٍ وأربعةِ أشهرٍ، فَلا إلهَ إلا اللهُ .. وفضلُ اللهِ أعظمُ وأكبرُ، إذا عَرفنا هذا، علمنا مَعنى قولَ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ، وَفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَلا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلاَّ مَحْرُومٌ).

ولِذَلِكَ كَانَ النَّبيُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَجتهدُ في العشرِ الأواخرِ من رمضانَ، ما لا يجتهدُ في غيرِها، يُحيي الليلَ، ويُوقِظُ أهلَه، ويَشِدُّ مئزرَه، ويَعتكفُ الليَاليَ العَشرَ حَتَى تَوفَاهُ اللهُ عزَّ وجلَّ، كُلُّ ذلك يتحرى ليلةَ القدرِ، فَإذا كَانَ هَذَا وَقَد غَفرَ اللهُ لَهُ مَا تقدمَ من ذنبهِ وما تأخرَ، فَمَاذا عسى أن يكونَ حالُنا؟، وما هو استعدادُنا؟، وماذا نَنوي لإدراكَ لَيلةِ القَدرِ؟.

فيَا عبدَ اللهِ .. لا تنسَ نفسكَ في هذه العشرِ، اجعل ساعةً في صلاةٍ، وساعةً في تلاوةِ القرآنِ، وساعةً في الدعاءِ، وساعةً في الذكرِ، وساعةً في الصدقةِ والإحسانِ، وساعةً في البرِ والصلةِ، فتمرُ الساعاتُ سَريعاً، ويُكتبُ الأجرُ عَظيماً، ويُوشكُ هلالُ شَوالٍ أن ظَهَرَ، ويَذهبُ النَّصبُ والسَّهَرُ.

اللهمَّ آمِنَّا في أوطانِنا، وأصلِحْ أئمَّتَنا وولاةَ أُمورِنا، اللهمَّ أيِّد بالحقِّ والتَّوفيقِ والتَّسديدِ إمامَنا ووليَّ أَمرِنا، ووفِّقه لما تحبُّ وتَرضَى، وخُذ بناصيتِه للبرِّ والتَّقوى، اللهمَّ من أرادَنا وأَرادَ دينَنا ودِيارَنا وأَمنَنا وولاةَ أمرِنا وعُلماءَنا وأهلَ الفَضلِ والصَّلاحِ منَّا ورِجالَ أَمنِنا وقُواتِنا ووِحدتَنا واجتماعَ كَلمتِنا بسُوءٍ، اللهمَّ فأشغِله بنَفسِه، واجعل كيدَه في نَحرِه، واجعل تَدبيرَه تَدميرًا عَليهِ يا رَبَّ العَالمينَ، اللهم احفظنا وِبِلادَ المُسلِمِينَ من شرِّ الأشرارِ، وكَيدِ الفُجَّارِ، وشرِّ طوارِقِ الليلِ والنهارِ، اللهمَّ يا ذا الجُودِ والمنِّ، احفظ علينا هذا الأمنَ، وسدِّد قيادتَه، وَوَفِّقْ رجالَه، وخُذ بأيديهم، وشُدَّ من أزرِهم، وقوِّ عزائِمَهم، وزِدهم إحسانًا وتوفيقًا، وتأييدًا وتسديدًا يا ربَّ العَالمينَ، اللهمَّ وفقنا لإصابةِ ليلةِ القَدرِ، وأَسعدنا أَبدَ الدَّهرِ، اللهمَّ إنَّكَ عَفوٌ تُحبُ العَفوَ فاعفُ عنا، وآخِرُ دَعوَانَا إنِ الحَمدُ لِلهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المرفقات

1772632557_نعمة الأمن وليلة القدر.docx

1772632566_نعمة الأمن وليلة القدر.pdf

المشاهدات 1808 | التعليقات 0