{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} 28/ 11/ 1447هـ

د عبدالعزيز التويجري
1447/11/27 - 2026/05/14 17:13PM

الخطبة الأولى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ}     28/11/ 1447هـ

الحمد لله، أحمده سبحانه وتعالى وأشكره على جزيل الفضل والإنعام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله ، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد:

فاتقوا الله أيها المؤمنون: وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ،وتزينوا بلباس التقوى ذلك خير {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا}. 

إلى اللهِ أشكو لا إلى الناسِ أنني     أرى الأرضَ تبقى والمطيُّ تسيرُ 

     وأسمعُ للحُجّاجِ لبيــكَ ضجّـــةً       فيضطربُ القلبُ الكئيبُ ويثورُ

     أُطالـــعُ أخبـارَ الحجيجِ كأنّنـــي        مــع الركــبِ بين السائــرينَ أدورُ

     أرى تلكَ الخيــــامَ وقد علـتْ         بها الرحماتُ البيضُ وهيَ تفوحُ

   فيا ربِّ لا تحرمني البيتَ إنني       إلى بابِ عفوِكَ المستطابِ فقيرُ

الحج أمنيةُ كلِ مسلم ، وأنسُ كلِ مؤمن .. تتقطعُ القلوبُ اشتياقً إليه، وتحتفي الأقدامُ مشيا إلى عرصاته ، وتبح الحناجر تلبية لدعوته {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} 

لا تلامُ النفوسُ وهي تتلهفُ أخباره ، وتلهث لبلوغه، وتدفع الغالي والنفيس من أجل الحصول للوصول إليه.. جاء رجلٌ إلى عبدالله ابنِ عُمَرَ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَحُجَّ عَامًا، وَتَعْتَمِرَ عَامًا وَتَتْرُكَ الجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَدْ عَلِمْتَ مَا رَغَّبَ اللَّهُ فِيهِ، قَالَ: «يَا ابْنَ أَخِي سمعتُ النبيَّ g يقول «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ»

الحج فرض وركن من أركان الإسلام لا يسقط على من استطاع إليه سبيلا {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}فليتَ القلوبَ تجدُ إلى ذلك السبيلِ وصولًا، وليتَ الأرواحَ تطيرُ  فتبلغُ البيتَ الحرامَ سُرورًا وقبولًا.

«مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» متفق عليهما

ومن تمنى بصدق بلوغ تلك المشاعر العظام، وترقرقت محاجره متلهفاً لبيت الله الحرام ولم يستطع لذلك سبيلاً لمرض ألم وبه وأقعده عن المسير، أو لقلة ذات اليد ولم يستطع لغلاء أسعاره ،وخشي من أخطاره لعدم حصول تصريح لأدائه، فإن الله يعذره ويبلغه بكرمه أجره «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا، مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلاَ قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ، حَبَسَهُمُ العُذْرُ» شاركوكم الأجر .متفق عليه.

وفي مسند الإمام أحمد " مَثَلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَثَلُ رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا وَعِلْمًا، فَهُوَ يَعْمَلُ بِهِ فِي مَالِهِ يُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ عِلْمًا وَلَمْ يُؤْتِهِ مَالًا، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ مَالِ هَذَا، عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ الَّذِي يَعْمَلُ" قَالَ رَسُولُ اللهِ r: " فَهُمَا فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ " الحديث

ولكن الخسران والحرمان أن يُهدر الإنسانُ الأموالَ في تنزهٍ وسياحةٍ وتوسعٍ، ثم يُحجمُ عن الحجِ ويرى نفسَه مع غيرِ المستطيعين ، همته تقوى، وعزيمتهم تنشط حينما تكون الرحلةُ إلى الصحاري ولو بعُدت، وإلى القفارِ ولو نأت، فإذا جاء ذكر الحج تعذّروا وتلكأوا ، رضوا بأن يكونوا مع الخوالف.. وفي سنن الترمذي عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يُوجِبُ الحَجَّ؟ قَالَ: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ.

قال الترمذي هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَعَلَيْهِ العَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً وَجَبَ عَلَيْهِ الحَجُّ..

فحققوا أركان دينكم، وكل نفقة في الخير فهي مخلوفه، والله لايضيع أجر من احسن عملاً.

الحج أشهر معلومات، وأيام معدودات، يُعلن فيه أنه لا يُدْعى مع الله احدا  {وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} ، {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}.

الحج فرصة لمن ناله ووصل لتلك الرحاب الطاهرة الآمنة الوادعة، لاكتمال ركن الإسلام، ومحط لمحي الأوزار ، وبلغة لهدم جاهلية الإنسان وتجديد الإيمان.. وفي صحيح مسلم قال النبي r لعَمْرٍو بْنَ الْعَاصِ t «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟» وتحقيق ذلك في قوله سبحانه {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ}

من فرض فليتعلم مناسكه، وليحج كما حج المصطفى r ، شعاره " لعل خفاً يقع على خف"، وليحفظ بصره، وليمسك لسانه إلا من ذكر الله وما والاه ، وعليه أن يأخذ بالأسباب الشرعية،والتعليمات النظامية، والإجراءات الصحية، ولا ينبغي لمسلم أن يُذل نفسه..

الحج إخلاصٌ وطاعةٌ وإنابة، لا رياءً وتصويراً ومباهاة ،أوتحدياتٌ ومغامرات.. قال أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ t: حَجَّ النَّبِيُّ r عَلَى رَحْلٍ، رَثٍّ، وَقَطِيفَةٍ لَا تُسَاوِي أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ حَجَّةٌ لَا رِيَاءَ فِيهَا، وَلَا سُمْعَةَ».

الحجُ دعاءٌ وإخباتٌ، ورجاء، مع حسن اتباع، ثم ليبشر بعدها بكرم الله وعطائه {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} ..

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم وبعدي سيد المرسلين ،وأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي ولَكُمْ وللمسلمين والمسلمات فاستغفروه إن ربنا لغفور شكور.

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على خير خلقه أجمعين وعلى آله وحبه والتابعين  أما بعد ..

أطلت علينا عشر الليالي، البيض العوالي، خير أيام الدنيا، لا يعدل العملَ فيهن عملٌ آخر في أي يوم من أيام العام، إلا الشهيد المضحي بماله ونفسه، فضلاً من الله ونعمة .

والعشر موسمٌ لأهل الفَضل والعَطاء، للإنفاق والإحسان والسخاء و«خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى ».

أما مالا يعذر بتركه أحد ، ولاينساه إلا الغافلون ، فهو العَجُّ بالذِّكر ، وتَرطِيب الألسِنة بالتكبير والتهليل، شعارُ هذه الأيَّام، وقد خصَّهَا المولى سبحانه بأنها أيَّام ذكْرٍ لله؛ (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير: هي أيَّام العشر.

وأبواب الخير معشر المؤمنين وطرق البر لا حصر لها ، وأبواب الجنة مشرعة لكل مؤمن يفعل الخير ويرجوا ثوابه ( دخلت بغي الجنة بشربة ماء سقتها كلب، ورأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يتقلب في الجنة بغصن شوك أزاحه عن طريق المسلمين )هذا بمن أزاح غصن شوك فكيف بمن يزيح أذى الدين ، وسيئ الأخلاق عن المسلمين بالاحتساب والامر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟

التَحَابُ فِي اللهِ وَالتَّزَاوُرُ عَمَلٌ صَالِحٌ، وَجَزَاؤُه: "مَنْ عَادَ مَرِيضًا، أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ فِي اللَّهِ، نَادَاهُ مُنَادٍ أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ وَتَبَوَّأْتَ مِنْ الْجَنَّةِ مَنْزِلاً"

البَشَاشَةُ لِلنَّاسِ، حَسَنَاتٌ دَارَّاتٌ لِأَهْلِهَا،: "وَتَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ".

"والسَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ الْقَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَار

ودل الطريق صدقة ، وحملك الرجل في الطريق صدقة . و«صِلَةُالرَّحِمِ، وَحُسْنُ الْخُلُقُ؛ ورعاية الأسرة والتربية الحسنة يُعَمِّرْنَ الدِّيَارَ، وَيَزِدْنَ فِي الأَرزاق».

قال عليه الصلاة والسلام يوما لأصحابه: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ» متفق عليه

و«كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ»  «فلا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا" فلا تدي أي عمل يدخلك الجنة، فاضرب بكل بسهم ، وإياك ومحقرات الذنوب فإنها تجتمع على العبد حتى تهلكه 

والإسبال والكذب والغيبة والحسد وظلم النفس والناس مهلكات أجارنا الله واياكم منها .

فأكثروا يا مؤمنون من الصالحات ومن الدعوات الموقنات ،لأنفسكم ولوالديكم واهليكم ولعموم المسلمين ولمن يتعرضون للأذى والضرر، والنكبات، ودعاء المسلم لأخيه بظهر الغيب من الأدعية المستجابات.

ومَن أراد أنْ يُضحِّي فيجب عليه أنْ يُمسِك عن شعره وأظفاره، فلا يأخُذ منه شيئًا؛ كما ثبت ذلك في صحيح مسلمٌ ، وأخذ اللحيةٍ محرم على الدوام .

.

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وارض اللهم عن صحابته اجمعين وعمنا معهم برحمتك يا ارحم الراحمين .

اللهم آمنا في دورنا وأوطاننا وأصلح ولاة امورنا ...

1

 

المرفقات

1778768025_‎⁨{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ}⁩.docx

1778768025_‎⁨{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ}⁩.pdf

المشاهدات 738 | التعليقات 0