وداع رمضان 1-10-1447
عبدالرحمن سليمان المصري
وداعُ رمضان
الخطبة الأولى
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ وَعَمَّتْ ، وَتَوَالَتْ نِعَمُهُ وَتَمَّتْ ، وَفَاضَتْ بِذِكْرِهِ النُّفُوسُ الْمُؤْمِنَةُ فَاِطْمَأَنَّتْ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدهُ وَرَسُولهُ ، صَلَّى الله عَلَيْهُ وَعَلَى آله وَصَحِبهُ وَسَلَّم تَسْلِيمَاً كَثِيرَاً ، أَمَّا بَعْدَ : أَوَصِيّكُمْ وَنَفْسِيٌّ بِتَقْوَى الله تَعَالَى فَهِي وَصِيَّة الله لِلْأَوَّلِينَ وَالْآخِرَيْنِ قَال تَعَالَى ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾
عِبَادَ اللهِ : الْعُبُودِيَّةُ هِي أَشْرَفُ الْمَقَامَاتِ وَأسْمَى الْغَايَاتِ ، مَنْ نَالهَا فَقَدْ نَالَ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ وَأَرْفَعِ الدَّرَجَاتِ ، بِالأَمْسِ وَدَّعَ الْمُسْلِمُونَ رَمَضَانَ ، شَهْرُ الْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ وَالْغُفْرَانِ ، وَقَدْ جَعَلُوا شَهْرهُمْ مَيْدَاناً لِلتَّنَافُسِ وَمِضْمَاراً لِلتَسَابُقِ ، سَمَتْ فِيهُ أَرَوَاحُهُمْ بِالْفَضَائِلِ ، وَاِرْتَفَعَتْ فِيهُ نُفُوسُهُمْ عَنِ الرَّذَائِلِ ، فَاُشْكُرُوا الله عَلَى مَا أوْلَاكُمْ ، وَاِحْمَدُوهُ عَلَى مَا حَبَاكُمْ ، فَمَا تَقَرَّبْتُم إِلَيْهُ إِلَّا بِفَضْلهِ واصْطِفَائهِ ، فَالْفَضْلُ كُلُّهُ للهِ ، ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾البقرة : 243.
عِبَادَ اللهِ : إنَّ علَى الْمُسْلِمِ الْإلْحَاحُ عَلَى اللهِ بِالدُّعَاءِ بِقَبُولِ أَعْمَالِهِ ، والتَّجَاوزِ عَنْ تَقْصِيرهِ ، وكَانَ السَّلَفُ يَدْعُونَ اللهَ سِتَّةَ أَشَهُرٍ أَنْ يَتَقَبَّلَ مِنْهُمْ رَمَضَانَ ، ثُمَّ يَدْعُونَ اللهَ سِتَّةَ أَشَهْرٍ أَنْ يُبَلِّغَهُمْ إِيَّاهُ ، قال تَعَالى : ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ﴾ المؤمنون: 60 ، هم الذين يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، ويَخَافُونَ أَنْ لَا تُقْبَلَ أَعْمَالهُمْ .
عِبَادَ اللهِ : وَإِنَّ كَانَ شَهْرُ رَمَضَانَ قَدْ اِنْقَضَى ، فَإِنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ بَاقٍ بعدَ رَمَضَانَ ، فَبَيْنَ أَيْدِيكُمْ خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ، هِيَ أَعظَمُ الأَعمَالِ الإِيمَانِيّةِ ، مَنْ حَافَظَ عَلَيها كَانَتْ لَهُ نُوراً وبُرهَاناً ونَجَاةً يَومَ القِيَامةِ .
وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ ، خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ، وَمَنْزِلَةُ الْجُمُعَةِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ ؛ كَمَنْزِلَةِ رَمَضَانَ بَيْنَ سَائِرِ الشُّهُورِ ، وَسَاعَةِ الْإِجَابَةِ فِيهِ ؛ كَلَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي رَمَضَانَ ، وَالْمَاشِي إِلَى صَلاةِ الْجُمُعَةِ بِكُلِّ خُطْوَةٍ أَجْرُ سَنَةٍ صِيَامُهَا وَقِيَامُهَا .
عِبَادَ اللهِ : وَقِيَامُ اللَّيْلِ ؛ يُضِيءُ القُبُورَ ، وَيُزِيل الهُمُوم ، وَالوِتْـرُ أَقَلُّهُ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَوَقْتُهُ مِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ إلى الفَجْرِ .
وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ؛ سَبَبٌ لعُلُوِّ الدَّرَجَاتِ ، وَحُلُولِ الْبَرَكَاتِ و تَذْلِيلِ الصِّعَابِ ، فاقْرَؤُا مَا تَيَسَّر مِنْهُ .
وَالإِكثَارُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى ولُزُومِ الاسْتِغْفَارِ ؛ سَبَبٌ لِزِيَادَةِ الإِيمَانِ وَرُسُوخِهِ ، وَنَيْلِ العَبدِ مَطْلُوباتهِ .
عِبَادَ اللهِ : وَالصَّوْمُ لَمْ يَنْقَطِعْ بَعْدَ رَمَضَانَ ، كَصِيَامِ الْاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ ، وَالْأَيَّامِ الْبِيْضِ ، و مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ ؛ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ .
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ، وَنَفَعنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ، أَقَوْلُ قَوْلي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ الله الْعَظِيم لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلُّ ذَنْبٍ ، فَاِسْتَغْفَرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانهِ ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقهِ وَاِمْتِنَانهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَه إِلَّا اللهُ وَحْدهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولهُ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ ، وَسَلَّم تَسْلِيمَاً كَثِيراً ، أَمَّا بَعْدَ :
عِبَادَ اللهِ : العِبَادَةُ لَيسَ لهَا وَقتٌ مُحَدَّدٌ ، فَالمُسْلِمُ مُطَالبٌ مُنذُ بَدْءِ تَكْلِيفهِ بِالعِبادَةِ ، إِلى أَنْ يَلقَى اللهَ بِها ، ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾الحجر ، والْمُؤْمِنُ يَجْتَهِدُ فِي الطَّاعَاتِ وَيَسْتَكْثِرُ مِنَ الْخَيْرَاتِ ، فالاسْتِمْرَارُ عَلَى العَمَلِ الصَّالِحِ مِنْ عَلامَاتِ قَبُولِ العَملِ ، وسَبَبٌ مِنْ أَسْبابِ حُسْنِ الخَاتِمَةِ ، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ ، وَاِحْذَرُوا مِنْ قَطْعِ الْأَعْمَالِ بِتَركِ الوَاجِبَاتِ ، أَوْ الاِنْغِماسِ في الآثَامِ ، ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا ﴾ النحل:92 .
عِبَادَ اللهِ : مَضَى شَهْرُ رَمضَانَ ، وَكُنَّا فِيهِ مَا بينَ صِيامٍ وقِيامٍ ، وصَدَقةٍ وإِحْسَانٍ ، وَتَفَضُّلٍ وَإِنْعَامٍ ، تَقَرَّبْنَا إِلَى اللهِ تَعَالى بِالطَّاعَاتِ وَتَرْكِ المُنْكَراتِ ، فَمَنْ أَحْسَنَ فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَلْيُوَاصِلِ الإِحْسَانَ، وَمَنْ أَسَاءَ فَلْيَتُبْ إِلَى اللهِ وَلْيُصْلِحِ الْعَمَلَ مَا دَامَ فِي وَقْتِ الإِمْكَانِ ، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾.
اللَّهُمّ تَقَبَّل مَنّا الصيام والقيام وسائر الأعمال ، واجعلنا ممن صام رمضان وقامه إيمانا واحتسابا ، واجعلنا ممن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا ، واجعلنا من عتقائك من النار ووالدينا وأهلينا وذرارينا والمسلمين .
هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه ، فقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ .
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
المرفقات
1773985505_وداع رمضان خطبة.docx
1773985505_وداع رمضان خطبة.pdf
المشاهدات 640 | التعليقات 2
.
عبدالرحمن سليمان المصري
عضو نشط.
تعديل التعليق