وسائلُ التَّواصُلِ

د. منصور الصقعوب
1447/11/26 - 2026/05/13 15:54PM

وسائلُ التَّواصُلِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْأَعْلَى، خَلَقَ فَسَوَّى، وَقَدَّرَ فَهَدَى، أَحْمَدُهُ – سُبْحَانَهُ – وَأَشْكُرُهُ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُهُ، لَهُ الْحَمْدُ كُلُّهُ، وَبِيَدِهِ الْخَيْرُ كُلُّهُ، وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ، يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.

نِعَمُ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ كَثِيرَةٌ، نِعَمٌ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ وَلَوْنٍ، نِعَمُ مَآكِلَ وَمَشَارِبَ، نِعَمُ صِحَّةٍ وَمَرَاكِبَ، نِعَمُ دِينٍ وَنِعَمُ دُنْيَا، لَا يَعُدُّهَا الْعَادُّ وَلَا يَمْلِكُ لَهَا حَصْرَهَا، وَمِنَ النِّعَمِ الْحَادِثَةِ الَّتِي جَدَّتْ وَيُسِّرَتْ، وَقَرَّبَتْ وَخَدَمَتْ، نِعَمُ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الْحَدِيثَةِ، وَهِيَ حَلْقَةٌ مِنْ حَلَقَاتِ التِّقْنِيَةِ الَّتِي تَهَيَّأَتْ لِجِيلِ الْيَوْمِ.

لَقَدْ كَانَ النَّاسُ إِلَى عُقُودٍ قَرِيبَةٍ يُلَاقُونَ الْعَنَتَ مِنَ التَّوَاصُلِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، مَنْ سَافَرَ مِنْهُمْ مَفْقُودٌ حَتَّى يَعُودَ، وَمَنْ رَجَعَ مَوْلُودٌ، لَا أَخْبَارَ تَبْلُغُ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ، وَمُجَرَّدُ تَصَوُّرِ مَا كَانَ النَّاسُ يُعَانُونَهُ فِي الْحُصُولِ عَلَى الْأَخْبَارِ، وَفِي التَّوَاصُلِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، يُنْبِيكَ قَدْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ الْيَوْمَ فِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الْحَدِيثَةِ، وَاللَّهُ بِعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ يَخْلُقُ لِعِبَادِهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ.

حَقًّا إِنَّهُ لَوَاقِعٌ عَجِيبٌ، وَانْفِجَارٌ فِي التِّقْنِيَةِ غَرِيبٌ، بِضَغْطَةِ زِرٍّ يَتَوَاصَلُ مَعَ أَقَارِبِهِ فِي أَقَاصِي الْأَرْضِ، فَيَرَاهُمْ وَيَرَوْنَهُ، وَيُحَادِثُهُمْ كَأَنَّهُ بَيْنَهُمْ وَمَا غَابَ عَنْهُمْ.

وَتَخْرُجُ الْكَلِمَةُ مِنْ فَمِ صَاحِبِهَا، وَالْحَرْفُ يَخُطُّهُ بَنَانُهُ، فَيَبْلُغُ الْآفَاقَ فِي لَحَظَاتٍ.

وَيَجْلِسُ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، أَوْ مُسْتَلْقِيًا عَلَى سَرِيرِهِ، فَتَصِلُ إِلَيْهِ أَخْبَارُ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ، وَيَتَحَدَّثُ مَعَ الْعَشَرَاتِ أَوِ الْآلَافِ أَوِ الْمَلَايِينِ، تَتَوَالَى إِلَيْهِ الْأَخْبَارُ حَثِيثَةً بِتَحْرِيكِ إِبْهَامِهِ، أَوْ ضَغْطِ سَبَّابَتِهِ، قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَقَامِهِ.

إِنَّهَا وَاللَّهِ لَنِعَمٌ عَظِيمَةٌ، فَالْمَرْءُ يَطْمَئِنُّ عَلَى أَهْلِهِ أَيْنَمَا ذَهَبَ، وَتَأْتِيهِ الْأَخْبَارُ أَيْنَمَا وُجِدَ، وَيُنْهِي أَشْغَالَهُ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ.

وَلَكِنَّ هَذِهِ النِّعْمَةَ بِقَدْرِ مَا فِيهَا مِنْ مِنَّةٍ، إِلَّا أَنَّ فِيهَا ابْتِلَاءً وَجَانِبًا مُظْلِمًا، مَتَى أُسِيءَ اسْتِخْدَامُهُ أَتْلَفَ وَأَفْسَدَ، وَضَرَّ وَمَا نَفَعَ، وَالْمَرْءُ أَيْنَ يَضَعُ نَفْسَهُ، وَكَيْفَ يَسْتَخْدِمُ مَا اسْتَجَدَّ.

وَوَاقِعُ الْيَوْمِ فِي مُمَارَسَاتِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ لِبَرَامِجِ التَّوَاصُلِ أَفْرَزَ آثَارًا سَلْبِيَّةً، وَنَتَائِجَ مُشِينَةً، وَصُوَرًا سَيِّئَةً.

بِتْنَا نَسْمَعُ وَنَرَى عَنْ مُمَارَسَاتٍ غَيْرِ مَرْضِيَّةٍ، تَوَاصُلٌ بِقَصْدِ الْإِفْسَادِ وَالِابْتِزَازِ، وَتُصَادُ بِهِ الْغَرَائِرُ مِنَ الْفَتَيَاتِ، وَتُنْبِيكَ عَنْهُ إِدَارَةُ مُكَافَحَةِ الِابْتِزَازِ فِي هَيْئَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ.

وَمُنَاكَفَاتٌ تَشْتَعِلُ، وَنُكَاتٌ تُطْلَقُ، رُبَّمَا تُشْعِلُ الْحُرُوبَ بَيْنَ بَلْدَتَيْنِ، أَوْ قَبِيلَتَيْنِ، أَوْ مُشَجِّعِي فَرِيقَيْنِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَلَا يَقَعُ حَدَثٌ إِلَّا وَتَزْدَحِمُ مَوَاقِعُ التَّوَاصُلِ بِمَقَاطِعَ سَاخِرَةٍ، أَوْ تَعْلِيقَاتٍ لَاذِعَةٍ، وَقْعُهَا عَلَى أَصْحَابِهَا أَشَدُّ مِنْ وَقْعِ السِّيَاطِ الْحَارَّةِ.

وَبَاتَتْ هَذِهِ الْوَسَائِلُ مِنْ أَمْضَى الْأَسْلِحَةِ فِي نَشْرِ الْأَكَاذِيبِ، وَبَثِّ الْأَرَاجِيفِ، وَاتِّهَامِ الْأَبْرِيَاءِ، وَقَلْبِ الْحَقَائِقِ.

يَكْذِبُ فِي خَبَرٍ فَيُغَرِّدُ بِهِ، أَوْ يَصْنَعُ صُورَةً فَيَنْشُرُهَا وَهِيَ مُزَوَّرَةٌ فَتَبْلُغُ كَذْبَتُهُ أَوْ صُورَتُهُ الْآفَاقَ فِي ثَوَانٍ مَعْدُودَةٍ، فَيَتَضَرَّرُ بِهَا أُنَاسٌ أَبْرِيَاءُ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ الرُّؤْيَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَإِذَا هُوَ يَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ… قَالَ: «ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْجَانِبِ الْأَوَّلِ، فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الْجَانِبُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الْأُولَى…». وَقَدْ فُسِّرَ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ «الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ، فَيَكْذِبُ الْكَذْبَةَ تَبْلُغُ الْآفَاقَ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَالنَّاقِلُ لِلْكَذِبِ هُوَ أَحَدُ الْكَاذِبَيْنِ، وَالرَّاضِي بِالسُّخْرِيَةِ كَالسَّاخِرِ، لِذَا: صَارَتْ هَذِهِ الْوَسَائِلُ سَبَبًا فِي اكْتِسَابِ أَوْزَارٍ، وَإِذْهَابِ حَسَنَاتٍ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

وَصُورَةٌ أُخْرَى سَلْبِيَّةٌ وَقَعَتْ، وَهِيَ التَّشَوُّفُ لِمَا عِنْدَ الْآخَرِينَ، وَعَدَمُ الْقَنَاعَةِ بِمَا لَدَى الْإِنْسَانِ، نَتَجَ هَذَا مِنْ تَتَبُّعِ مَنْ يُسَمَّوْنَ بِالْمَشَاهِيرِ وَتَشَوُّفِ الْبَعْضِ لِكُلِّ نِعْمَةٍ لَيْسَتْ لَدَيْهِ، وَكَمْ خِلَافٍ حَصَلَ، وَطَلَاقٍ وَقَعَ شَرَارَاتُهُ بِسَبَبِ هَذِهِ الْوَسَائِلِ.

هَذِهِ الْوَسَائِلُ الْيَوْمَ يَا كِرَامُ: هِيَ وَاقِعٌ لَا خِيَارَ فِيهِ، وَلَيْسَ يَقْدِرُ أَحَدٌ وَلَا الْأَبُ فِي بَيْتِهِ عَلَى مَنْعِهَا، إِنَّمَا تَرْشِيدُ اسْتِخْدَامِهَا.

لِأَجْلِ هَذَا فَإِنَّنَا نَتَسَاءَلُ وَقَدْ بَاتَتِ التِّقْنِيَةُ بَيْنَ يَدَيِ الصِّغَارِ قَبْلَ الْكِبَارِ، وَلَهُمْ فِي كُلِّ بَرْنَامَجٍ حِسَابٌ، كَيْفَ تَكُونُ هَذِهِ الْبَرَامِجُ نِعْمَةً لَا نِقْمَةً، وَمِعْوَلَ بِنَاءٍ لَا هَدْمٍ، وَبَابَ خَيْرٍ لَا شَرٍّ، وَمِنْبَرَ إِصْلَاحٍ لَا إِفْسَادٍ.

أَلَا وَإِنَّ مِنْ أَوَّلِ الْأُمُورِ فِي هَذَا: اسْتِشْعَارَ رَقَابَةِ الْمَوْلَى فِي اسْتِخْدَامِهَا، فَاللَّهُ يَرَى وَيَطَّلِعُ، وَيَسْمَعُ وَيَعْلَمُ، كُلَّ مَا تَعْمَلُهُ فِيهَا، أَظْهَرْتَ لِلنَّاسِ أَوْ أَخْفَيْتَ، فَرَاقِبْ يَا مُوَفَّقُ رَبَّكَ فِي كُلِّ هَذَا، وَأَيْقِنْ أَنَّكَ قَدْ تُخْفِي عَنْ كُلِّ أَحَدٍ، وَلَكِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُ، فَكَيْفَ تَنَامُ وَتَقُومُ، وَفِي جِهَازِكَ وَبَرَامِجِكَ مَا يُسْخِطُ رَبَّكَ، وَهَلْ تَرْضَى أَنْ تُقَابِلَ اللَّهَ بِمَا صَنَعْتَ فِيهَا.

إِنَّ هَذَا النِّدَاءَ أُوَجِّهُهُ لِنَفْسِي، وَلِلْكِبَارِ وَالشَّبَابِ، رَقَابَةُ اللَّهِ هِيَ الْبَاقِيَةُ، وَهِيَ الْمُؤَثِّرَةُ، وَمَا عَدَاهَا لَا اعْتِبَارَ لَهُ، لِذَا: قَمِنٌ بِنَا أَنْ نَسْتَوْعِبَ هَذَا، وَجَدِيرٌ بِنَا كَذَلِكَ وَنَحْنُ نُسَلِّمُ الْأَجْهِزَةَ وَمَا حَوَتْ مِنْ بَرَامِجَ لِأَوْلَادِنَا أَنْ نَتَعَاهَدَهُمْ فِي اسْتِشْعَارِ الرَّقَابَةِ الرَّبَّانِيَّةِ، فَلَوْ وَعَتْهَا الْقُلُوبُ لَاكْتَفَتْ عَنْ كُلِّ وَاعِظٍ وَزَاجِرٍ.

عِبَادَ اللَّهِ: وَمِنَ الْوَسَائِلِ كَذَلِكَ التَّحَرُّزُ فِيمَا تَنْشُرُ وَتَكْتُبُ وَتَنْقُلُ، كَمْ مِنْ رِسَالَةٍ وَكَلِمَةٍ قَالَتْ لِصَاحِبِهَا دَعْنِي.

كَمْ مِنِ امْرِئٍ جَلَسَ فِي بَيْتِهِ، فَظَلَّ يَنْشُرُ الزُّورَ وَالْعِصْيَانَ، إِمَّا فِي حَدِيثٍ مَكْذُوبٍ، أَوْ تَهْوِينٍ لِنَظَرٍ مُحَرَّمٍ، أَوْ سَمَاعٍ آثِمٍ، أَوْ لِكَذِبٍ وَسُخْرِيَةٍ بِشَخْصٍ، أَوْ بَلَدٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَبَلَغَتْ عِبَارَاتُهُ الْآفَاقَ، وَنَالَهُ مِنَ الْإِثْمِ بِقَدْرِ مَنْ وَصَلَهُ الْقَوْلُ الْمُحَرَّمُ، أَوِ الْكِتَابَةُ الْآثِمَةُ، وَلَرُبَّمَا لَمْ يَكُنْ صَادِرًا مِنْهُ، لَكِنَّهُ مَرَّرَهُ لِغَيْرِهِ، فَاكْتَسَبَ الْإِثْمَ، وَكَانَ أَحَدَ الْعَاصِينَ.

نَعَمْ، لَيْسَ بِهَيِّنٍ أَنْ تَقُولَ كَلِمَةً فَيَسْمَعُكَ فِيهَا الْآلَافُ وَأَكْثَرُ، وَهَذَا يَجْعَلُكَ تَتَحَرَّزُ أَكْثَرَ، إِنَّ السَّابِقِينَ كَانُوا يَتَحَرَّزُونَ فِي مَجْلِسٍ يَحْضُرُهُ خَمْسَةُ أَشْخَاصٍ، فَمَا الشَّأْنُ حِينَ تُطْلِقُ مَقْطَعًا فَيَجُوبُ الْآفَاقَ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ غِيبَةٌ كَانَ ذَنْبُهَا أَشَدَّ، وَإِنْ كَانَتْ سُخْرِيَةً كَانَتْ أَنْكَى، وَلَقَدْ كَانَ يَحْسُنُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ أَنْ يُعْفِيَ نَفْسَهُ مِنَ الزُّورِ، وَمِنْ نَشْرِ الْبَاطِلِ، لِيَقِيَ نَفْسَهُ مِنَ الْإِثْمِ، وَلِيَقِيَ نَفْسَهُ كَذَلِكَ مِنَ الْمُحَاسَبَةِ وَالْمُطَالَبَةِ وَاللَّوْمِ.

عِبَادَ اللَّهِ: وَتَكُونُ وَسَائِلُ التَّوَاصُلِ نِعْمَةً لَا نِقْمَةً كَذَلِكَ: إِذَا اسْتَخْدَمْنَاهَا فِيمَا يُقَرِّبُ إِلَى اللَّهِ، فَكَمَا أَنَّهُ بِهَذِهِ الْوَسَائِلِ قَدْ يُشَاعُ الْمُنْكَرُ وَتُقْطَعُ الْأَرْحَامُ وَتُنْشَرُ الْبِدَعُ وَتُشَاعُ الْفَوَاحِشُ، يُمْكِنُ لَنَا أَنْ نَسْتَخْدِمَهَا فِي صِلَةِ الْأَرْحَامِ وَإِنْكَارِ الْمُنْكَرَاتِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ وَإِشَاعَةِ الْخَيْرِ وَبَذْلِ الْمَعْرُوفِ، وَشَتَّانَ مَا بَيْنَ الْمَسْلَكَيْنِ.

إِنَّهَا وَسَائِلُ مَكَّنَتْ مَنْ أَرَادَ الْخَيْرَ مِنْ خِلَالِهَا أَنْ يَصْنَعَهُ، وَمَنْ أَرَادَ الشَّرَّ أَنْ يَصْنَعَهُ.

وَهَا نَحْنُ نَرَى بِحَمْدِ اللَّهِ نَمَاذِجَ رَائِعَةً مِنْ خِلَالِ بَرَامِجِ التَّوَاصُلِ، بَرَامِجُ تَدْعُو إِلَى الْإِسْلَامِ كَانَ مِنْ نِتَاجِهَا دُخُولُ أَعْدَادٍ كَبِيرَةٍ لِلْإِسْلَامِ فِي كُلِّ شَهْرٍ.

وَبَرَامِجُ لِنَشْرِ الْعِلْمِ، انْتَظَمَ فِيهَا آلَافُ الطُّلَّابِ وَالطَّالِبَاتِ، وَأُخْرَى تَرْبَوِيَّةٌ، وَأُخْرَى اجْتِمَاعِيَّةٌ، فِي قَائِمَةٍ تَطُولُ مِنِ اسْتِغْلَالِ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ فِي نَشْرِ الْخَيْرِ، وَالْقَضِيَّةُ تَوْفِيقٌ، فَمَا هُوَ مَشْرُوعُكَ يَا مُبَارَكُ فِي هَذِهِ الْوَسَائِلِ الَّتِي تَسْتَغْرِقُ مِنْكَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَقْتًا طَوِيلًا، سُؤَالٌ يَبْحَثُ عَنْ إِجَابَةٍ.


الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ: عِبَادَ اللَّهِ:

وَلَا يَفْتَأُ يَوْمٌ يَمُرُّ إِلَّا وَفِي التِّقْنِيَةِ جَدِيدٌ، فَالذَّكَاءُ الْجَدِيدُ فِي هَذِهِ الْأَجْهِزَةِ بَاتَ مُصَاحِبًا لِلْكَثِيرِ، مِنْهُ يَسْتَقِي مَعْلُومَاتِهِ، وَيَسْأَلُهُ عَنْ أُمُورِ دُنْيَاهُ وَحَتَّى عَنْ أُمُورِ دِينِهِ، بَرْمَجِيَّاتٌ ذَكِيَّةٌ تُخَاطِبُ الْإِنْسَانَ بِلُغَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ طَبْعِهِ، وَتُجِيبُهُ عَنْ أَسْئِلَتِهِ، وَتُعِينُهُ عَلَى فَهْمِ مَسَائِلِهِ، بَلْ قَدْ تَحُلُّ لَهُ أَعْقَدَ مُشْكِلَاتِهِ فِي لَحَظَاتٍ مَعْدُودَاتٍ، تَكْتُبُ لَهُ، وَتُلَخِّصُ، وَتُعِينُهُ عَلَى الْحُلُولِ وَتُخَطِّطُ، وَرُبَّمَا كَلَّمَتْهُ بِصَوْتٍ يُحَاكِي الْبَشَرَ فِي أَلْفَاظِهِ وَنَبَرَاتِهِ.

وَلَعَمْرِي إِنَّهَا لَمَيْدَانٌ لِلِاخْتِبَارِ وَالِابْتِلَاءِ، وَالْمُوَفَّقُ مَنْ يَشْكُرُ هَذِهِ النِّعَمَ، وَيَسْتَخْدِمُهَا فِيمَا يُرْضِي رَبَّهُ، وَيُنَمِّي نَجَاحَهُ، وَيُعَزِّزُ نَفْعَهُ، وَمَنْ يَضَعُهَا فِي مَنْزِلَتِهَا، فَمَهْمَا بَلَغَتِ التِّقْنِيَةُ، فَالْفَتْوَى تُؤْخَذُ مِنَ الْعُلَمَاءِ لَا مِنْ بَرَامِجِ الذَّكَاءِ.

وَمَهْمَا بَلَغَتِ التِّقْنِيَةُ مِنْ تَقَدُّمٍ، فَحَيَاتُكَ وَوَقْتُكَ وَدِينُكَ وَقَلْبُكَ أَهَمُّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَاحْذَرْ مِمَّا يُكَدِّرُهُ وَيُفْسِدُهُ، وَخُذْ مَا صَفَا وَدَعْ عَنْكَ مَا كَدَّرَ.

وَبَعْدُ: فَلَئِنْ كَانَ النَّاسُ يُحَذِّرُونَ مِنْ فَلَتَاتِ اللِّسَانِ وَحَصَائِدِهِ، فَالْيَوْمَ نُحَذِّرُ مِنْهَا، وَمِنْ غَوَائِلِ الْكِتَابَةِ كَذَلِكَ، فَلَا تُحَرِّكْ أُصْبُعَكَ فِي كِتَابَةِ شَيْءٍ، وَلَا تَنْطِقْ بِشَيْءٍ تَطِيرُ بِهِ وَسَائِلُ التَّوَاصُلِ، قَدْ تَنْسَاهُ أَنْتَ، وَلَكِنْ تَجِدُ مَغَبَّتَهُ إِنْ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْآخِرَةِ. اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا.

 

المشاهدات 86 | التعليقات 0