َوصَايَا نَبَوِيَّة
فهد فالح الشاكر
وصَايَا نَبَوِيَّة
الخُطْبَةُ الأُولَى
الحمدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، ونَسْتَعِينُهُ، ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ باللَّهِ مِن شُرُورِ أَنْفُسِنَا، ومِن سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَن يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَن يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، صلَّى اللَّهُ وسلَّم وبارَكَ عليه، وعلى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أمَّا بَعْدُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، واعْلَمُوا أَنَّ مِن أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ على هذِهِ الأُمَّةِ أَنْ أَرْسَلَ إِلَيْهَا نَبِيًّا رَحِيمًا، نَاصِحًا، مُشْفِقًا، ما تَرَكَ خَيْرًا إِلَّا دَلَّنَا عَلَيْهِ، ولَا شَرًّا إِلَّا حَذَّرَنَا مِنْهُ، فَكَانَتْ وَصَايَاهُ نُورًا لِلْقُلُوبِ وحَيَاةً لِلْأَرْوَاحِ، ومِنْهَاجًا صَالِحًا لِكُلِّ زَمَانٍ ومَكَانٍ.
عِبَادَ اللَّهِ، لَقَدْ أَوْصَى النَّبِيُّ ﷺ وَصَايَا عَظِيمَةً، قَصِيرَةً فِي أَلْفَاظِهَا عَظِيمَةً فِي مَعَانِيهَا، جَامِعَةً لِأُصُولِ الدِّينِ، ومُصْلِحَةً لِشُؤُونِ الدُّنْيَا والآخِرَةِ.
فَمِن وَصَايَاهُ ﷺ: تَقْوَى اللَّهِ، إِذْ قَالَ:
«أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ».
فَالتَّقْوَى وَصِيَّةُ اللَّهِ لِلْأَوَّلِينَ والآخِرِينَ، بِهَا تُحْفَظُ القُلُوبُ، وتُصْلَحُ الأَعْمَالُ، وتُرْفَعُ الدَّرَجَاتُ.
ومِن وَصَايَاهُ ﷺ: حُسْنُ الخُلُقِ، حِينَ قَالَ:
«اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ».
فَحُسْنُ الخُلُقِ عِبَادَةٌ عَظِيمَةٌ، وهُوَ أَثْقَلُ مَا يُوضَعُ فِي المِيزَانِ، وهُوَ طَرِيقُ القُلُوبِ قَبْلَ العُقُولِ.
ومِن وَصَايَاهُ ﷺ: ضَبْطُ اللِّسَانِ، فَقَالَ:
«مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ».
فَاللِّسَانُ خَطَرُهُ عَظِيمٌ، وزَلَّتُهُ جَسِيمَةٌ، وكَمْ مِن كَلِمَةٍ رَفَعَتْ صَاحِبَهَا وكَمْ مِن كَلِمَةٍ أَهْلَكَتْهُ.
ومِن وَصَايَاهُ ﷺ: الرَّحْمَةُ بِالنَّاسِ، فَقَالَ:
«ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ».
فَالرَّحْمَةُ سَبَبُ رَحْمَةِ اللَّهِ، وبِهَا تُعَمَّرُ القُلُوبُ، وتَصْلُحُ المُجْتَمَعَاتُ.
عِبَادَ اللَّهِ، هذِهِ الوَصَايَا لَيْسَتْ أَقْوَالًا تُسْمَعُ، بَلْ مَنَاهِجَ تُعَاشُ وسُلُوكًا يُتَرْجَمُ فِي وَاقِعِنَا، فِي بُيُوتِنَا، وأَعْمَالِنَا، ومَعَ أَهْلِينَا وجِيرَانِنَا، ومَعَ كُلِّ مَنْ نَلْقَاهُ.
عِبَادَ اللَّهِ، ومِن أَعْظَمِ وَصَايَا النَّبِيِّ ﷺ، وآخِرِ مَا كَانَ يُوصِي بِهِ أُمَّتَهُ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ: الصَّلَاةَ… الصَّلَاةَ.
فَقَدْ كَانَ ﷺ يَقُولُ وهُوَ فِي أَشَدِّ لَحَظَاتِ الِاحْتِضَارِ:
«الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، ومَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ».
أَيُّ شَأْنٍ أَعْظَمُ مِن شَأْنِ الصَّلَاةِ، حَتَّى تَكُونَ آخِرَ وَصِيَّةٍ تَخْرُجُ مِن فَمِ نَبِيٍّ يُفَارِقُ الدُّنْيَا؟!
الصَّلَاةُ – يَا عِبَادَ اللَّهِ – هِيَ عَمُودُ الدِّينِ، وأَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِنْ صَلَحَتْ صَلَحَ سَائِرُ عَمَلِهِ، وإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سَائِرُ عَمَلِهِ.
هِيَ صِلَةُ العَبْدِ بِرَبِّهِ، ورَاحَةُ قَلْبِهِ، ونُورُ دَرْبِهِ، ومِفْتَاحُ فَلَاحِهِ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ.
فَيَا عَبْدَ اللَّهِ…
تَأَمَّلْهَا جَيِّدًا: الصَّلَاةَ… الصَّلَاةَ
آخِرُ وَصِيَّةٍ خَرَجَتْ مِن فَمِ نَبِيٍّ ﷺ وهُوَ يُوَدِّعُ الدُّنْيَا!
أَيُّ قَلْبٍ هذَا الَّذِي يَسْمَعُهَا ثُمَّ يَنَامُ عَنْهَا؟
وأَيُّ عَيْنٍ هذِهِ الَّتِي تُبْصِرُ الحَقَّ ثُمَّ تَتَكَاسَلُ؟
وأَيُّ رُوحٍ هذِهِ الَّتِي تَرْجُو الجَنَّةَ، وتُفَرِّطُ فِي بَابِهَا الأَعْظَمِ؟
تَخَيَّلْ نَفْسَكَ – رَحِمَكَ اللَّهُ –
حِينَ يُغْلَقُ عَلَيْكَ القَبْرُ
ويُهَالُ عَلَيْكَ التُّرَابُ
ويَذْهَبُ عَنْكَ القَرِيبُ والبَعِيدُ
ولا يَبْقَى مَعَكَ إِلَّا مَا قَدَّمْتَ…
هُنَاكَ…
لَنْ يَنْفَعَكَ عُذْرٌ
ولا يُقْبَلَ مِنْكَ تَسْوِيفٌ
ولا تُجْدِي كَلِمَةُ: كُنْتُ مَشْغُولًا
ويُقَالُ لَكَ سُؤَالًا يَخْلَعُ القَلْبَ:
كَيْفَ كُنْتَ إِذَا نُودِيتَ لِلصَّلَاةِ؟
آهٍ… كَمْ مِن رَكْعَةٍ ضَيَّعْنَاهَا بِلَا نَدَمٍ
وكَمْ مِن سَجْدَةٍ أَضَعْنَاهَا بِلَا خَوْفٍ
وكَمْ مِن نِدَاءٍ سَمِعْنَاهُ، فَلَمْ نُجِبْ!
فَإِنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ آخِرَ الوَصَايَا
فَهِيَ أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ العَبْدُ
وهِيَ الفَارِقُ بَيْنَ النَّجَاةِ والهَلَاكِ
وهِيَ العَهْدُ… ثُمَّ العَهْدُ… ثُمَّ العَهْدُ.
اللَّهُمَّ لَا تَقْبِضْ أَرْوَاحَنَا إِلَّا وأَنْتَ رَاضٍ عَنَّا، اللَّهُمَّ أَيْقِظْ قُلُوبَنَا قَبْلَ أَنْ نُوقَظَ عَلَى صَيْحَةِ المَوْتِ، اللَّهُمَّ اجْعَلِ الصَّلَاةَ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنَ الدُّنْيَا ومَا فِيهَا.
عِبَادَ اللَّه
أَقُولُ قَوْلِي هذَا، وأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ العَظِيمَ لِي ولَكُمْ ولِسَائِرِ المُسْلِمِينَ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة
الحمدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا ويَرْضَى وأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ.
عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ أَعْظَمَ الخُسْرَانِ أَنْ نَسْمَعَ وَصَايَا النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ لَا نَعْمَلَ بِهَا، وأَعْظَمَ الرِّبْحِ أَنْ نَحْيَا بِهَا قَوْلًا وعَمَلًا، فَنَجْعَلَ التَّقْوَى شِعَارَنَا وحُسْنَ الخُلُقِ دِثَارَنَا، والرَّحْمَةَ طَرِيقَنَا، ومُرَاقَبَةَ اللَّهِ مِيزَانَنَا.
تَذَكَّرُوا – رَحِمَكُمُ اللَّهُ – أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ الجَامِعَةِ:
«تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي: كِتَابَ اللَّهِ وسُنَّتِي».
فَفِي الكِتَابِ والسُّنَّةِ النَّجَاةُ، وفِي هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ السَّعَادَةُ فِي الدُّنْيَا، والفَوْزُ فِي الآخِرَةِ.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلَاةِ والسَّلَامِ عَلَيْهِ
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ وبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ ورَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ المُتَّبِعِينَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ ﷺ، العَامِلِينَ بِوَصَايَاهُ
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ قُلُوبَنَا، وزَكِّ نُفُوسَنَا، وحَسِّنْ أَخْلَاقَنَا
اللَّهُمَّ وَفِّقْ وُلَاةَ أُمُورِنَا لِمَا تُحِبُّ وتَرْضَى، واحْفَظْ بِلَادَنَا وبِلَادَ المُسْلِمِينَ
اللَّهُمَّ انْصُرِ الإِسْلَامَ والمُسْلِمِينَ، وأَصْلِحْ أَحْوَالَهُمْ فِي كُلِّ مَكَانٍ.
عِبَادَ اللَّهِ
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإِحْسَانِ وإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى، ويَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
المرفقات
1769717446_وصَايَا نَبَوِيَّة.pdf