وصية محب لحبيبه

أنشر تؤجر
1447/10/21 - 2026/04/09 15:38PM

 إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يُضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله .

أما بعد : فاتقوا الله حق التقوى ، واستمسكوا بالعروة الوثقى ،( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ) [الأحزاب 70 – 71].

عباد الله : لقد أُعطي نبينا ﷺ جوامع الكلم ، فيقول الكلمة المختصرة الوجيزة ذات المعاني الكبيرة ، والعِبر الكثيرة ، وهذا من خصائصه صلوات الله وسلامه عليه ، فقد قال كما في البخاري :( وَأُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ ) .

ومن هذه الكلمات الوجيزة والوصايا النافعة ؛ ما وصى به مُعاذ بن جبل رضي الله عنه ، وهي وصية محبٍ لحبيبه ، فقد روى الإمام أحمد ، وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وغيرهم بسندٍ صحيح عن مُعاذٍ رضي الله عنه ، قال : أخذ رسول الله ﷺ بيدي ، فقال :( يا مُعَاذِ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ فَلَا تَدَعَنَّ دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أن تَقُولُ : اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ) .

إنه حديثٌ عظيم مع قلة ألفاظه إلا أنه يحمل سعادة الدنيا والآخرة ، فلنا معه وقفات :

أما الوقفة الأولى فهي مع الأسلوب الحسن من المصطفى ﷺ : فقد جمع في أسلوبه بين القول والفعل ، فالقول :( وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّك ) ، والفعل أخذ بيده صلوات الله وسلامه عليه ، فما أجمل التعليم أن يتحقق فيه القول والفعل ، فعلٌ يُنبئ عن محبة وشفقة وعطف ، وقولٍ : يُنبئ عن كلماتٍ ترفع الهمة وتُنقذ الأمة .

فعلى العلماء والمعلمين ، والآباء وطلبة العلم أن يُعتنوا بهذا الأسلوب في تربيتهم فلذات أكبادهم ، ومن سوف يسألهم .

والوقفة الثانية - أيها الأحبة - مع فضل معاذ بن جبل رضي الله عنه : فإن هذا الحديث من أعظم ما يدل على فضله ، فهو أعلم الصحابة بالحلال والحرام ، وقد جاء في الأثر أن معاذ بن جبل يُحشر يوم القيامة أمام العلماء برتوة ؛ ولهذا بعثه النبي ﷺ إلى اليمن داعياً وقاضيًا ومُفتيًا رضى الله عنه .

وأما الوقفة الثالثة - أيها الأحبة - مع قوله صلى الله عليه وسلم :( فَلَا تَدَعَنَّ ) : أي : لا تتركن ، فهو يدل على الاستمرار في العبادة ، والتواصل في الطاعة ، وعدم الانقطاع فربنا يقول جل جلاله :( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) (الحجر:99) .

والعبد المؤمن لا ينتهي عمله ولا تنقضي عبادته ، بل دائمًا مستمرًا مواصلًا على عبادة الله من قراءةٍ وذكرٍ وصلاةٍ وصدقةٍ وغير ذلك حتى يأتيه الموت .

وهذا فيه جمال العمل بالعلم ، وهل يُراد من العلم إلا العمل .

    وعالمٌ بعلمِهِ لم يعمَلَنْ       مُعَذَّبٌ من قبلِ عُبَّادِ الوَثَنْ

فالعلم وسيلة وغايته العمل والتطبيق على أرض الواقع .

الوقفة الرابعة - أيها الأحبة - مع قوله :( دبر كل صلاة ): ودبر الصلاة يشمل قبل السلام وما بعد السلام ، فالمرء مُخيرٌ بين الأمرين ، لكن الأفضلُ والأكملُ أن يقوله قبل السلام ؛ لأنه من مواطن الدعاء فهو أقرب للإجابة .

والوقفة الخامسة - أيها الأحبة - مع قوله :( اللهم أعني على ذكرك ): إنها الإعانة ، وما إدراك ما الإعانة .

    إِذَا لم يَكُنْ عَونٌ مِنَ اللهِ لِلفَتى     فَأَوَّلُ مَا يَجنِي عَلَيهِ اجتِهَادُهُ

ولهذا سر القرآن في قوله تعالى :( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) (الفاتحة:5)

وذكر الله الاستعانة بعد العبادة مع أنها داخلة فيها ، لأن العبدَ محتاج في جميع عباداته إلى أن يعينه الله عليها ، وإذا لم يعن اللهُ العبدَ لم يستطع القيام بالعبادة .

وها أنت حينما تسمع المؤذن يقول : حي على الصلاة حي على الفلاح ، فتُجاوبه لا حول ولا قوة إلا بالله ؛ فلهذا ينبغي لك أن تسأل الله عزَّ وجلَّ دائماً الإعانة ، اللهم أعني .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : تأملت أنفع الدعاء : فإذا هو سؤال العبدُ ربه العون على مرضاته ، ثم رأيته في الفاتحة في قوله تعالى :( إياك نعبد وإياك نستعين ) .

فنستعين ربنا على طاعته ، ونستعين به على ترك معصيته .

والوقفة السادسة مع قوله :( على ذِّكرك ): فالذِّكر فضائله لا تُحصى ، ومناقبه لا تُستقصى ، وكفى به شرفًا وفضلًا أن الله جلَّ وعلا قال :( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ) (البقرة:152) .

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم :( سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ ) ، قالوا : مَن يا رسول الله ؟ قال :( الذَّاكِرُونَ اللهَ كَثِيرًا ، وَالذَّاكِرَاتُ ).

  وَكُنْ ذَاكِرًا للهِ في كُلِّ حَالَةٍ      فَلَيْسَ لِذِكْرِ اللهِ وَقْتٌ مُقَيَّدُ

  فَذِكْرُ إِلهِ العَرْشِ سِرًّا وَمُعْلِنَاً     يُزَيْلُ الشَّقَا والهَمَّ عَنْكَ وَيَطْرُدُ

  وَيَجْلِبُ لِلخَيْرَاتِ دُنْيًا وَآجِلاً     وَإِنْ يَأْتِكَ الوَسْوَاسُ يَوْمًا يُشَرِّدُ

  وَقَدْ أَخْبَرَ المُخْتَارُ يَوْمًا لِصَحْبِهِ     بِأَنَّ كَثِيْرَ الذِّكْرِ في السَّبْقِ مُفْرَدُ

  وَلَوْ لَمْ يَكُن في ذِكْرِهِ غَيَرْ أَنَّهُ     طَرِيْقٌ إِلى حُبِّ الإِلهِ وَمُرْشِدُ

  وَيَنَهْى الفَتىَ عَنْ غِيْبَةٍ وَنِمَيْمَةٍ     وَعَنْ كُلِّ قَوْلٍ لِلدِّيَانَةِ مُفْسِدُ

  لَكَانَ لَنَا حَظٌّ عَظِيْمٌ وَرَغْبَةٌ     بِكَثْرَةِ ذِكْرِ اللهِ نِعْمَ المُوَحَّدِ

اللهم اجعلنا من الذين يذكرونك كثيرًا ، اللهم وفقنا لما تُحب وترضى من القول والعمل .

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولي سائر المسلمين من كل ذنب ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية :

الْحَمْدُ للهِ عَلَىْ إِحْسَاْنِهِ ، وَالْشُّكْرُ لَهُ عَلَىْ تَوْفِيْقِهِ وَامْتِنَاْنِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَاْ إِلَهَ إِلَّاْ اللهُ ، وَحْدَهُ لَاْ شَرِيْكَ لَهُ تَعْظِيْمَاً لِشَأْنِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ الْدَّاْعِيْ إِلَىْ رِضْوَاْنِهِ صَلَّى اللهُ عَلِيْهِ وَعَلَىْ آلِهِ وَأَصْحَاْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيْمَاً كَثِيْرَاً .

أَيُّهَا المُؤمِنُون : الوقفة السابعة - أيها الأحبة - في هذا الحديث العظيم مع قوله :( اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ ): فالشكر له ثلاثة أركان : الاعتراف بالقلب ، والتحدث باللسان ، والعمل بالجوارح ، فهو قولٌ باللسان ، وعملٌ بالأركان ، واعتقادٌ بالجنان .

فالقلب بالاعتراف أن هذا المال أو هذه النعمة من الله جلَّ وعلا فيرى فضل الله عليه ، ( وما بكم من نعمة فمن الله )

ويكون باللسان بأن تتحدث ظاهرًا بأن هذه النعمة من الله ؛ لتُشعر نفسك بها وتحمد الله عزَّ وجلَّ عليها ، وتُشعر من حولك بهذه النعمة (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) (الضحى :11)

ويكون بالجوارح بأن تصرف النعمة في مرضاة الله ، فلا تصرف نعمة الله في معصية الله ، فمن نظر إلى ما حرَّم الله لم يشكر الله في نعمة البصر ، ومن سمع الحرام لم يشكر الله في نعمة السمع ، ومن صرف ماله في الدخان والمخدرات وسماع الغناء لم يشكر الله في نعمة المال ، وهكذا ، فمتى صرفت النعمة في غير مرضاة الله فأنت لم تشكر الله :(إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) (الإسراء:36).

وإذا أردت المزيد من النعم فاشكر الله ، وإذا أردت زوال النعم فا كفرها ، قال تعالى :( وإذ تأذن ربكم لأن شكرتم لأزيدنكم ولأن كفرتم إن عذابي لشديد )

والوقفة الأخيرة مع قوله :( وعلى حسن عبادتك ) : فإن العبد مأمورٌ بإحسان العبادة لله عزَّ وجلَّ سواءً كانت العبادة واجبة أو كانت مُستحبة ، وهذه العبادة مبنيةٌ على أصلين عظيمين وهما : الإخلاص لله ، والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم .

، ولذلك قال تعالى :( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) (الملك:2) ولم يقل : ليبلوكم أيكم أكثر عملًا ؛ فعلينا أن نُحسن العبادة ونقوم بها على الوجه الأكمل .

وعلينا - أيها الأحبة - أن نستحضر هذا الدعاء العظيم وهو سؤال الله العون على الذِّكر ، وعلى الشكر ، وعلى حُسن العبادة ، فإن الإنسان إذا قام بهذه الثلاثة فإنه على نورٍ وبصيرة ، وهدى وسعادة .

فاللهم إنا نسألك أن تعيننا على ذكرك وعلى ذكرك وعلى حسن عبادتك .

اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ الْمُسْلِمِينَ ، وَاحْمِ حَوْزَةَ الدِّينَ ، وَاجْعَلْ بِلَادَنَا آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً رَخَاءً سَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسْلِمِينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ ، اللَّهُمَّ احْفَظْ وليَّ أَمْرَنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ ووفِّقْهُمَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى وَلِمَا فِيهِ الخَيرُ لِلبِلَادِ والعِبَادِ ، اللَّهُمَّ جَنِّبْ بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسْلِمِينَ الفِتَنَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِلَادَنَا بِسُوءٍ فَأَشْغِلْهُ بِنَفْسِهِ وَرُدَّ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَدْرَأُ بِكَ فِي نُحُورِ أَعْدَائِنَا ، وَنَعُوذُ بِكَ اللَّهُمَّ مِنْ شُرُورِهِم .

( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ  .(

اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا ، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا ، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاَهَا .

عِبَادَ اللهِ :( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ )؛ فَاذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكبَرُ ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون.

 

 

المرفقات

1775738328_وصية محب لحبيبه.docx

المشاهدات 392 | التعليقات 0