وفود الحجيج .. تاريخ لا يُنسى

الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ لِعِبَادِهِ مَوَاسِمَ تَفِيضُ فِيهَا الرَّحْمَاتُ، وَتَتَنَزَّلُ فِيهَا السَّكِينَاتُ، وَتَهْفُو إِلَيْهَا الْقُلُوبُ قَبْلَ الْخُطَى وَالطُّرُقَاتِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ الْكَعْبَةَ قِيَامًا لِلنَّاسِ، وَمَثَابَةً لِلْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَفْضَلُ مَنْ لَبَّى وَطَافَ وَسَعَى، وَأَكْمَلُ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ وَدَعَا، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعْدُ..

فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَوَاسِمِ الْإِيمَانِ، وَأَجَلِّ مَشَاهِدِ الْعُبُودِيَّةِ: مَوْسِمَ الْحَجِّ، يَوْمَ تَفِدُ الْقُلُوبُ قَبْلَ الْأَبْدَانِ، وَتَحِنُّ الْأَرْوَاحُ إِلَى بَيْتِ الرَّحْمَنِ.

هُنَاكَ.. عِنْدَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ تَذُوبُ الْفَوَارِقُ، وَتَسْقُطُ الْأَلْقَابُ، وَيَقِفُ الْخَلْقُ فِي ثِيَابٍ بِيضٍ، كَأَنَّهُمْ يَوْمُ الْبَعْثِ قَدْ خَرَجُوا مِنَ الْقُبُورِ.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ.. إِنَّ قِصَّةَ الْحَجِّ لَيْسَتْ رِحْلَةَ أَيَّامٍ، بَلْ هِيَ قِصَّةُ إِيمَانٍ ابْتَدَأَتْ مِنْ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ أَمَرَهُ اللهُ أَنْ يَتْرُكَ زَوْجَهُ هَاجَرَ وَطِفْلَهُ إِسْمَاعِيلَ فِي وَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ. وَادٍ مُقْفِرٍ لَا مَاءَ فِيهِ وَلَا أُنْسَ، لَا شَجَرَ وَلَا ظِلَّ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ إِبْرَاهِيمُ وَقَلْبُهُ يَتَقَطَّعُ، فَتُنَادِيهِ هَاجَرُ: يَا إِبْرَاهِيمُ، آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَتَقُولُ بِقَلْبِ الْمُؤْمِنَةِ الْمُوقِنَةِ: إِذًا لَا يُضَيِّعُنَا. فَيَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ يَدَيْهِ، وَالدَّمْعُ يَسِيلُ مِنْ عَيْنَيْهِ، وَيَقُولُ ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾.

ثُمَّ تَمُرُّ السِّنُونَ، وَيَكْبَرُ إِسْمَاعِيلُ، وَيَبْنِي الْأَبُ وَالِابْنُ الْكَعْبَةَ، وَهُمَا يَرْفَعَانِ الْحِجَارَةَ وَالْقُلُوبُ خَاشِعَةٌ، وَالأَلْسِنَةُ لَاهِجَةٌ ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ثُمَّ جَاءَ النِّدَاءُ الْعَظِيمُ الَّذِي مَا زَالَ صَدَاهُ يَمْلَأُ الْأَرْضَ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ فَمَا أَعْظَمَهُ مِنْ نِدَاءٍ!! نِدَاءٌ شَقَّ الزَّمَانَ وَالْمَكَانَ، فَلَبَّتْهُ الْأَرْوَاحُ قَبْلَ الْأَجْسَادِ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ.. وَمِنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَالْوُفُودُ لَا تَنْقَطِعُ، شُيُوخٌ وَضُعَفَاءُ، أَغْنِيَاءُ وَفُقَرَاءُـ، يَجِيئُونَ مِنْ كُلِّ لُغَةٍ وَلَوْنٍ وَبِلَادٍ، تَجْمَعُهُمْ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ).

كَمْ مِنْ عَيْنٍ بَكَتْ عِنْدَ الْكَعْبَةِ؟ وَكَمْ مِنْ قَلْبٍ تَابَ فِي عَرَفَةَ؟ وَكَمْ مِنْ مُذْنِبٍ رَجَعَ وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَهُ؟

ثُمَّ جَاءَتْ حَجَّةُ النَّبِيِّ ﷺ -حَجَّةُ الْوَدَاعِ- فَخَرَجَ بِأَصْحَابِهِ وَقُلُوبُهُمْ تَخْفِقُ بِالْإِيمَانِ، وَالْجِبَالُ تُرَدِّدُ التَّلْبِيَةَ مَعَهُمْ. وَقَفَ ﷺ فِي عَرَفَةَ، وَحَوْلَهُ أَكْثَرُ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ يَقُولُ بِصَوْتِ الْمُشْفِقِ الْمُوَدِّعِ "لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا". فَبَكَى الصَّحَابَةُ، وَارْتَجَّتِ الْقُلُوبُ،  وَأَحَسُّوا أَنَّ الْفِرَاقَ قَرِيبٌ، ثُمَّ قَالَ ﷺ "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ".

فَكَأَنَّهُ ﷺ يُسَلِّمُ الْأُمَّةَ دِينَ الْحَجِّ، وَيُوَدِّعُ الدُّنْيَا عَلَى أَعْظَمِ مَشْهَدٍ مِنْ مَشَاهِدِ التَّوْحِيدِ.

اللَّهُمَّ يَا مَنْ جَعَلْتَ الْأَفْئِدَةَ تَهْوِي إِلَى بَيْتِكَ الْحَرَامِ، اجْعَلْ قُلُوبَنَا مُعَلَّقَةً بِطَاعَتِكَ، وَارْزُقْنَا حَجَّ بَيْتِكَ الْحَرَامِ، وَزِيَارَةَ مَشَاعِرِكَ الْعِظَامِ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الْمُلَبِّينَ الْخَاشِعِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِلْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ.

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ..

فَيَا عِبَادَ اللهِ، إِنَّ الْحَجَّ لَيْسَ طَوَافًا وَسَعْيًا فَقَطْ، بَلْ هُوَ تَرْبِيَةٌ لِلْقُلُوبِ عَلَى التَّجَرُّدِ لِلهِ، وَتَذْكِيرٌ بِالْآخِرَةِ، وَإِعْلَانٌ لِتَوْحِيدِ الرَّبِّ جَلَّ وَعَلَا.

الْحَاجُّ يَخْلَعُ ثِيَابَ الزِّينَةِ، وَيَلْبَسُ الْإِحْرَامَ، لِيَتَذَكَّرَ أَنَّهُ سَيُكَفَّنُ يَوْمًا مَا، وَسَيَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ فَرْدًا.

وَيَقِفُ فِي عَرَفَةَ، وَمَا أَعْظَمَهُ مِنْ مَوْقِفٍ.. مَلَايِينُ الْقُلُوبِ تَرْفَعُ أَيْدِيَهَا، وَالدُّمُوعُ تَنْهَمِرُ، وَالضَّجَّةُ تَعْلُو بِالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ.

فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الْحَجَّ بِجَسَدِهِ، فَلْيَحُجَّ بِقَلْبِهِ، لِيَعِشْ مَعَ الْحُجَّاجِ بِدُعَائِهِ، وَلْيَسْأَلِ اللهَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ زِيَارَةَ بَيْتِهِ الْحَرَامِ.

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا وَالْحُجَّاجَ حَجًّا مَبْرُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، وَتُبْ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.

اللَّهُمَّ احْفَظْ حُجَّاجَ بَيْتِكَ الْحَرَامِ، وَيَسِّرْ لَهُمْ نُسُكَهُمْ، وَأَعِدْهُمْ إِلَى أَهْلِيهِمْ سَالِمِينَ غَانِمِينَ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ إِذَا دُعُوا أَجَابُوا، وَإِذَا أَذْنَبُوا اسْتَغْفَرُوا، وَإِذَا أُعْطُوا شَكَرُوا.

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ بِذَلِكَ فَقَالَ ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

المرفقات

1779261377_وفود الحجيج بين تاريخ لا يُنسى.pdf

1779261387_وفود الحجيج بين تاريخ لا يُنسى.docx

1779262813_11.png

المشاهدات 123 | التعليقات 0