وفي العشر منح في 5/12/1447

أحمد عبدالعزيز الشاوي
1447/12/04 - 2026/05/21 14:03PM

الحمد لله على نعمائه والشكر له على أفضاله وآلائه وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وصفاته وأسمائه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صفوة خلقه وسيد أنبيائه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأوليائه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

فاتقوا الله أيها المسلمون وعظموا شعائره، [ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ]

نداءات نبوية تخترق طبقات الزمن تستحث الخطى وتنبه الغافلين وتذكر الغارقين في سكرة الهوى وتنادي ( بادروا بالأعمال سبعا هل تنتظرون إلا فقرا منسيا أو غنى مطغيا أو مرضا مفسدا أو هرما مفندا أو موتا مجهزا أو الدجال فشر غائب ينتظر أو الساعة فالساعة أدهى وأمر ) .. نداءات توقظ الآمنين من مكر الله في زمن الفتن تناديهم ( بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبع دينه بعرض من الدنيا )

نداءات نبوية للناس باستغلال الخمس قبل الخمس ، واستثمار المنح الربانية قبل المنع ، وتدارك مافات قبل الوفاة

وهاهي العشر توالي نفحاتها وخيراتها ، وتنشر عبير مآثرها وأجورها ، وأيامها تمضي والناس فيها مابين مؤثر للدنيا وزينتها محب للعاجلة تارك وراءه يوما ثقيلا ، وآخرين مريدين للآخرة ساعين لها سعيها فأولئك كان سعيهم مشكورا

أيام خالدة يعلو فيها صوت التكبير تعظيما لله مستحق التعظيم وإعلانا بيقين لايهتز ولا يزيغ بأن كل متكبر بعد الله فهو صغير وأن كل متعاظم بعد الله فهو حقير 0

ايام العشر تمضي والصالحون من عباد الله يعمرونها ذكرا وشكرا وصياما وقياما وعبادة ومسارعة للخيرات ونأياً عن المعاصي ومواطن المنكرات .. أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده وأولئك هم أولو الألباب

تمضي العشر بأنوارها وسيأتي بعد أيام خير الأيام .. وهناك تعود بنا الذكريات

هاهو رسول المرحمة صلى الله عليه وسلم واقف وسط الجموع المحتشدة قد قرت عينه وهو يرى الأمة تشهد له في هذا الموقف بأنه قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة .. وفجأة تتسمر ناقة رسول الله في مكانها وينخفض رأسها ثم تبرك وينزل منها الرسول المصطفى ويتنزل الوحي برسالة من السماء فتشرئب الأعناق وتحدق الأبصار ثم سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد علا البشر محياه ونزل الوحي من السماء ( اليوم أكملت لكم دينكم .. ) وقبل الغروب يصدر أمر نبوي لبلال بأن يستنصت الناس فأنصتت تلك الجموع للمكرمة النبوية من رب الأرض والسماء ( ياأيها الناس أاني جبريل آنِفًا فأقرأني السلام من ربِّي وقال: بشِّر أهلَ الموقف والمشعر أنَّ الله قد غفَر لهم، وتحمَّل عنهم التَّبِعات)، فقال عمر: يا رسول الله، هذه لنا خاصَّة؟ فقال: ((بل لكم ولِمَن بعدَكم إلى يوم القيامة)، فقال الفاروق: كثُر خيرُ الله.

ذاك يوم عرفة يوم العتق والمغفرة والمباهاة من الملك الجبار

إننا نترقب يوما ترسم فيها معالم الإيمان والأخوة على صعيد عرفات .. إنها اللحظات التي يصبح الشيطان فيها مدحورا مثبورا

في عرفات تختلط العبارات بالعبرات ويكثر الدعاء والتضرع إلى رب الأرض والسماء وخير الدعاء دعاء يوم عرفة ، وخير ماقاله نبينا والمرسلون ( لإله إلا الله وحده لاشريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير )

وإذا كان حجاج بيت الله يتعرضون لرحمات الله في صعيد عرفات في ذلك اليوم العظيم المبارك حيث يقفون مواقف إيمانية خالدة .. فياأيها المقيمون لاتحزنوا ولا تأسوا على مافاتكم فإن فضل الله عظيم وثوابه جزيل ورحمته وسعت كل شي ..

اعلموا أن مدار الأمور على النيات والمقاصد فكم تارك للحج احتسابا يعطيه الله أجر من حج واعتمر وقد قال صلى الله عليه وسلم للمجاهدين في تبوك ( إن بالمدينة أقواما ماسرتم مسيرا ولا نزلتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم العذر )

فيامن لم يدرك الحج وقلبه يخفق شوقا إلى البيت العتيق ..

ابشروا إن لكم مانويتم ولن يضيع الله أجركم ومن سأل الله الشهادة بصدق كتب من الشهداء وإن مات على فراشه ، ومن هم بالحسنة فلم يعملها كتبها الله له حسنة كاملة ،

وإن فاتكم الحج فأمامكم أبواب من الخير مشرعة .. صدقات وصلوات ودعوات وأذكار وتكبير وتهليل ، والأضحية يقع دمها عند الله بمكان قبل أن يقع لى الأرض وصيام عرفة يكفر السنة التي قبله والتي بعده ، وكم من قاعد فاق منازل الحجاج ، والإنسان يدرك بنيته ومقصده مالايدركه بعمله وإن لم نصل إلى مكانهم فلنصل انكسارنا بانكسارهم وإن لم نصل عرفات فلنستدرك مافات ، وإن لم نقبل الحجر فليلن كل قلب حجر وإن لم نشرف بالمبيت بمنى فلنظهر اللجوء إلى الله هنا

في أيام العشر ظهر الفقه المفتقد فقه الأولويات ففي الدين حرام ومكروه وفريضة ونافلة وكبيرة وصغيرة والعاقل من قدم الأهم على المهم والأوجب على الواجب وتجنب الحرام قبل المكروه وبقد مايسعد ويفرح قلبك ذاك الاهتمام الظيم من الناس بالإمساك عن الشعر للمضحين وكثرة أسئلتهم عن دقائق هذا الحكم وتفاصيله فإنك تحزن حينما ترى من هؤلاء من إذا ذبح اضحيته ضحى بلحيته ، وترى من تتحرج من سقوط شعره لاتبالي بسقوط حجابها فياعباد الله عظموا دين الله كله وأحكامه كلها ولايشغلنكم الشيطان بالمفضول عن الفاضل وادخلوا في السلم كافة

يامعشر المسلمين .. ياكل من يشعر بفقره إلى الله وفاقته وحاجته إلى مولاه .. ياكل مهموم ومغموم .. ياكل مريض ومبتلى . ياكل خطاء . وياكل مذنب ومسرف..

في عشية عرفة ساعات خير من الدنيا وما فيها ,و فالزموا بيوت الله واتلوا كتاب الله وتفرغوا لدعاء الله ومناجاته وتذللوا بيت يديه

ياكل مذنب ومقصر وكلنا كذلك .. لنجعل من هذه الأيام فرصة طيبة لإعلان عهد الصلح مع الله في هذه الأجواء الإيمانية الصافية وللتوبة عما مضى والندم على مافات وعقد العزم على المضي في الطريق الذي يرضي ربنا

 فهل ياترى تنشرح الصدور لمشاهد المؤمنين وهي تعمر بيت الله بالذكر والقرآن وتلهج ألسنتهم بالدعاء والتضرع وسؤال رب العالمين .. هذا هو المرتجى ، والمحروم من حرم طاعة الله وتخاذل عن استغلال منح الله وعطاياه

وفقني الله وإياكم لمرضاته وهدانا لسبيل جناته ..

أقول هذا القول ...

الخطبة الثانية

أما بعد :

فحينما يمضي يوم عرفة وتنقضي ليلة مزدلفة يحل على المسلمين يوم الحج الأكبر أعظم الأيام عند الله وفيه يتقرب المقيمون إلى الله بذبح أضاحيهم يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا والأضحية من شعائر الله فعظموا شعيرته وكلوا منها وأهدوا وأطعموا البائس الفقير وتذكروا حين ذبحها قصة التضحية والفداء والتسليم لرب الأرض والسماء والتي سطرها الخليل وابنه عليهما السلام ليرسما للبشرية معنى الإسلام والتسليم والخضوع لرب العالمين

عظموا شعيرة الأضحية ولاتجعلوا منها مادة للسخرية والتندر والنكت والطرائف والعبث والتصوير ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب وتذكروا ( لن ينال الله لحومها .. )

ثم تأتي ايام التشريق وهي ايام أكل وشرب وذكر لله تعالى كما صح بذلك الأثر.. والذكر ليس ساعة مناجاة محدودة في الصباح والمساء في المسجد أو في المحراب لينطلق العبد بعدها في أرجاء الأرض يعبث كما يشاء ويفعل ما يريد. الذاكر الحي والمتدين الحق يرقب ربه في كل حال وحيثما كان، وينضبط مسلكه ونشاطه بأوامر ربه ونواهيه يشعر بضعفه البشري فيستعين بربه في كل ما يعتريه أو يهمه. وفي هذا يقول سعيد بن جبير رحمه الله: كل عامل لله بطاعة فهو ذاكر لله تعالى.

المسلم الذاكر يصحو وينام ويقوم ويقعد ويغدو ويروح وفي أعماقه إحساس بأن دقات قلبه وتقلبات بصره وحركات جوارحه كلها في قبضة الله وتحت قدرته، في أعماقه إحساس وإيمان بأن إدبار الليل وإقبال النهار وتنفس الصبح وغسق الليل وحركات الأكوان وجريان الأفلاك كل ذلك بقدرة الله وأقداره [الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ]

اللهم صل وسلم ...

 

المرفقات

1779361382_وفي العشر منح.doc

المشاهدات 166 | التعليقات 0