وقفات مع العشر ويوم عرفة
الشيخ د. أبو سلمان راجح الحنق
1447/12/04 - 2026/05/21 23:34PM
المقدمة:
قال الله تبارك وتعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97].
أيها المسلمون: هنا ومن خلال هذه الأيام المباركة، العشر الأول من ذي الحجة، تجد الحياة الطيبة؛ حياة القلوب بطاعة الله وذكره، قال تعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]، وحياة الأرواح، قال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52].
أيها المسلمون: ها نحن في وسط جنة خضراء مزهرة ومثمرة، إنها جنة الأعمال الصالحة، ففي هذه العشر الأول من ذي الحجة تتنوع الطاعات وسائر الأعمال الصالحة والقربات. إن هذه العشر الأول من ذي الحجة هلت علينا وفيها من بشائر المغفرة وكثرة الخيرات، وفيها من الفضائل والرحمات ما لم نتخيله أو نتصوره، بل يعدها الكثير فرصة ذهبية للتقرب إلى الله سبحانه وتعالى.
فمن أدرك فريضة الحج عاد كمن ولدته أمه، ومن لم يدرك الحج فقد وجد وبذل وسعى بصدق في طريق الطاعات، وطهر قلبه من الآثام والخطايا والموبقات، واستغفر لذنوبه وتاب عن يقين واجتهد بالعبادات. إن من لم يدرك الحج يجد في بقية هذه العشر الأول من ذي الحجة الملجأ والمنجى واستجابة الدعوات والرحمة والمغفرة الواسعة من الله تعالى الذي وصف نفسه بقوله: ((سبقت رحمتي غضبي)) [صحيح البخاري].
أيها المسلمون: أيام قلائل، ولكن العمل فيها مضاعف لصاحبه الأجر والثواب، وقد أقسم الله تعالى بهذه العشر لعظمها ومكانتها وشرفها فقال: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 1-2]. هذه العشر الأول من ذي الحجة شهد لها وبفضلها وقدرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ((ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام)) [صحيح الترمذي، من حديث ابن عباس]. وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه من العمل فيهن من هذه العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد)) [رواه أحمد].
أيها المسلمون: ما أعظم هذا الدين؛ فشق تمرة يبعدنا عن النار، وصدقة تطفئ غضب الرب، وكلمتان تثقلان ميزان العمل: ((سبحان الله وبحمده)) [صحيح البخاري]، ووضوء يزيل من جوارحنا الخطايا، وحسنة تتضاعف لعشرة أضعاف، وكلمة طيبة صدقة، وتبسمك في وجه أخيك صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وإعانة الرجل على دابته صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة. فيا له من دين عظيم، فالحسنة بعشرة أمثالها، ولا يجزى السيئ إلا بمثلها.
أيها المسلمون: أين نحن من هذه المواسم المربحة؟ وأين من عزم النية، وقوّى عزيمته، وصحح مسار حياته، وغيّر روتين حياته فبدأ بالمحافظة على الواجبات، وتدرج في التزود من نوافل الطاعات، وحرص على تنوع الأعمال الصالحات، وضرب له في كل باب من أبواب الخير سهمًا؟
أيها المسلمون: أربعة أيام فقط ويهل علينا يوم عرفة، وهو يوم يباهي الله فيه ملائكته بأهل الموقف وهم شعثًا غبرًا، يرفعون أكف الضراعة والرجاء، فتلهج ألسنتهم بالدعاء والتعظيم لله تعالى، يرجون كما قال سبحانه: {يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ} [فاطر: 29].
إن يوم عرفة هو يوم التجلي الأعظم، حيث تُقبل الدعوات، وتُغفر الزلات، وتُحط الخطايا والأوزار، وتشرق القلوب بحب الرحيم الرحمن. في يوم عرفة تُغسل القلوب، وتُحتّ الذنوب كما تُحتّ أوراق الشجر، فهو يوم عظيم مشهود، فمن لم يكن هناك على صعيد عرفة، فقد سنّ لنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم وندب لنا صيام ذلك اليوم، وبيّن أن صيامه لغير الحاج ((يكفر ذنوب سنتين)) [رواه مسلم]، {ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الجمعة: 4].
فالحرص الحرص يا عباد الله: على هذا اليوم؛ صومه، وكثرة ذكر الله تعالى فيه، وكثرة الصلاة والسلام على رسولنا صلى الله عليه وسلم، وكثرة الدعاء والتضرع، وكثرة ترداد كلمة التوحيد ومفتاح الجنة: ((لا إله إلا الله وحده لا شرك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)) [رواه الترمذي]. وعليكم بكثرة الذكر، والتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، وبذل المعروف للناس، والدعوة إلى الله تعالى، والنصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومواساة المحتاجين، والحرص على صلاة الجماعة مع المسلمين، والصفح والعفو، وحفظ سائر الجوارح إلا عن الخير والنصح.
أيها المسلمون: يوم عرفة يوم تجارة رابحة، والله تعالى الكريم الرحيم ينادي العباد: ((هل من داع فأستجيب له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من تائب فأتوب عليه؟)) [صحيح مسلم]، ما أعظم هذه الرحمة، وما أكرم الكريم، قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156]. قلت ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه أجمعين.
أيها المسلمون: الوقفة الثانية: يوم التجلي ومغفرة الذنوب.
أيها المسلمون: يوم عرفة ليس مجرد يوم عابر من أيام العام، بل هو الميقات الذي تتنزل فيه الرحمات، وتسكب الدموع والعبرات، وترفع إلى الله الحاجات. إنه يوم يتجلى الكريم الرحمن لعباده، فيقول الملك الجليل لملائكته: ((انظروا إلى عبادي، شعثًا غبرًا، جاءوني من كل فج عميق، أشهدكم أني قد غفرت لهم)) [رواه أحمد]. ذلك اليوم المبارك، والحجيج على صعيد عرفة، ومن لم يكن هناك على صعيد عرفة فإن له حظًّا وقسمًا من كرم الله وجوده وإحسانه، هناك الجميع يلبون بنداء واحد: لبيك اللهم لبيك، وكلهم جميعًا يلبسون البياض، إنه مشهد مصغر ليوم العرض الأكبر، لكنه مغسول بالرحمة والمغفرة.
أيها المسلمون: يوم عرفة هو تاج الأيام، وملتقى الدموع والدعوات، وموطن المغفرة والرحمات.
أيها المسلمون: هذه بعض عبارات الحب والتفاني والتي جادت بها صدور بعض العلماء. قال ابن رجب رحمه الله: "يوم عرفة هو يوم العتق من النار، فيوم عرفة يعتق الله فيه من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان. وما رؤي الشيطان يومًا هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة"، فهو تعالى من وصف نفسه بالرحمة فهو {الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 3].
وكان الحسن البصري رحمه الله إذا شارف يوم عرفة يقول للناس: "اجتهدوا في الدعاء، فإنه يوم تستجاب فيه الدعوات، وتقال فيه العثرات، وتبسط فيه الرغبات إلى رب الأرض والسموات". والفضيل بن عياض رحمه الله نظر إلى بكاء الناس وخضوعهم عشية عرفة، فقال: "أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل فسألوه شيئًا يسيرًا من المال، أكان يردهم؟ قالوا: لا. قال: والله للمغفرة عند الله أهون من إجابة ذلك الرجل لهم".
وابن قيم الجوزية وصف مشهد الحجيج في عرفات قائلاً: "فلله ذاك الموقف الأعظم الذي يشبه موقف الحشر، ولكنه موقف رحمة وإحسان، وموطن سكينة وأمان، تفيض فيه العبرات، وترتفع فيه الأصوات بلغات شتى، يجمعها سؤال واحد: المغفرة والقبول".
أيها المسلمون: لنستشعر عظمة ومكانة هذه العشر الأول من ذي الحجة، فقد أقسم الله بها، والله تعالى لا يقسم إلا بعظيم: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 1-2]، ولنجدد النية، ونصلح حالنا مع الكريم الرحمن، ونعزم على توبة صادقة بيننا وبين الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا} [التحريم: 8] ولنتخل (؟).
أيها المسلمون: وعلينا كذلك أن نحافظ على الفرائض والواجبات ومنها الصلوات الخمس في جماعة وفي بيوت الله تعالى إلا لعذر شرعي. كذلك من الأعمال في مثل هذه العشر الأول من ذي الحجة إحياء شعيرة التكبير: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر ولله الحمد.
كذلك يا عباد الله: الحرص على الصيام في مثل هذه العشر الأول من ذي الحجة فالصوم لا عدل له، وقراءة القرآن الكريم، والصدقة، والصدقة برهان. كذلك يا عباد الله مما يجب أن نمتثله في مثل هذه العشر الأول من ذي الحجة: حفظ اللسان والجوارح، بمعنى صيام الجوارح، فالعبادة أيضًا سلوك وأخلاق، فلنحذر يا عباد الله أن نضيع حسناتنا في: الغيبة والنميمة والسب واللعن والشتم، ومشاهدة وسماع ما يغضب الله تعالى في الشاشات أو في وسائل التواصل.
ومن الأعمال الصالحة في مثل هذه العشر الأول من ذي الحجة: البر وصلة الأرحام والإحسان إلى الوالدين أحياء وأمواتًا، والإحسان إلى كل من لك صلة به من الإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، فكن محسنًا يحسن الله إليك، {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134]. ولا تنس نصيبك من بعض الصدقات إلى من تعرف حالهم وفقرهم، فإن الصدقة في مثل هذه المواسم أجرها مضاعف: {وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص: 77].
أيها المسلمون: يوم عرفة جوهرة العشر، وصيامه لغير الحاج يكفر ذنوب سنتين، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: 97].
ألا وصلوا وسلموا على خير خلق الله محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه أجمعين، صلى الله عليه وسلم.