وهزم الأحزاب وحده (2)
د فهد بن محمد السعيد
وهزم الأحزاب وحده
الحمد لله من قبل ومن بعد، له الأمر من قبل ومن بعد، وله الثناء والمجد، لا يُهزم له جند، ولا يُخلف له وعد، يُعطي بلا عد، ويرحم بلا حد، لا إله إلا هو الملك الواحد الصمد.
والصلاة والسلام على نبينا الخاتم محمد، المنصور بالرعب والمؤيد بالوحي، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه، أُولي النهج الأَكْمَل والرأي المُسدَّد، ومَن تبعهم بإحسان إلى يومٍ تُحْصى أعمالُ العباد عليهم وتُعد.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
فالتقوى مدارُ النجاح، وبوابةُ الفلاح، وطريقُ العز والفوزِ بالمراد.
والتقوى أنْ تَجعل بينك وبين عذاب الله وقايةً، بفعل ما أَمَرَ، وتَرك ما نَهَى عنه وزَجَر.
عبادَ الله: كان حديثنا في الخطبة الماضية حول حَدَثٍ من أحداث التاريخ جديرٌ بالتأمل، نَصَرَ اللهُ به الحقَّ المُستضعف وأهلَه، وخَذَلَ الباطلَ المُنتفشَ وحِزبَه.
كان حديثنا عن غزوة الخندق وتُسمّى غزوة الأحزاب، التي دَارت رَحَاها في شَهر شوال من السنة الخامسة من الهجرة، حتى سُمّيت سورةٌ من القرآن باسمها.
هذا الحَدَث له من اسْمه نَصيبٌ، حيث تَحزَّبت قُوى الشرِّ العالميةِ من يَهودَ ومنافقين ومشركين عُبادِ وَثَن، وضُعفاءِ النفوس وعُبَّادِ الدنيا، كلُّهم تَحَزبوا على رسولِ الله وأصحابه؛ ليستأصلوا شأفةَ الإسلام ويَجْتثوه من عُروقه؛ فأَجْلَبوا عليهم بخيلهم ورجِلهم، وعَدَدِهم وعُدَّتِهم، وقَضِّهم وقَضِيضهم للقضاء على الإسلام وكَسْرِ شَوْكته التي بدأت تتنامى وتزيد، وهيبة المسلمين تعلو رغم الضعف والتهديد.
أيها المسلمون: لقد تَجلَّى في هذه الغزوة آياتٌ، وانكشفت عن مُعجزات، وكان فيها دروس وعِبرٌ تستفيد منها الأجيال، على مَرِّ العصور وكَرِّ الدهور.
لقد أصبحت تلك الغزوةُ علامة تحول كبرى في ذلك الوقت، وظَهَرَ فيها صِدقُ الإيمان ورَوْعةُ البذل والتضحيات، وتَفَتَّقَتْ عن صُورٍ الصبر والفداء أمام الأعداء، كما تَجَلَّى فيها أهميةُ الأخذ بالأسباب، وانْكَشَفَت بحمد الله عن نَصْرٍ سَاحقٍ، وظَفَرٍ ماحِقٍ لأَهل الإيمان.
ومن عَجيب تَدبيرِ اللهِ اللطيف، أنّ هذه المعركةَ لم يحصل فيها قتالٌ ولا احْترابٌ، ولم يَقَع فيه وَطِيسُ حَربٍ ولا قَعْقَعةُ سِلاح، سِوى مناوشات، ورمي بالنبال!.
ومع ذلك فإنها أَسْفَرَت عن هزيمة مُنكرةٍ لحزب الباطل وأولياءِ الشيطان كلِّهم، على اختلاف أديانهم، كما أسْفرت عن انتصارٍ كبير، كان له دَويٌّ في أنحاء الجزيرة العربية وما حَوْلَها، مع الفارقِ الكبير بين الطائفتين عَدَداً وعُدة، وهكذا إذا أَرَادَ اللهُ شَيئاً هيأ له أَسْبابه.
ومن اللافت في هذه الغزوةِ مُشاورةُ النبي صلى الله عليه وسلم لأَصحابه، وذلك أنه حين اشتدَ على الناس البلاءُ بَعَث رسولُ الله إلى عُيينةَ بنِ حِصنٍ، وإلى الحارث ابنِ عوف -وهما قائدا غَطَفان- فأعطاهما ثُلثَ ثِمارِ المدينة، على أنْ يَرجعا بمَنْ معهما، فَجَرى بينه وبينهما الصُّلحُ حتى كتبوا كتاباً بينهم ولم يُختم الكتاب، ثم إنّ رسولَ الله بَعث إلى سَعدِ بنِ مُعاذ (سيدِ الأوس) وسَعدِ بنِ عُبادةَ (سيدِ الخَزْرج) فذكر ذلك لهما واستشارهما فيه، فقالا له: "يا رسولَ الله، أمْراً تُحبُّه فنصنعُه، أم شيئاً أمَرَك اللهُ به لا بُدَّ لَنا من العمل به، أم شيئاً تصنعه لنا؟ قال: (بل شَيءٌ أَصْنَعُه لكم، واللهِ مَا أَصْنعُ ذلك إلا لأَنني رأيتُ العَرَبَ قد رَمَتْكم عن قَوسٍ واحدة، وكَالَبوكم من كُلِّ جَانب، فأَرَدْتُ أنْ أَكْسِرَ عنكم من شَوكتهم)، فقال سعدُ بنُ معاذٍ: يا رسولَ الله، قد كُنَّا نحن وهؤلاءِ القومِ على الشركِ بالله وعبادةِ الأوثان، لا نَعبدُ اللهَ ولا نعْرفُه، وهم لا يَطْمعون أنْ يَأكلوا منها ثمرةً إلا قِرىً أو بيعاً، أَفَحِينَ أَكْرَمَنا اللهُ بالإسلام، وهَدانا له، وأَعزَّنا بك وبه نُعطيهم أَمْوالَنا! واللهِ ما لَنَا بهذا من حاجةٍ، واللهِ لا نُعْطيهم إلا السيفَ حتى يَحكم اللهُ بيننا وبينهم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (فَأَنْتَ وذَاك)، فتناولَ سَعدُ بنُ معاذ الصحيفةَ، فَمَحَا ما فيها من الكتاب، ثم قال: لِيَجْهَدوا عَلينا". (ذكره ابن هشام في السيرة وابن كثير في التاريخ).
إنّ ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم تَطبيقٌ عَملي لمبدأ الشُّورى، فقد كان يستشير أصحابه ويأخذ برأيهم إذا رآه موافقاً للصواب كما استشارهم في غزوة بدر في تحديد مكان المعسكر، وكما استشارهم في الخروج لغزوة أُحد، وفي هذه الغزوة حيث أَخَذَ برأَي سلمانَ الفارسي حين أَشار عليه بحفر خندق يَحْمي المدينة، واسْتشارَ السَّعْدين رضي الله عنهما، فأَخَذَ برأيهما، وهو السيف والحرب.
وما فَعله النبي ما هو إلا امتثال لأَمرِ الله حيث يقول: (لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ).
أيها المسلمون المقتدون بنبيكم: إن المشاورةَ مَبدأٌ عظيمٌ وخطوةٌ مهمة في أي عَملٍ يَقومُ به الإنسان ليَحْفَظَه من الخَطأ والزلل، يحتاجه المربي ويحتاجه المُصلح، ويحتاجه المعلم ويحتاجه القائد، ويحتاجه كلُّ مَن أَقْدَم على أَمر مُهم؛ ليأمن التخبطَ والتشتت والخطأ، ويَسْتجلبَ الرأي الصائب، وقد يستشير الإنسانُ أكثرَ من شخص ليصل إلى الرأي الأمثل، وهذا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، تعليما لأمته وترسيخاً لهذا المبدأ القويم.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما سمعتم، وأستغفر الله من الزلل والخطل، فاستغفروه يغفر لكم، إنه غفور رحيم.
الحمد للهِ، وهو للحمد أَهْل، أَسْبَغَ علينا النعم، ودَفَعَ عنّا النّقم، بَسَطَ رِزقَنا، وأَحْسَنَ مُعافاتَنا، وثَبَّتَ أَمْنَنا، فالعالمُ من حولنا في حُروبٍ طَاحنة، ونِيرانٍ مُحرقة، وتحت وطأة الصواريخ المدمّرة، ونحن في عُقْرِ دَارنا آمنون، ومن شَرِّ هذه الحروب سَالمون، فلله الحمدُ والشكر، وله الثناءُ الحَسَن.
والصلاةُ والسلامُ على نبينا محمد، الذي شَرَّفنا رَبُّنا برسالته، وأَنْعَم علينا باتباعه، فالعالمُ من حَولنا في بَراثِنِ الشركِ يَقْبعون، وفي حَمأةِ الوثنية والجهل تائهون، فصلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أَنوارِ الهُدى ومصابيحِ الدُّجَى، ومَنْ تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم اللّقاء.
أما بعد: فيا أيها المسلمون: ومما انْطَوت عنه هذه الغزوة، مَوقفُ البطولة والتضحية، والاعتزازُ بالدين لا بالأَرضِ ولا بالشِّعَارات البراقة، إنه اعتزاز بالدين والهُويةِ الإسلامية.
وذلك أنه لما مَضَى بِضعةُ أيام والمشركون يَقفون خَلْفَ الخندق مُتربصين محاصرين، لم يُعجبهم أنْ يَرجعوا بغير قتال، وهم إنما جاءوا لقتال المسلمين وحَربهم، فقام بعضُ فَوارسهم يَتحيّنون الفرصة ويجولون حول الخندق، لعلهم يجدون مَنفذاً، وبَيْنَما هم كذلك وَجَدوا مكاناً ضَيقاً، فاقْتَحَموا من خِلاله، وكان من بينهم عَمْروُ بنُ وُدٍّ، وكان من شُجعانِ قُريشٍ وفُرْسانهم الأَشداء الأقوياء، فَدَعا إلى المبارزة، وقال بأعلى صوته: مَن يُبارِزُني، وكان المؤمنون في مَوقفِ تَرقبٍ وحَذر، فالأمر خطير والخطب شديد، فقام إليه على بن أبي طالب رضي الله عنه وكان فَتىً صغيراً، فقال: أنا أُبَارِزُك، فَبَارَزَه عليٌّ، فَتَجَاولا وتَصاولا حتى ثَارَ الغبارُ، فقتله عليٌّ رضي الله عنه، وكَبَّر المؤمنون، وفَرِحوا بنصر الله، فأُصيبَ القوم بالذعر والخوف.
عباد الله: لقد كانت غزوةُ الأحزاب مَلْحمةً إيمانيةً، سَطَّرَت دُروساً في الثبات، والشجاعة رَغْم القلّةِ والضعف، دَروساً في التخطيط، والتوكل، حيث حُوصِرَ المسلمون من قِبَل عَشَرَةِ آلافِ مُقاتل، فَظَهَرت مَعادنُ الرجال وتَمَحَّصَت القلوب، وانتهت بفتح الله ونَصْره بالريح والرعب، لتتحول الأمة من الدفاع إلى الهجوم، ومن الانكماش إلى الانتشار، وتحول الخوف والقَلَق الذي عاناه المسلمون في بادئ الأمر إلى نصر وتمكين، وفرح وبشريات.
أيها المسلمون: ومن آثار المعركة أن النبي صلى الله عليه وسلم أَخَّرَ بعضَ الصلوات من غَيرِ اخْتيارٍ منه، بل من شِدةِ الحصار واشتداد المناوشات، فضاق صَدْرُ النبي من ذلك، وضاقت صدورُ الصحابة، حتى جاءَ عُمرُ رضي الله عنه بعد ما غَرَبت الشمسُ، وجَعَل يَسبُّ كُفارَ قُريش، وقال: يا رسولَ الله ما كِدْتُ أُصلي حتى كادَتِ الشمسُ أَنْ تَغْرب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (واللهِ مَا صَليتها)، ومن شِدة وَجْدِ النبي على تأخير الصلاة عن وقتها دعا عليهم فقال: (مَلأَ اللهُ بُيوتَهم وقُبورَهم نَاراً كَمَا شَغَلونا عن الصلاة) (البخاري ومسلم).
لقد حَزِنَ النبيُّ وصَحابتُه على فَواتِ وَقتِ الصلاةِ حُزْنَاً شَديداً، وتأَسَّفوا على ذلك أَسَىً بَالغاً، مع أنهم مَعذورون، يجاهدون أعداء الله، ويَدافعون عن أنفسهم وذراريهم، فكيف بمَن يُؤخر الصلاةَ عن وقتها مُتعمداً بلا عُذرٍ! وكيفَ بمَن يَتركها أو يَتَرك بعض الصلوات! وهو مع ذلك بَاردُ القَلبِ لا يَأْبَه ولا يَكْترث بما فعل!.
الصلاةُ هي الركيزةُ المهمةُ والسببُ المباشر في النصر والتمكين فهي رَكيزةٌ إيمانيةٌ وعَسكرية، وقد بَيَّنت هذه المعركةُ مَكانةَ الصلاةِ في نفوس الرسول وصحابته، وهكذا هي منزلةُ الصلاة في الإسلام، ولا حظّ في الإسلام لمن ترك الصلاة.
وهكذا ينبغي أنْ يكونَ للصلاة تعظيمٌ في نفوسنا، ومَكانةٌ في ضمن أَوْلويّ اتنا واهْتماماتنا، فالصلاةُ مِفتاحُ لأبواب الخير ومَجْلبةٌ للرزق وهي كذلك بَوابة النصر، ومَن ضَيَّع أمرَ اللهِ فلا يَلومنَّ إلا نفسه.
اللهم أعنا على ما ينفعنا، ووفقنا لما تحب من الصالحات الباقيات.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين واحم حَوزةَ الدين، واجْعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائرَ بلاد المسلمين.
المرفقات
1776375515_وهزم الأحزاب وحده (2).docx
1776375523_وهزم الأحزاب وحده (2).pdf