يا من أسرفت.. اغتنم عشراً أتت

ياسر عبدالله الحوري
1447/12/04 - 2026/05/21 00:13AM
           بسم الله الرحمن الرحيم
     يا من أسرفت.. اغتنم عشراً أتت
الخطبة الأولى:
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أنشأ وبرأ، وخلق الماء والثرى، وأبدع كل شيء وذرأ، لا يغيب عن بصره صغير النمل في الليل إذا سرى، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى، الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى.
خلق آدم فابتلاه ثم اجتباه فتاب عليه وهدى، وبعث نوحاً فصنع الفلك بأمره وجرى، وآتى موسى تسع آيات بينات فما تذكر فرعون وملؤه وما اهتدى، وأيد عيسى ببينات تبهر الورى، وأنزل الكتاب على محمد فيه البينات والهدى.
أحمده سبحانه على نعمه، ونعمه لا تزال تترى، وأصلي وأسلم على المبعوث في أم القرى، صلى الله وسلم عليه وعلى صاحبه أبي بكر في الغار بلا مراء، وعلى عمر الملهم برأيه فهو بنور الله يرى، وعلى عثمان زوج ابنتيه ما كان حديثاً يفترى، وعلى ابن عمه علي بحر العلوم وأسد الثرى، وعلى بقية آله وأصحابه الذين انتشر فضلهم في الورى، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، أجارني الله وإياكم من البدع والضلالات.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا ۚ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: 33].
أما بعد فيا أيها الأخ المسلم الحبيب، يا من أسرفت، اغتنم عشراً أتت، يا من أسرفت على نفسك بكثرة الذنوب والمعاصي، اغتنم عشراً أتت فلا تضيعها.
أجور عظيمة، خير أيام الدنيا.
ففي الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام» يعني أيام العشر.
قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال:
«ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء» رواه البخاري.
يعني المجاهد الذي ذهب إلى المعركة وقُتل وقدم نفسه وماله، فهذا أفضل، أما من رجع من الجهاد فالعمل الصالح في هذه الأيام أفضل من جهاده.
أبعد هذا نضيع أوقاتنا يا إخوة الإيمان؟!
وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد» رواه أحمد.
وأذكر لكم حديثاً عظيماً، بشرى من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لعل البعض لم يسمعه.
مر النبي صلى الله عليه وسلم على أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها فقالت: يا رسول الله، إني قد كبرت وضعفت، فمرني بعمل أعمله وأنا جالسة.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
«سبحي الله مئة تسبيحة تعدل لك مئة رقبة من ولد إسماعيل، واحمدي الله مئة تحميدة تعدل لك مئة فرس مسرجة ملجمة تحملين عليها في سبيل الله، وكبري الله مئة تكبيرة تعدل لك مئة بدنة، وهللي الله مئة تهليلة» قال الراوي: “أحسبه قال: تملأ ما بين السماء والأرض” رواه أحمد وحسنه الألباني.
الله أكبر!
مئة تسبيحة، ومئة تحميدة، ومئة تكبيرة، ومئة تهليلة.
وهذه الأربع هي أحب الكلام إلى الله.
ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم:
«أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» رواه مسلم.
وفي الحديث الصحيح:
«لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس» رواه مسلم.
ولما عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم قال له إبراهيم عليه السلام:
«يا محمد أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» رواه الترمذي وحسنه الألباني.
فلو استمر المسلم على هذا الذكر في هذه الأيام لنال الأجر العظيم، حتى ولو لم يستطع الصيام.
ومن أفضل الأعمال الصيام، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر، كما رواه أبو داود والنسائي.
وفي الحديث الصحيح:
«من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً» متفق عليه.
فلا تستهن بأي عمل.
ما استطعت أن تصوم؟ أكثر من ذكر الله، أكثر من التسبيح، أكثر من الاستغفار، أكثر من التحميد، أكثر من الدعاء.
الجأ إلى الله بصدق، ادع لأولادك، ادع للمسلمين.
الأمة تمر بنكبة، وهنيئاً لإخواننا هناك على أرض فلسطين وغيرها، الذين يواجهون العدو وهم في رباط في سبيل الله.
ندعو الله لإخواننا في كل مكان.
فهذه أيام مباركة، فرصة نلجأ فيها إلى الله بصدق، نعلن توبتنا، ونعلن فقرنا، ونعلن حاجتنا إلى الله عز وجل، فالله هو الغني ونحن الفقراء، والله هو القوي ونحن الضعفاء، ونحن المذنبون والمقصرون والمحتاجون إليه.
نعترف بتقصيرنا بين يديه سبحانه، ونسأله أن يكشف ما بنا وما بالأمة من غمة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، فيا فوز المستغفرين.
الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ربي لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد إخوة الإيمان:
إذا هبت رياحك فاغتنمها، فإن لكل خافقة سكوناً.
هبت رياح موسم العشر، فيها الأجور العظيمة، فاغتنموها في طاعة الله.
ولهذا يقول الإمام الحسن البصري رحمه الله: “ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: يا ابن آدم، أنا يوم جديد، وعلى عملك شهيد، فاغتنمني فإني لا أعود إلى يوم القيامة”.
فكان السلف الصالح يحاسبون أنفسهم كحساب الشريك لشريكه.
وهذا رجل حاسب نفسه في الدنيا قبل أن يحاسب يوم القيامة، فكان يخاطب نفسه قائلاً:
وا حسرتي وا شقوتي من يوم نشر كتابيه
وا طول حزني إن أكن أوتيته بشماليه
وا حر قلبي أن أكون مع القلوب القاسية
كلا ولا قدمت لي عملاً ليوم حسابيه
بل إنني بشقاوتي ومساوئي وعذابيه
بارزت بالزلات في أيام دهر خاوية
من ليس يخفى عنه من قبح المعاصي خافية
إنه حس مرهف، واعتراف بالذنوب والمعاصي.
فلنتق الله إخوة الإيمان، ولنقدم عملاً ينفعنا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
أسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقني وإياكم لما يحب ويرضى، وأن يجعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
اللهم أصلحنا وأصلح شباب المسلمين، وأصلح نساء المسلمين، وأصلح بنات المسلمين، وألبسهن ثوب العفة والحشمة والطهارة يا أكرم الأكرمين.
اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى يا رب العالمين.
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.
اللهم استرنا فوق الأرض، واسترنا تحت الأرض، واسترنا يوم العرض عليك.
اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم، ولا تعذبنا فأنت علينا قادر.
اللهم إن أجسامنا ضعيفة لا تقوى على نارك فارحمنا.
اللهم ارحمنا إذا يبس منا اللسان، وجمدت العينان، وارتخت اليدان.
اللهم ارحمنا إذا نفخ في الصور، وبعثر من في القبور، وإليك يا ربنا يومئذ النشور.
اللهم تقبل توبتنا، واغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وتول أمرنا، ويمن كتابنا، ويسر حسابنا، وبيض وجوهنا، وتوفنا وأنت راض عنا.
اللهم لا تخرج هذه الوجوه المتوضئة من هذا المسجد إلا بذنب مغفور، وسعي مشكور، وعمل مقبول، وتجارة رابحة لا تبور.
اللهم من كان من الحاضرين والسامعين والسامعات مهموماً ففرج همه، ومن كان مكروباً فاكشف كربته، ومن كان عليه دين فاقض دينه، ومن كان مريضاً أو عنده مريض فاشفه واشف مرضاه، ومن مات له قريب فارحم ميته رحمة الأبرار، وأسكنه جنات تجري من تحتها الأنهار.
اللهم اكشف الغمة عن هذه الأمة، اللهم اكشف ما بنا من سوء.
اللهم كن لإخواننا المستضعفين المرابطين على أرض فلسطين، وفرج عن إخواننا في كل مكان.
اللهم يا عزيز يا جبار يا قوي يا قهار، عليك بالمتآمرين على الإسلام والمسلمين بالليل والنهار.
اللهم لا تحقق لهم في بلاد المسلمين غاية، ولا ترفع لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم عبرة.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وأقم الصلاة.
نَفحُ الجُوري في خُطَبِ الحُوري
 
 
المرفقات

1779311584_يا من أسرفت.. اغتنم عشراً أتت.docx

1779311585_يا من أسرفت.. اغتنم عشراً أتت.pdf

المشاهدات 250 | التعليقات 0