يوم عرفة والنحر

هلال الهاجري
1447/12/04 - 2026/05/21 06:05AM

الحمدُ للهِ المَلكِ الحَقِّ المبينِ؛ ذِي القُوةِ المَتينِ، هَدى العبادَ صِراطَه المُستقيمَ، ودَلَّهم َعلى شَرعِهِ القَويمِ، وأَشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَه لا شَريكَ لَهُ؛ وَأشهدُ أنَّ مُحمداً عَبدُهُ ورَسولُه؛ صَلَّى اللهُ وَسلمَ وبَاركَ عَليهِ وعَلى آلِه وأَصحابِه وأَتباعِه إلى يَومِ الدِّينِ، أَما بعدُ:

فاتقوا اللهَ تَعالى وأَطيعوهُ، وعَظِّموهُ في أفضلِ أَيامِه؛ فإنَّ هَذهِ الأيامَ أَعظمُ أَيامِ الدُّنيا، تَزوَّدوا فِيها مِن البِّرِّ والتَّقوى، وجَانبوا الإثمَ والهَوى (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ).

جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ إِنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ آيَةً فِي كِتَابِكُمْ لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ؛ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، قَالَ: وَأَيُّ آيَةٍ؟، قَالَ: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، فَقَالَ عُمَرُ: وَاللهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، نَزَلَتْ عَلَى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، يَوْمِ جُمُعَةٍ.

فَيومُ عَرفةَ هو يومُ كَمالِ الإسلامِ والدِّينِ، ويومُ تَمامِ النِّعمةِ مِن ربِّ العَالمينَ، هو يومُ الفَضائلِ والمَكارمِ، هو يومُ المَحامدِ والمَغانِمِ، هو يومُ عِتقِ العِبادِ مِن النِّيرانِ، وهو يومُ مُباهاةِ العَزيزِ الرَّحمنِ.

هل دَرستُم في الحِسابِ والرِّياضياتِ، أنَّ الواحدَ يُساوي العَشَراتِ والمئاتِ؟، ولَكنْ في حِساباتِ ربِّ العِبادِ، تَختَلفُ القَوانينُ والأعدادُ، فصِيامُ يَومٍ واحدٍ، يُكَفِّرُ خَطايا أَكثرَ مِن سَبعمَائةٍ يومٍ، قال عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (صيامُ يومِ عَرَفَةَ أحتَسِبُ على اللهِ أن يُكَفِّرَ السَّنةَ التي قَبْلَهُ، والسَّنَةَ التي بَعْدَهُ)، وكَيفَ نَعجَبُ مِنَ كَرمِه، وَقَد قَالَ: (يا ابنَ آدمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنانَ السَّماءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي، غَفَرْتُ لكَ ولا أُبالِي).

يا رَبِّ إِن عَظُمَتْ ذُنوبي كَثرَةً *** فَلَقَد عَلِمتُ بِأَنَّ عَفوَكَ أَعظَمُ

إنَّهُ يومُ الابتِهالِ والسُّؤالِ والدُّعاءِ، يَومُ تُرفعُ فيهِ الأكُّفُ إلى السَّماءِ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسلَمَ: (أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ)، فَهَل لَكَ حَاجَاتٍ؟، هَل لَكَ أُمنياتٍ؟، هَل تُريدُ التَّوفيقَ والنَّجاحَ؟، هَل تُريدُ الثَّباتَ والفَلاحَ؟، فاجعلْ اليومَ بينَكَ وبينَ رَبِّكَ مُناجاةً ودُعاءً، وأَخرِجْ ما في قَلبِكَ مِن زَفَراتٍ وبُكاءٍ، فاليَومُ كَما أنَّهُ يومُ تَكفيرِ الخَطايا، فَهو كَذلِكَ يومُ تَوزيعِ العَطايا، قَالَ الصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقَرِيبٌ رَبُّنَا فَنُنَاجِيهِ، أَمْ بَعِيدٌ فَنُنَادِيهِ؟، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ).

إنَّهُ يومٌ يَدنو اللهُ تَعالى مِن أَهلِ عَرفاتٍ، ويُباهي بِهم ملائكةَ السَّماواتِ، فَيَقُولُ لَهُمْ: (انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي جَاءُونِي شُعْثًا غُبْرًا)، فَيُعتِقُ فيهِ مِن النَّارِ خَلقَاً عَظيماً، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمِ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟)، يَقولُ ابنُ رَجبٍ رَحِمهُ اللهُ: وَيومُ عَرفةَ هو يَومُ العِتقِ من النَّارِ، فَيَعتقُ اللهُ تَعالى من النَّارِ مَن وَقفَ بعَرفةَ ومَنْ لم يَقفْ بِها من أَهلِ الأمصارِ من المسلمينَ؛ فلذلكَ صَارَ اليومُ الذي يَليهِ عِيداً لجميعِ المسلمينَ في جَميعِ أَمصارِهم، من شَهِدَ الموسمَ مِنهُم ومن لم يَشهدْهُ، لاشتراكِهم في العِتقِ والمَغفرةِ يَومَ عَرفةَ. 

وبِهَذَا أَصبحَ يَومُ عَرفةَ، يَومَ غَيظٍ وَدَحرٍ للشَّيطانِ، لِما يَرى مِن المَغفرةِ والعِتقِ من النِّيرانِ، قَالَ عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا، هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ، وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ، إِلَّا مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ)، فاللهُ أكبرُ.

وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم ولجميعِ المسلمينَ من جميعِ الذنوبِ، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنَّ ربي لغفورٌ رَحيمٌ.

الخطبة الثانية:

الحمدُ للهِ على نعمائه، والشُّكرُ له على فضلِه وآلائه، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أن محمداً عبدُه ورسولُه، عَبدَ ربَّه في سَرائه وضرائه، صلى اللهُ وسلمَ وباركَ عليه وعلى آلِه وأصحابِه وأتباعِه، أما بعدُ:

أيُّها الأحبَّةُ .. يَأتِي بَعدَ يَومِ عَرَفَةَ أفضلُ الأيامِ وأعظَمُها عندَ اللهِ تعالى، كما قَالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ: (إنَّ أفضلَ الأيَّامِ عندَ اللَّهِ يومُ النَّحرِ)، هو يومُ الحجِّ الأكبَرِ، هو يومُ الذِّكرِ والشُّكرِ، فِيهِ تُراقُ دِماءُ الأضاحي والهَديِّ في الحَجِّ والبُلدانِ، ويَتذَكَّرُ النَّاسُ قِصَّةَ استسلامِ إبراهيمَ وإسماعيلَ للمَلكِ الدَّيَّانِ، فأحسِنوا اختيارَ الأضاحي خَاليةً مِن العُيوبِ التي نَهى عَنها عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَليستْ عَوراءَ ولا عَرجاءَ ولا مَريضةً ولا هَزيلةَ الجِسمِ والعِظامِ، وتأكَدوا من السِّنِّ المُجزيةِ في بَهيمةِ الأنعامِ، فسِتةُ أشهرٍ في الضَّأنِ وسِنةٌ في المَعزِ وسَنتانِ في البَقرِ وفي الإبلِ خَمسةُ أعوامِ، واذبحوها بسمِ اللهِ طَيبةً بِها نُفوسُكم، وكُلوا واهدوا وتصدقوا، ولا تَتَذمَّرْ للنَّاسِ من غَلاءِ الأضاحي، بل قُل في سبيلِ اللهِ يَرخصُ الغَالي، (لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ).

ولا تَنسوا وأَنتُم في غَمرةِ الذَّبحِ والدِّماءِ، أنَّكم في يومِ عِيدٍ وسَناءٍ، يُشرعُ فيهِ التَّجملُ ليومِ العيدِ، ولُبسُ الجَديدِ، والوَجهُ المُشرقُ السَّعيدُ، وشُهودُ صلاةِ العيدِ ودَعوةِ المُسلمينَ، وأدخِلوا على أهلِكم السَّعادةَ والحُبورَ، فأنتمُ في يومِ فَرحٍ وسُرورٍ، واذكروا اللهَ تَعالى وكُلوا واشربوا واشكروا، كَما قَالَ عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (يومُ عرفةَ ويومُ النَّحرِ وأيَّامُ التَّشريقِ عيدُنا أهلَ الإسلامِ، وهي أيَّامُ أكلٍ وشربٍ).

اللهمَّ يَسِّرْ لمنْ أرادَ الحجَّ والعُمرةَ، اللهم اجعل حجَهم مبرورًا، وسعيَهم مشكورًا، وذنبَهم مغفورًا، اللهم رُدَّهم إلى أهليهم سَالمينَ، وبلباسِ التَّقوى مُتجملينَ، ولكل خيرٍ وفضلٍ غَانمينَ، وبالمغفرةِ فائزينَ، ومن النَّارِ مَعتوقينَ، ولرضوانِكَ حَائزينَ، اللهمَّ واجعلنا معهم من المرحومينَ المقبولينَ الفائزينَ، اللهمَّ لا تحرمنا فضلَك وجودَكَ وعطاءَك وكرمَك بسوءِ ما عندنا، اللهم اغفر ذنوبَنا، واستر عيوبَنا، وارحم ضعفَنا، واسلل سخيمةَ صدورِنا، اللهمَّ وفقْ ولاةَ أمرِ المسلمينَ للحكمِ بكتابِك والعملِ بسنةِ نبيِّك، ووفقْ ولاةَ أمرِنا خاصةً للخيرِ، اللهم خذْ بأيديهم لما فيه خيرُ البلادِ والعبادِ، واجزهم خيرَ الجزاءِ لِما يُقدمونَه للحجاجِ والمعتمرينَ والزائرينَ، ولما يبذلونَه في خِدمةِ الحرمينِ الشَّريفينِ يا ربَّ العالمينَ، واذكروا اللهَ يذكركم، واشكروه على نعمِه يزدكم، ولذكرُ اللهِ أكبرُ، واللهُ يعلمُ ما تَصنعونَ.

المرفقات

1779332713_يوم عرفة والنحر.docx

1779332719_يوم عرفة والنحر.pdf

المشاهدات 1200 | التعليقات 1

جزاك الله خيرا