عناصر الخطبة
1/أعمال يوم الثاني عشر من ذي الحجة 2/جواز التعجل لمن شاء 3/تعظيم حُرمات الله 4/الحج رحلة مفصلية في الحياة 5/خصائص أيام التشريقاقتباس
عظِّموا حُرمات الله -جَلَّ وَعَلَا- باجتنابها، وعظِّموا أوامر الله وفرائضه بالمبادرة والمسابقة إليها.... إن الحج رحلةٌ مفصلية لا بُد أن يتغير فيها حالك ووضعك، فيكون حالك بعد الحج خيرًا من حالك قبله....
الخطبةُ الأولَى:
إنَّ الْحَمْدَ لِلهِ؛ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نبينا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن سلف من إخوانه من المرسلين، وسار على نهجهم، واقتفى أثرهم إلى يوم الدين وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد عباد الله: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله؛ فاتقوا الله حق التقوى، واستمسكوا من دينكم الإسلام بالعروة الوثقى، فإن أجسادنا على النار لا تقوى؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102].
أيها المؤمنون: هذا هو آخر أيام الحج للمتعجلين، فهذا يوم الثاني عشر أوسط أيام التشريق وهو يوم النفر الأول، في هذا اليوم من أحكامه يرمي الحجاج الجمرات الثلاث، فيرمون الجمرة الدنيا وهي الأولى مما يلي منى بسبع حصياتٍ يرفعون أيديهم يُكبِّرون مع كل حصاة، حتى إذا أتموا هذا الرمي تقدموا فأخذوا ذات اليمين، فاستقبلوا القبلة فرفعوا أيديهم يدعون الله ويتضرعون إليه تأسيًا بنبينا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
قال ابن مسعود -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْه-: وقف -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يدعو نحوًا من قراءة سورة البقرة من طول دعائه ووقوفه وقنوته وضراعته إلى ربه، ثم ذهب يرمي الجمرة الثانية وهي الوسطى، فرماها بسبع حصياتٍ يُكبِّر مع كل حصاة، ثم أخذ ذات الشمال أي لم يقف أمام طريق الناس يسدّ عليهم ممشاهم، وإنما أفسح لهم فأخذ ذات الشمال، فاستقبل القبلة رافعًا يديه يدعو نحوًا من قراءة سورة البقرة، ثم رمى جمرة العقبة بسبع حصيات، ولم يقف يدعو بعدها، ثم رجع -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلى منزله في منى؛ لأنه كان متأخرًا ولم يكن متعجلًا.
وإنما رفع الله الحرج على المتعجلين من الحجاج هذا اليوم أن يرموا ولا بُد أن يقع رميهم قبل غروب الشمس؛ كما قال -جَلَّ وَعَلَا-: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)[البقرة:203].
فمن أراد التعجل -يا عباد الله- فليقع رميُه قبل غروب شمس هذا اليوم، أما من غربت عليه الشمس ولم يرمِ؛ فلا يصح تعجُّله لأنه لم يتعجل في اليومين الذين حددهما الله -جَلَّ وَعَلَا-، واليومان هما يوم الحادي عشر يتلوه هذا اليوم يوم الثاني عشر.
نفعني الله وإياكم بالقرآن عظيم، وما فيه من الآيات والذِّكر الحكيم. أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه كان غفَّارًا.
الخطبة الثانية:
الحمد لله كما أمر، أحمده سبحانه وقد تأذَّن بالزيادة لمن شكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مُقِرًا بربوبيته، ومؤمنًا بعبوديته وألهيته، وأسمائه وصفاته، مراغمًا بذلك من عاند به أو جحد وكفر. وأُصلي وأسلِّم على سيد البشر الشافع المشفَّع في المحشر صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه السادة الغُرر خير آلٍ ومعشر ما طلع ليلٌ وأقبل عليه نهارٌ وأدبر.
أما بعد عباد الله: فعظِّموا حُرمات الله -جَلَّ وَعَلَا- باجتنابها، وعظِّموا أوامر الله وفرائضه بالمبادرة والمسابقة إليها.
أتم الحجاج حجَّهم، ولم يبقَ منه إلا هذا اليوم في بقيته للمتعجلين، ويوم غدٍ للمتأخرين وهو أفضل، وماذا بعد ذلك يا عباد الله؟ إن الحج رحلةٌ مفصلية لا بُد أن يتغير فيها حالك ووضعك، فيكون حالك بعد الحج خيرًا من حالك قبله.
واعلموا -عباد الله- أنكم في أيام التشريق؛ وهي ثلاثة أيام: يوم الحادي عشر ويُسمَّى بيوم القر، ويوم الثاني عشر ويُسمَّى بأوسط أيام التشريق وهو يوم الرؤوس، وهذا اليوم هو يوم النفر الأول، ويوم الثالث عشر.
ولم يرخِّص النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في أيام التشريق أن يُصَمْن إلا لمن لم يجد الهدي، فمن كان متمتعًا أو قارنًا من غير أهل مكة، ولم يجد الهدي، فإنه يصوم ثلاثة أيامٍ في الحج، وسبعةٍ إذا رجع إلى أهله، ويجوز أن تكون الأيام الثلاثة هي أيام التشريق، كما قال -جَلَّ وَعَلَا-: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)[البقرة:196] إلى قوله: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)[البقرة:196].
واعلموا -أيها المستوطنون المقيمون- ممن لم تحجُّوا أنه لا يجوز صيام يوم الثالث عشر من ذي الحجة لمن اعتاد أن يصوم الأيام البيض؛ لأنها من أيام التشريق، وفي حديثه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: «يوم النحر وأيَّامُ التَّشريقِ أيَّامُ أَكْلٍ وشُربٍ وذِكْرٍ للَّهِ -عزَّ وجلَّ-»؛ فيحرُم صوم يوم الثالث عشر، ومن اعتاد صيام الأيام البيض فليصم الرابع عشر، والخامس عشر، ويُلحِق معه السادس عشر؛ لأن فيه معنى البياض.
ثُمَّ اعلموا -رحمني الله وَإِيَّاكُمْ- أنَّ الله أمرنا بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنَّى بملائكته المسبحة بقدسه، وأَيَّهَ بكم أَيُّهَا المؤمنون من جنِّه وإنسه، فَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56]، وَقَالَ نَبِيُّنا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «مَن صلى عليَّ مرةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بها عشرًا».
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَسَلَّمَ اللهمَّ تَسْلِيْمًا، اللهم وارض عن الصَّحَابَة والقرابة وَالتَّابِعِينَ لهم بإحسانٍ إِلَى يَومِ الدِّيْنِ، وعنا معهم بمرضاتك وعفوك ورحماتك يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم عِزًّا تعزّ به أولياءك، وذِلًّا تذل به أعداءك، اللهم أبرم لهذِه الأُمَّة أمر رشدًا يُعَز فيه أهل طاعتك، ويُهدى فيها أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، ويُنهَى فيه عن المنكر يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم آمنا والمسلمين في أوطاننا، وفي ديننا وأعراضنا وأموالنا، اللهم أصلح ولاة أمورنا، واجعل ولاياتنا والمسلمين فيمن خافك واتقاك يا رب العالمين، اللهم هيئ بهم بطانة صالحة تُعينهم عَلَى الخير وتدلهم عليه، وتحذرهم من الشر وتحجزهم عنه، يا ذا الجلال والإكرام.
اللَّهُمَّ اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، اللهم وارض عنا رضاءً لا تسخط علينا معه أبدًا، لنا ولكم ولوالدينا ووالدينا ومشايخنا وولاتنا وذرارينا وجميع المسلمين.
سُبْحَانَ رَبِّنَا رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، والْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
التعليقات