اقتباس
فمن آيات الأرض أنها ذرة ضئيلة سابحة في الفضاء فلا هي معلقة فيه بحبال ولا هي مثبتة إلى شيء تحتها برباط، ومع هذا فهي لا تترجرج ولا تهتز بل هي ثابتة مستقرة راسخة... وهي كذلك تدور حول نفسها وحول الشمس في سرعة مهولة، ومع هذا فلا يحس من عليها من الكائنات بدورانها، بل يحيون فوقها آمنين آكلين وشاربين ونائمين ومستجمين، فأي شيء يمسكها ويصونها...
(وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ)[الذاريات: 20]، هكذا قالها الخالق العظيم -عز وجل-؛ في الأرض دلائل وعجائب وإعجازات... لكن ما هي تلك العجائب التي يحويها خلق الكرة الأرضية؟
يجيب ابن كثير -رحمه الله- قائلًا: "فيها من الآيات الدالة على عظمة خالقها وقدرته الباهرة، مما قد ذرأ فيها من صنوف النبات والحيوانات، والمهاد والجبال، والقفار والأنهار والبحار، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم، وما جبلوا عليه من الإرادات والقوى، وما بينهم من التفاوت في العقول والفهوم والحركات، والسعادة والشقاوة، وما في تركيبهم من الحِكم".
ويضيف البيضاوي فيقول: "أي فيها دلائل من أنواع المعادن والحيوانات، أو وجوه دلالات من الدحو والسكون، وارتفاع بعضها عن الماء، واختلاف أجزائها في الكيفيات والخواص والمنافع".
ويزيد القرطبي عددًا آخر من آيات الأرض فيقول: "فمنها عود النبات بعد أن صار هشيمًا، ومنها أنه قدر الأقوات فيها قوامًا للحيوانات، ومنها سيرهم في البلدان التي يشاهدون فيها آثار الهلاك النازل بالأمم المكذبة"...
***
ولعل الأمر ليس في حاجة إلى الرجوع إلى كتب التفسير؛ فإن عيناك تخبراك بآياتها، وإتقانها وروعتها، ثم فكرك يدلك على أكثر وأعظم وأروع من ذلك...
فمن آيات الأرض أنها ذرة ضئيلة سابحة في الفضاء فلا هي معلقة فيه بحبال ولا هي مثبتة إلى شيء تحتها برباط، ومع هذا فهي لا تترجرج ولا تهتز بل هي ثابتة مستقرة راسخة... وهي كذلك تدور حول نفسها بسرعة عظيمة، وتدور حول الشمس في سرعة مهولة، ومع هذا فلا يحس من عليها من الكائنات بدورانها، بل يحيون فوقها آمنين آكلين وشاربين ونائمين ومستجمين، فأي شيء يمسكها ويصونها ويحفظها من أن تنحرف عن مسارها أو ترتطم بغيرها أو تترجرج وتقذف من على ظهرها؟! والإجابة: إنه الله، ولا شيء إلا الله -سبحانه وتعالى-: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا)[فاطر: 41].
وقد جعل الله -عز وجل- لثبات الأرض أسبابًا أعظمها الجبال: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا)[النبأ: 6-7]، (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ)[النحل: 15]، ثم الجاذبية بعد ذلك تفعل -بحول الله- فعلها.
***
ومن آيات الأرض أن منها مبدؤنا وإليها منتهانا: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى)[طه: 55]، فالأرض وعاء وحضنًا دافئًا للأحياء وللأموات: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا)[المرسلات: 25]، "يعني وعاء، وأصله: الضم والجمع، (أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا)[المرسلات: 26]، يعني: تكفتهم أحياء على ظهرها؛ بمعنى تضمهم في دورهم ومنازلهم، وتكفتهم أمواتًا في بطنها في قبورهم، ولذلك تسمى الأرض أمًا لأنها تضم الناس كالأم تضم ولدها"(تفسير الخازن)، وقال الشعبي: "بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم"(تفسير ابن كثير).
***
ومن آيات الأرض: أنها نفسها تموت ثم تحيا ثم تموت ثم تحيا... (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ)[الحج: 5]، وتلك آية من آيات الأرض: (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ)[يس: 33].
ومثلها في ذلك كمثل الإنسان يموت ثم يبعثه الله من بطن الأرض يوم القيامة: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى)[فصلت: 39]، وقال -تعالى-: (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى)[الروم: 50].
***
وإنه لا يعلم كيف خُلقت الأرض إلا الله -سبحانه وتعالى-، لكن أصح اجتهاد في ذلك هو ما يُعرف بنظرية الانفجار العظيم، وفيه أنه حدث انفجار عظيم في الشمس تناثر على إثره قطع منها، فكانت تلك القطع المتناثرة هي الكواكب التي تدور حول الشمس ومنها كوكب الأرض، وقد أيد علماء المسلمون تلك النظرية بقول الله -تعالى-: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا)[الأنبياء: 30].
وقد اختلفوا؛ أيهما خلق أولًا: الأرض أم السماء؟ والتحقيق هو أن الله -عز وجل- خلق الأرض أولًا قبل خلق السماء، ثم بعدما خلق السماء دحى الأرض، وهو ما نقله الطاهر ابن عاشور قائلًا: "الأرض خلقت أولًا ثم خلقت السماء ثم دحيت الأرض فالمتأخر عن خلق السماء هو دحو الأرض"(التحرير والتنوير)،
وفي ضوء هذا نفهم آيات النازعات وآيات سورة فصلت، فأما الأولى فتقول: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا)[النازعات: 27-32]، وهاهنا أكد ابن كثير فقال: "ففي هذه الآية أن دحى الأرض كان بعد خلق السماء... فأما خلق الأرض فقبل خلق السماء بالنص، وبهذا أجاب ابن عباس فيما ذكره البخاري"(تفسير ابن كثير).
وأما آيات "فصلت" فقد زادتنا المدة التي خلق الله -عز وجل- فيها الأرض والسماء: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)[فصلت: 9-12].
وكما أن للأرض بداية، فإن لها كذلك نهاية: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا)[الزلزلة: 1-5]، وذلك يوم القيامة؛ (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ)[إبراهيم: 48].
وإن لم نكن موقنين كيف خُلقت الأرض، فإننا على تمام اليقين بكيفية خلق آدم -عليه السلام-؛ لقد خُلق من تربة هذه الأرض: (كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ)[آل عمران: 59]، وعن تفاصيل ذلك يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله -تعالى- خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، فجاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن والخبيث والطيب"(روه الترمذي، وصححه الألباني).
ومنذ هبوط آدم -عليه السلام- إلى الأرض جعلنا الله -عز وجل- خلائف فيها ليختبرنا ويبتلينا: (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)[يونس: 14]، ثم لنعمر الأرض: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)[هود: 61].
وربما كان أعظم ما في هذه الأرض وأهم ما فيها: هو أنها مزرعة للآخرة؛ فما تزرعه فيها من خير تجنيه يوم القيامة خيرًا: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)[الزمر: 74]، فالأرض هي الفسحة والمجال للأعمال الصالحات التي هي مهر الجنان... فخذ من هذه الأرض -أيها المسلم- ما يبلغك جنة ربك ورضاه.
***
وصورة نبات الأرض وهو ينمو ويترعرع فيصير أخضر ناضرًا يثير البهجة في النفس، ثم لا يلبث أن يشيخ ويصفر وييبس فتأتي الرياح فتكسِّره وتذروه وتبعثره كأن لم يكن شيئًا... مثل ذلك كمثل الحياة الدنيا تعجبك زينتها وزخرفها وتأسرك فتنتها ولذاتها ويلهيك رونقها وجمالها، لكن يأتي عليها يوم فتتزلزل وتنهار حتى تصير حطامًا بعد أن كانت كمالًا، تمامًا مثلما يحدث لنبات الأرض: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ)[يونس: 24]، وهو مثال متكرر في القرآن: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ)[الكهف: 45].
***
لكن ماذا نريد أن نقول في كل ما مَرَّ؟! والجواب: نريد أن نقول: هل هذه الأرض بجميع ما فيها من آيات وإعجازات ونعم وخيرات وثروات وإبداع وإتقان وإحسان... هل يحل لنا مع كل ما تحمله الأرض من آيات مبهرات متقنات شاهدات أن نهملها ونلوثها وندمِّر ما فيها من جمال ونشوِّه ما فيها من دقة وروعة!...
إننا نقولها في تمام ثقة: إن تلويث البيئة من حولنا حرام.. إن الإفساد في الأرض حرام.. إن تشويه صنعة الخلاق العليم -سبحانه وتعالى- حرام.. إن تلويث المياه حرام.. وإن تقطيع الأشجار بلا منفعة حرام.. وإن الصيد الجائر للطيور والحيوانات حرام.. وإن إهدار موارد الأرض ومقدراتها مما حوت في جوفها أو فوق سطحها حرام.. وإن الإسراف في نعمها من طعام وشراب ولباس وغيرها حرام..
وعلى كل واحدة من هذه المحرمات دليل بل أدلة، يجمعها قول الله -تعالى-: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا)[الأعراف: 56]، ولقد نعى القرآن على من هذا حاله: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ)[البقرة: 205].
بل لا يقول بحل الإفساد في أرض الله -تعالى- "إنسان"، بل لقد تنادى عقلاء الأرض أجمعون بضرورة صيانة هذه الأرض التي نحيا عليها من جميع ما يفسدها أو يضر بمناخها ونباتها وهوائها أو استقرار حرارتها... وسموه بـ"يوم الأرض"، والذي هو منسجم تمامًا مع ما نادى به دين الإسلام.
وهاك بعض خطب لخطباء المسلمين تؤصل ثم تفصل، وتوضح وتبين:
التعليقات