عناصر الخطبة
1/أمران مهمان يشغلان بال جميع الناس 2/قضية الرزق وقضية الأجل 3/الإفراط في الخوف على الرزق والأجل 4/عواقب الخوف على الرزق والأجل.اقتباس
والمؤمن الحق الذي يفهم قضية الرزق فهمًا صحيحًا، لن تستشرف نفسه ما في أيدي الناس، ولن تتطلع ما في خزائنهم، ولن تمتد يده إلى حرام. مهما كلفه الأمر، لعلمه أن الذي خلقه سيرزقه، ولن يبثّ شكواه للناس؛ لعلمه أنهم لا يرزقون أنفسهم فضلاً عن أن يرزقوا غيرهم...
الخطبةُ الأولَى:
الحمد لله الكريم الحليم، الحمد لله الغفور الرحيم، سبحانه لا نُحصي ثناءً عليه، وله الحمد حتى يرضى، وله الحمد إذا رضي. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، رب الأرض والسماء، مالك الملك والملكوت، ذي العزة والجبروت.
وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمدًا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ما من خيرٍ إلا ودلنا عليه، ومن شرٍ إلا وحذرنا منه.
إن البرية يوم مبعث أحمد *** كرَّم الإنسان حين اختارا
لبس المرقّع وهو قائد أُمّة *** لما رآها الله تمشي نحوه
نظر الإله لها فبدَّل حالها *** من خير البرية نجمها وهلالها
جبت الكنوز فكسرت أغلالها *** تبتغي إلا رضاه سعى لها
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1].
أما بعد: أيها الناس: قضيتان خطيرتان وأمران مهمان يشغلان بال جميع الناس ليل نهار؛ ألا وهما قضية الرزق، وقضية الأجل.
همّ الناس في كل عصر، وأكثر ما يشغلهم الرزق والمال وتحصيل المعيشة، فطرة الله التي فطر عليها الناس! وقد قال -سبحانه- في محكم التنزيل عن الإنسان: (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ)[العاديات: 8]، وجمهور المفسرين على أن الخير في الآية هو المال! على أن جَمْع المال ليس عيبًا، والغنى غنى النفس، ونعم المال الحلال في يد العبد الصالح، المهم أن تملك أنت المال لا أن يملكك! وأن يكون لك خادمًا لا سيدًا، وأن تضعه تحت قدميك ليرفعك لا فوق رأسك ليخفضك!
العمل سبب للرزق، ولكن الرازق هو الله، وما أدراك أن الله قد فتح لك باب الرزق في عملك لا بسبب جدك واجتهادك، وإنما بسبب أبوين تنفق عليهما، وابن ذي عاهة لا تتأفف منه، وفقير خصصت له مبلغًا شهريًّا، ومريض تكفّلت بدوائه الدائم! ما أدراك أن الله قد جعلك بابًا وسببًا يرزق به عبدًا من عباده، وأنت تُرزق لتعطي، يريد الله ألا يقطع عنك الخير لتجود به، وتمرره لغيرك!
عباد الله: إن همّ الرزق قد أكل قلوب الخلق، وسيطر على عقولهم، وعطلوا من أجله ما كُلفوا به، والله قد كفاهم. قال -تعالى-: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)[الذاريات: 56]؛ وانشغال الإنسان أو نسيانه لقضية الأجل يجعله في همّ ونكد وضيق.
عن ثوبان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ، كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا». فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ». فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الْوَهَنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ»(أخرجه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني في الصحيحة).
وحب الدنيا يعود إلى قضية الرزق، وكراهية الموت متعلق بقضية الأجل.
عباد الله: إن الأمة اليوم أُصيبت بداء اسمه الإفراط في الخوف على الرزق والأجل، وفرطوا في كثير من أمور دينهم حفاظًا على الرزق والأجل، وعطلوا كثيرًا من الأشياء خوفًا على الرزق والعمر. فيا سبحان الله! أنسي هؤلاء أن الرزق بيد الله؟ أنسى هؤلاء أن الأمر بيد الله؟ وليس بيد مخلوق يخشون ظلمه وسطوته؟ فالرزق والأجل ليست بيد رئيس ولا وزير ولا مدير، ولا يستطيع أحد منهم أن يأخذ ما كتب الله من الرزق، ولا أن ينقص من عمرك ولو لحظة واحدة.
استُشهد رجل في إحدى المعارك؛ فجاءت نساء الحي إلى زوجته يواسينها باستشهاد زوجها في المعركة، فقالت لها جارتها: «الآن مَن الذي يصرف عليك وعلى أولادك؟ ومن يأتيكم بالطعام والشراب؟»، فأجابت زوجة الشهيد المؤمنة: «إن زوجي كان أكَّالاً يحضر لنا الأكل، فذهب الأكّال وبقي الرزاق».
بسبب الخوف على الرزق والأجل، خرست الألسن عن قول الحق، وأحجمت النفوس عن ميادين الكفاح ونصرة الحق؛ حفاظًا على النفس من العطب وخشية على الأولاد من اليتم والعالة.
بسبب الخوف على الرزق والأجل، أحجم الكثير عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يرون الدماء تُراق، والأنفس تُزهق في غزة وغيرها، وهم صامتون جامدون. يرون ويسمعون أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُسبّون، ونساء رسول الله تُهان، وسنة رسول الله تبعد وتزال، وهم صامتون جامدون. وعندما صمت أصحاب الحق وأهله عن حقهم، انتفش أهل الباطل مع باطلهم.
بسبب الخوف على الرزق، ارتشى من ارتشى، وغش من غش، وظلم من ظلم، واحتال من احتال. والله لن يأخذ الإنسان إلا ما كُتب له، ولو هرب الإنسان من رزقه كما يهرب من الموت، لتبعه الرزق كما يلحقه الموت.
عباد الله: علينا أن نعلم علم يقين أن الآجال والأرزاق بيد الله -تعالى- وحده؛ فقضية الرزق هي جزء مهم من الاعتقاد في الله -تعالى-، فالله -سبحانه- تكفل للخلق بالرزق مهما كانوا وأينما كانوا، مسلمين أو كافرين، كبارًا أو صغارًا، رجالاً أو نساءً، إنسًا وجنًّا، طيرًا وحيوانًا، قويًّا وضعيفًا، عظيمًا وحقيرًا؛ قال -تعالى-: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)[هود: 6].
عليك بتقوى الله إن كنت غافلاً *** يأتيك بالأرزاق من حيث لا تدري
فكيف تخاف الفقر والله رازق *** فقد رزق الطير والحوت في البحر
ومن ظن أن الرزق يأتي بقوة *** ما أكل العصفور شيئًا مع النسر
والمؤمن الحق الذي يفهم قضية الرزق فهمًا صحيحًا، لن تستشرف نفسه ما في أيدي الناس، ولن تتطلع ما في خزائنهم، ولن تمتد يده إلى حرام. مهما كلفه الأمر، لعلمه أن الذي خلقه سيرزقه، ولن يبثّ شكواه للناس؛ لعلمه أنهم لا يرزقون أنفسهم فضلاً عن أن يرزقوا غيرهم. ومن أخلّ بذلك فهو ضعيف الإيمان، ولا سيما إذا كان يقرأ ويفهم قول الله -سبحانه وتعالى-: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ)[الذاريات: 22-23].
لا تخضعن لمخلوق على طمع *** فإن ذلك وهن منك في الدين
واسترزق الله مما في خزائنه *** فإنما الأمر بين الكاف والنون
إن الذي أنت ترجوه وتأمله *** من البرية مسكين ابن مسكين
قيل للحسن البصري: ما سر زهدك في الدنيا؟ فقال: علمت بأن رزقي لن يأخذه غيري فاطمأن قلبي له. وعلمت بأن عملي لا يقوم به غيري فاشتغلت به. وعلمت أن الله مطلع علي فاستحييت أن أقابله على معصية. وعلمت أن الموت ينتظرني فأعددت الزاد للقاء الله.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، وعلى آله وأصحابه وجميع إخوانه.
أما بعد عباد الله: لقد حذرنا النبي -صلى الله عليه وسلم- من أن تتعلق قلوبنا بتحصيل أرزاقنا فننسى الله -تعالى- والدار الآخرة. فعن ابن مسعود -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لَا يَسْتَبْطِئَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ رِزْقَهُ، إنَّ جِبْرِيلَ -صلى الله عليه وسلم- أَلْقَى فِي رُوعِي أَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَكْمِلَ رِزْقَهُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ أَيُّهَا النَّاسُ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّ اسْتَبْطَأَ أَحَدٌ مِنْكُمْ رِزْقَهُ فَلَا يَطْلُبْهُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُنَالُ فَضْلُهُ بِمَعْصِيَةٍ»(الحاكم في مستدركه، وهو صحيح).
سقط رجل في بئر وبدأ يصرخ مستغيثًا، فسمع الناس صراخه فقدموا لإنقاذه ورفعوه من البئر.. فجاء رجل وأعطاه مذقة لبن ليشربها ويرتاح، ثم سألوه: كيف سقطت في البئر؟ فبدأ هذا الرجل يصف لهم بالتفصيل كيف سقط، ووقف على حافة البئر ليصف لهم، ولكن في هذه المرة سقط ومات.
يقول أحد العلماء معلقًا على هذه القصة: إن هذا الرجل بقي من رزقه شربة لبن، فلما شربها وانتهى رزقه الذي كُتب له، سقط في نفس المكان ومات.
عباد الله: لا تخشوا على أرزاقكم، فقط اعملوا بالأسباب، والرازق هو الله، ولن تموت نفس قبل أن تستكمل رزقها، وموافاة أجلها.
أخي الحبيب: عندما يسألك أحد عن حالك! وترد "الحمد لله"، لا ترد بانكسار، لا تجعل الحمد لله دليل ألم. افهم الحمد، واعرف من هو الله. قل: "الحمد لله" وأنت مبتسم.
الحمدُ للّه حمداً تستطبّ به جِراحُنا وبها يغدو الفؤاد غنياً
توكلت في رزقي على الله خالقي *** وأيقنت أن الله لا شك رازقي
وما كان من رزقي فليس يفوتني *** ولو كان في قاع البحار العوامق
سيأتي به الله العظيم بفضله *** ولو لم يكن من اللسان بناطق
ففي أي شيء تذهب النفس حسرة *** وقد قسم الرحمن رزق الخلائق
أيها الأحباب:
والله لو قنعت نفس بما رزقت *** من المعيشة إلا كان يكفيها
والله والله إيمانًا مكررة *** ثلاثة من يمين بعد ثانيها
لو أن في صخرة صم ململة *** في البحر راسية ملس نواحيها
رزقًا لعبد يراه الله لانفلقت *** حتى تؤدي إليه كل ما فيها
أو كان تحت طباق السبع مسلكها *** لسهل الله في المرقى مراقيها
حتى ينال الذي في اللوح خط *** له فإن أتته وإلا سوف يأتيها
فلْنُعلِّق آمالنا بالخالق لا بالمخلوقين.
يحكي أن في يوم من الأيام كان هناك رجلان قد ذهب بصرهما، وذات يوم جلسا على طريق أم جعفر زبيدة العباسية زوجة الخليفة، لأنهما يعلمان بكرمها وحرصها على مساعدة الفقراء والمحتاجين. فكان أحد الرجلين يدعو الله -عز وجل- قائلاً: اللهم ارزقني من فضلك، بينما كان الآخر يدعو قائلاً: اللهم ارزقني من فضل أم جعفر.
وقد كانت أم جعفر تعلم بدعاء الرجلين وتسمعهما، فكانت ترسل لمن يطلب الفضل والنعمة من الله -عز وجل- درهمين، بينما ترسل لمن يطلب الفضل منها دجاجة مشوية في جوفها عشرة دنانير. وكان في كل يوم يبيع صاحب الدجاجة دجاجته لصاحب الدرهمين مقابل درهمين فقط، دون أن يدري أن في جوفها عشرة دنانير.
واستمر الرجلان على هذا الحال لعدة عشرة أيام متتالية، ثم أقبلت أم جعفر عليهما ذات يوم وقالت للرجل الذي يطلب الفضل منها: أما أغناك فضلنا؟ فقال الرجل: وما هو؟ فقالت: مائة دينار في عشرة أيام. فأجابها الرجل متعجبًا: لا، بل دجاجة كنت أبيعها لصاحبي بدرهمين. فقالت أم جعفر: هذا طلب من فضلنا فحرمه الله، وذاك طلب من فضل الله فأعطاه الله وأغناه.
اللهم إنا نسألك من فضلك.
هذا وصلوا -رحمكم الله- على خير البرية، وأزكى البشرية محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بذلك فقال في كتابه الكريم: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56]؛ اللهم صل وسلم على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
اللهم ارزقنا اليقين في رزقك، والتوكل عليك، والقناعة بما قسمت لنا. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا. اللهم ارزقنا حسن الخاتمة، وثبت أقدامنا عند لقائك، واجعل آخر كلامنا من الدنيا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
التعليقات