سر السعادة الحقيقية

حسين بن عبدالعزيز آل الشيخ

2026-04-18 - 1447/11/01
التصنيفات: أحوال القلوب
عناصر الخطبة
1/سعي الناس لراحة البال وطمأنينة القلب 2/مقومات الحياة السعيدة الهنيئة 3/بعض أسباب تحصيل الحياة الهنيئة

اقتباس

مَنْ أعرَضَ عن شرعِ اللهِ فهو في غَمٍّ دائمٍ، وَهَمٍّ مُدْلَهِمٍّ؛ لأنَّه يعيشُ لهذه الحياةِ الدنيا المليئةِ بالمنغِّصاتِ، والمحفوفةِ بالمكارِهِ، ولو مَلَكَ صاحبُها المالَ الوفيرَ والحُطامَ الكثيرَ؛ فإنَّه على هذه الحالِ؛ لأنَّ نعيمَ الدنيا وعزَّها لا يدومُ، وأمنَها لا يستقِرُّ...

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ للهِ الذي وَفَّقَ الصالحينَ للصراطِ المُستقيمِ. وأشهدُ أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ لهُ المتفضِّلُ الكريمُ. وأشهدُ أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه؛ مَنِ اتَّصَفَ بالخُلُقِ العظيمِ. اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ عليه وعلى آلِه وأصحابِه؛ مَنِ اتَّصَفوا بالصراطِ المُستقيمِ.

 

أما بعدُ، فيا أيُّها المسلمون: أوصيكم ونفسي بتقوى اللهِ -جل وعلا- وبطاعتِه سِرًّا وجهرًا؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 70-71].

 

معاشرَ المسلمينَ: يسعَى الناسُ بكلِّ سببٍ إلى المطالِبِ العَالِيَةِ؛ من راحةِ البالِ، وطُمأنينةِ القلبِ، وانشراحِ الصدرِ. ألَا وإنَّ اللهَ -جلَّ وعلَا- قد أخبرَنا بما يتحقَّقُ به ذلك كلُّه؛ إذ يقولُ -جلَّ وعزَّ-: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ)[الِانْفِطَارِ: 13-14].

 

فأَمَرُّ العيشِ عيشُ العَاصِينَ، وأطيبُه عيشُ الطائعينَ المُستأنسينَ بالقربِ من أرحمِ الراحمينَ. قال المُحقِّقون في تفسيرِ هذه الآيةِ: "لا تَحْسَبْ أَنَّ ذَلِكَ مَقْصُورٌ عَلَى نَعِيمِ الْآخِرَةِ وَجَحِيمِهَا فَقَطْ، بَلْ في دُورِهِمُ الثَّلَاثَةِ هُمْ كَذَلِكَ؛ دَارِ الدُّنْيَا، وَدَارِ الْبَرْزَخِ، وَدَارِ الْقَرَارِ. وَمَا النَّعِيمُ إِلَّا نَعِيمُ الْقَلْبِ، وَمَا الْعَذَابُ إِلَّا عَذَابُ الْقَلْبِ".

 

إن لذَّةَ القربِ من اللهِ -سبحانه- لا تعادلُها لذَّةٌ. وإن أُنْسَ العبدِ بربِّه وطاعتِه وذكرِه والتعلُّقِ بكتابِه؛ كلُّ ذلك نعيمٌ لا تُقَارِبُهُ لَذَّاتُ الدنيا وشهواتُها بشتَّى أشكالِها ومُختلفِ صُوَرِهَا. قال أحدُ الصالحين: "إِنْ كَانَ أَهْلُ الْجَنَّةِ في مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ؛ إِنَّهُمْ لَفِي عَيْشٍ طَيِّبٍ!".

 

نعم يا عبادَ اللهِ؛ لا طُمأنينةَ لنفسٍ ولا انشراحَ لصدرٍ، إلَّا حينما تَتَّصِلُ القلوبُ بربِّها، وتُخْلِصُ التوحيدَ بالعبوديَّةِ لخالقِها، وتنقادُ لطاعتِه ظاهرًا وباطنًا، سِرًّا وجهرًا، قولًا وفعلًا. قال -جل وعلا-: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[النَّحْلِ: 97].

 

أخي المسلمَ: العينُ لا تَقَرُّ، والقلبُ لا يَهْدَأُ، والنفسُ لا تطمئنُّ، إلَّا بكمالِ الذُّلِّ والخضوعِ وغايةِ الحُبِّ له -سبحانه- مع استسلامٍ تامٍّ لشرعِه، قال -جلَّ وعلا-: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)[الرَّعْدِ: 28]. وقال -سبحانه-: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ)[هُودٍ: 3].

 

فيا عبادَ اللهِ: إنَّ طِيبَ النفسِ وسُرورَ القلبِ وفرحَه ولذَّتَه وابتهاجَه وانشراحَه ونورَه وسَعَتَهُ؛ كلُّها لا تحصُلُ إلَّا بالمنهجِ الإلهيِّ الذي أرشدَ إليه -سبحانه- في كتابِه، وفصَّلَهُ رسولُه -صلى الله عليه وسلم- في سُنَّتِه.

 

فبما أن الأمرَ كذلك؛ فإن الإعراضَ عن ذلك هو مَكْمَنُ الْأَكْدَارِ والأضرارِ، ومَجْمَعُ الآلامِ والغمومِ والهمومِ، وسببُ الشقاءِ والذلِّ والهوانِ، قال -سبحانه-: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)[طه: 124].

 

فَمَنْ أعرَضَ عن شرعِ اللهِ فهو في غَمٍّ دائمٍ، وَهَمٍّ مُدْلَهِمٍّ؛ لأنَّه يعيشُ لهذه الحياةِ الدنيا المليئةِ بالمنغِّصاتِ، والمحفوفةِ بالمكارِهِ، ولو مَلَكَ صاحبُها المالَ الوفيرَ والحُطامَ الكثيرَ؛ فإنَّه على هذه الحالِ؛ لأنَّ نعيمَ الدنيا وعزَّها لا يدومُ، وأمنَها لا يستقِرُّ. فكيف بما يحصلُ من الضَّنْكِ في دارِ البرزخِ ثم الدارِ الآخرةِ؟! نعوذُ باللهِ من الخِذْلَانِ.

 

إخوةَ الإسلامِ: يُوجِزُ لنا رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- هذه المعانيَ الساميةَ بقولِه -صلى الله عليه وسلم-: "يَا بِلَالُ أَقِمِ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بها"(حديثٌ حسَّنَه جمعٌ من أهلِ العلمِ).

 

العبادةُ -ومنها الصلاةُ- فيها مِنَ الصِّلَةِ باللهِ ومعرفتِه ومحبَّتِه ما يجعلُ القلبَ يرتاحُ من متاعِبِ الدنيا ومشاغِلِها؛ فيتَّصِلُ قلبُ العبدِ باللهِ -سبحانه-، ويأنسُ بربِّه -عزَّ شأنُه-. فتحصُلُ للعبدِ تلك اللذَّةُ التي هي أعظمُ اللذَّاتِ والمسرَّاتِ، والتي لا يُوازِيها ولا يُقارِنُها لذَّةٌ في هذه الحياةِ.

 

إنه منهجُ التقرُّبِ والتعبُّدِ للهِ؛ ذلكم التعبُّدُ الذي هو جنةُ الدنيا ونعيمُها العالِي، وقُرَّةُ العيونِ، ولذَّةُ الأرواحِ، وبهجةُ القلوبِ وسرورُها؛ لذا قال -صلى الله عليه وسلم-: "وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلَاةِ"(رواهُ أحمدُ والنَّسائيُّ والبيهقيُّ، وصحَّحَهُ جمعٌ من المُحدِّثين).

 

فيا عبادَ اللهِ: أَوْثِقُوا الصِّلَةَ بربِّكُم، وَأْنَسُوا بالتقرُّبِ إليه؛ تسعَدُوا دنيَا وأخرى، وتفوزُوا بكلِّ غنيمةٍ عُظمى.

 

بارَكَ اللهُ لنا فيما سمِعنا، وزادَنا هُدًى وتوفيقًا وعلمًا ونورًا.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ حمدًا لا ينقطِعُ ولا يَبِيدُ. وأشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ لهُ الواحدُ المجيدُ. وأشهدُ أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه؛ أكملُ من حَقَّقَ التوحيدَ. اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آلهِ وصحبِه الفائِزين برِضَى العزيزِ الحميدِ.

 

أما بعدُ، فيا عبادَ اللهِ: دفعُ الهمومِ عن النفوسِ، وإزالةُ الغمومِ عن القلوبِ؛ إنما هو في الإقبالِ على اللهِ وحدَه، وإيثارِ مرضاتِه على كلِّ شيءٍ.

 

وأعظمُ الأسبابِ في ذلك: قوةُ التوحيدِ للهِ، وكمالُ التوكلِّ عليه، والعلمُ باللهِ وصفاتِه العُلَا وأسمائِه الحُسنى، وتمامُ المحبَّةِ له -سبحانه-، مع التقرُّبِ إليه -جل وعلا- بالإحسانِ إلى الخلقِ بشتى أنواعِ الإحسانِ. فمن عاشَ بذلك فازَ بالسعادةِ والسرورِ والفرحِ والحُبُورِ، ونجَّاهُ اللهُ من الغمومِ وأزالَ عنه الهمومَ. يقولُ -جل وعلا-: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا)[الطَّلَاقِ: 2].

 

عبادَ اللهِ: من الأسبابِ الشرعيةِ لجلبِ السرورِ والحُبُورِ، وطردِ الهمومِ والغمومِ؛ الإكثارُ من الصلاةِ والتسليمِ على النبيِّ العظيمِ.

 

اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ على عبدِكَ ورسولِكَ نبيِّنا محمدٍ، وعلى آلهِ وصحبِه أجمعينَ.

 

اللهمَّ اغفر للمؤمنين والمؤمناتِ، الأحياءِ منهم والأمواتِ.

 

اللهمَّ أطفِئِ الفِتَنَ عن المسلمين. اللهمَّ احفظهم بحفظِك أجمعينَ. اللهمَّ ارفع همومَهم، واكشف غمومَهم، ونَفِّسْ كُرُبَاتِهِمْ.

 

اللهم عليك بأعداء المسلمينَ، اللهمَّ إنَّا نعوذُ بكَ من شرورِهم يا ذا الجلالِ والإكرامِ. اللهمَّ أنتَ حسبُنا ونعمَ الوكيلُ؛ كُنْ للمسلمينَ وليًّا وناصِرًا، وحافِظًا ومُعينًا.

 

اللهمَّ احفظ أمنَ بلادِنا واستقرارَها ورخاءَها وجنودَها، رُدَّ عنها كيدَ الكائِدين ومكرَ الماكِرين وعُدوانَ المُعتدينَ، وسائرَ بلادِ المسلمينَ.

 

اللهمَّ احفَظْ خادمَ الحرمين الشريفين ووليَّ عهدِه، وأطِلْ أعمارَهما على طاعتِك. اللهمَّ وفِّقهما وسدِّدهما لكلِّ خيرٍ.

 

(رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[الْبَقَرَةِ: 201].

 

اللهمَّ أعِذنا وأَعِذِ المسلمين من جَهْدِ البلاءِ، ومن دَرَكِ الشقاءِ، ومن سُوءِ القضاءِ، ومن شماتةِ الأعداءِ.

 

اللهمَّ أَعِذْنا جميعًا من زوالِ نعمتِكَ، ومِنْ تحوُّلِ عَافِيَتِكَ، ومن فُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، ومن جميعِ سخطِكَ.

 

اللهم أغثنا، اللهمَّ أغِثْ بلادَ المسلمين بالغيثِ النافعِ، وأغِثْ قلوبَهم بما يجعلُهم في سُرُورٍ وَحُبُورٍ يا أرحمَ الراحمينَ.

 

عبادَ اللهِ: اذكروا اللهَ ذكرًا كثيرًا، وسبِّحوه بُكرةً وأصيلًا. وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.

 

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life