عناصر الخطبة
1/حقيقة الألم النفسي وأثره 2/العذاب النفسي عند الموت 3/العذاب النفسي في القبر ويوم القيامة 4/استمرار العذاب النفسي في النار.اقتباس
وَفِي أَصعَبِ الأَوقَاتِ، وَفِي أَحلَكِ اللَّحْظَاتِ، وَهُوَ وَحِيدٌ في قَبرِهِ، مُستَوحِشٌ مِنَ الظَّلامِ، قَد تَرَكَهُ الأَصحَابُ، وَفَارَقَهُ الأَحبَابُ، "فَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ، قَبِيحُ الثِّيَابِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ؛ فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي...
الخطبة الأولى:
إن الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ؛ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ)[الحشر:18-19]، أما بعد:
لا يَختَلِفُ العُقَلاءُ وَأَصحَابُ التَّجرُبَةِ عَلَى أَنَّ الأَلَمَ النَّفسِيَّ أَشَدُّ وَأَقوَى مِنَ الأَلَمِ الجَسَدِيِّ، فَالجَرحُ في الجَسَدِ إذَا التَئَمَ ذَهَبَتْ آلامُهُ وَآثَارُهُ، وَأَمَّا الأَلَمُ النَّفسِيُّ فَتَبقَى آثَارُهُ زَمَنَّاً طَوِيلًا، تَتَجَدَّدُ بِالذِكرَى؛ بَل قَد لا تَزُولُ مَا كَان صَاحِبُهَا حَيَّاً.
وَمَنْ يَتَأَمَّلُ كِتَابَ اللهِ -تَعَالى- وَسُنَّةَ رَسُولِهِ -صلى الله عليه وسلم-؛ فَإنَّهُ سَيَجِدُ العَذَابَ النَّفسِيَّ ظَاهِرَاً لأَصحَابِ النَّارِ، وَهُوَ العَذَابُ المُهِينُ الذي ذَكَرَهُ اللهُ -تَعَالى- في آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، فَتَعَالوا لِنَنطَلِقَ فِي رِحلَةٍ تَدَّبُريَّةٍ بَحثَاً عَن هَذِهِ المَعَاني، إنَّ أَوَّلَ هَذَا العَذَابُ هُو في تِلكَ اللَّحظَةِ الحَرِجَةِ التي يُصَارِعُ فِيهَا الظَّالِمُ سَكَرَاتِ المَوتِ فَتَأتِيهِ مَلائِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ، المَلَائِكَةُ التي يُضرَبُ بِهَا المَثَلُ في الجَمَالِ تَأَتِيهِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ زِيَادَةً في العَذَابِ النَّفسِيِّ؛ (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ)[الأنعام:93]؛ فَيُخَاطِبُونَ الرُّوحَ بِأَبشَعِ خِطَابٍ؛ "أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنْ اللَّهِ -تعالى- وَغَضَبٍ".
ثُمَّ إذَا خَرَجَتْ رُوحُهُ "يَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلإٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ، إِلا قَالُوا مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ، فَيَقُولُونَ: فُلانُ بْنُ فُلانٍ بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ فَلا يُفْتَحُ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ)[الأعراف:40]؛ فَيَقُولُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ فِي الأَرْضِ السُّفْلَى، فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا، ثُمَّ قَرَأَ؛ (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ)[الحج:31]؛ فَأَيُّ ذُلٍّ وَهَوَانٍ يَشعُرُ بِهِ ذَلِكَ المَيِّتُ؟
مَا تَظنُّونَ الحِكمَةَ في أَنْ يُفتَحَ لِلكَافِرِ وَالمُنَافِقِ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ هَذَا مَنْزِلُكَ لَوْ آمَنْتَ بِرَبِّكَ؛ فَيَرى مِنَ النَّعِيمِ مَا لا عَينٌ رَأَتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَت، وَلا خَطَرَ عَلى قَلبِ بَشَرٍ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: فَأَمَّا إِذْ كَفَرْتَ بِهِ فَإِنَّ اللَّهَ -عز وجل- أَبْدَلَكَ بِهِ هَذَا، وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا، أَلَيسَ هَذَا هُوَ العَذَابُ النَّفسِيُّ؟
وَفِي أَصعَبِ الأَوقَاتِ، وَفِي أَحلَكِ اللَّحْظَاتِ، وَهُوَ وَحِيدٌ في قَبرِهِ، مُستَوحِشٌ مِنَ الظَّلامِ، قَد تَرَكَهُ الأَصحَابُ، وَفَارَقَهُ الأَحبَابُ، "فَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ، قَبِيحُ الثِّيَابِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوءُكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ، فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ"، حَسرَةٌ وَأَلَمٌ، حِينَ لا يَنفَعُ النَّدَمُ.
أَمَّا إذَا جَاءَ يَومُ النُّشُورِ، وَبُعِثَ مَنْ في القُبُورِ، فَلا تَسَلْ عَنِ العَذَابِ النَّفسِيِّ الذي يَنتَظِرُ أَصحَابَ النَّارِ، فَخَلِيلُ الدُّنيَا وَصَاحِبُ العُمُرِ، يُصبِحُ عَدوَّاً لَدُودَاً؛ (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ)[الزخرف:67]، وَيَعَضُّ عَلَى يَدَيهِ بَدَلاً مِن أُصبُعِهِ نَدَمَاً عَلى تِلكَ الأَيَّامِ، التي ضَاعَتْ في الحَرَامِ؛ (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا)[الفرقان:27-29].
رُؤيَةُ جَهَنَّمَ التي وُعِدُوا بِهَا يَومَ القِيَامَةِ، عَذَابٌ نَفسِيٌّ عَظِيمٌ، فَمَا بَالُكَ بِأَهلِهَا حِينَ (يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا)، (إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا)، فَمَا ظَنُّكَ بِشُعُورِهم حِينَئذٍ، وَهُم يَرُونَ الشَّرَارةَ مِن نَارِهَا كَأَنَّهَا قَصرٌ عَظِيمٌ؛ (إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ)[المرسلات:32]؟
وَأَمَّا طَرِيقَةُ دُخُولِهم إلى النَّارِ؛ فَهِي في غَايَةِ الإهَانَةِ وَالذُّلِّ؛ (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ)[غافر:71]، (إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ)[غافر:71]، وَيُجَرُّ مِن أَشرَفِ مَكَانٍ في بَدَنِهِ وَهِيَ نَاصِيَتُهُ؛ (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنّوَاصِي وَالأقْدَامِ)[الرحمن:41]؛ فَإذَا دَخَلُوا النَّارَ، فَإنِّ عِتَابَ المَلائكَةِ لَهُم فِيهِ أَلَمٌ نَفسِيٌّ شَدِيدٌ، بِتَذكِيرِهِم بِرَحمَةِ اللهِ -تَعَالى- لَهُم أَنْ أَرسَلَ لَهُم رَسُولاً يُبَيِّنُ لَهُم الحَقَّ؛ (وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ)[غافر:71]، (فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ)[الملك:11].
إنْ كَانَ أَهلُ البَلاءِ في الدُّنيَا يَتَسلَّونَ بِرُؤيَةِ مَن هُم أَشَدُّ مِنهُم بَلاءً، وَتَهُونُ مُصِيبَةُ البَعضِ إذا سَمِعَ بِمُصِيبَةِ غَيرِهِ؛ فَإنَّ كُلَّ مَن فِي النَّارِ يَرَى أَنَّهُ أَشَدُهُم عَذَابَاً، وَأَعظَمُهُم عِقَابَاً، قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا، مَنْ لَهُ نَعْلَانِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ، يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِ الْمِرْجَلُ -أي القِدْر-، مَا يَرَى أَنَّ أَحَدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا، وَإِنَّهُ لَأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا".
يَا أَهلَ الإيمَانِ: مَنْ مِنَّا لا يَخَافُ مِنَ المَوتِ؟، سَكَرَاتُ المَوتِ عَظِيمَةٌ، وَلَحْظَاتُهُ أَلِيمَةٌ، وَلَكُم أَنْ تَتَخَيَّلُوا حَالَ مَنْ يُحِيطُ بِهِ المَوتُ في كُلٍّ وَقتٍ وَمَكَانٍ، وَلا يَمُوتُ فَيَرتَاحُ؛ (وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ)[إبراهيم:15-17]، تَدرُونَ لِمَاذَا؟، لأَنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "إِذَا صَارَ أَهْلُ الجَنَّةِ إلَى الجَنَّةِ، وَأَهْلُ النَّارِ إلَى النَّارِ، جِيءَ بِالموتِ حَتَّى يُجْعَلَ بَينَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ يُذْبَحُ..."، وَالحُزنُ لَهُ أَلَمٌ نَفسِيٌّ شَدِيدٌ.
إنَّ الحَبسَ عَذَابٌ لِلمَحبُوسِ، وَلَكِنَّهُ عَذَابٌ نَفسِيٌّ، وَهَكَذا هُم أَهلُ النَّارِ، فَمَعَ أَنَّهم لا يَستَطِيعُونَ أَن يَخرجُوا مِنهَا، إلا أنَّ اللهَ تَعَالى جَعَلَ عَلَيهِم الجُدُرَ العَالِيَّةَ المُحِيطَةَ بِهِم؛ (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا)[الكهف:29]، وَالأَبوَابَ ذَاتَ الأَعمِدَةِ العَالِيَّةِ (إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ)[الهمزة:8-9].
وكَمَا كَانَ المُنَافِقُونَ والكُفَّارُ يَستَهزئونَ بِالمُؤمِنِينَ؛ (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ)[المطففين:29-30]، يَنتَقِمُ مِنهُم أَهلُ الإيمَانِ فِي الآخِرَةِ؛ (فَالْيوم الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * على الْأَرَائِكِ ينظرون * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)[المطففين:34-36]، فِي عَذَابٍ نَفسِيٍّ أَليمٍ، يُزَادُ بِهِ عَلَى عَذَابِ الجَحِيمِ.
بَارَكَ اللهُ لي وَلَكُم في القُرآنِ الكَرِيمِ، أَقُولُ مَا تَسمَعُونَ وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكم وَلِلمُؤمِنِينَ؛ فَاستَغفِرُوهُ، إنَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ.
الخطبة الثانية:
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، مَنَّ عَلَى مَن شَاءَ مِن عِبَادِهِ بِهدَايتِهِم لِلإيمَانِ، وَكَرَّهَ إليهِم الكُفرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصيَانَ، وَأَشهَدُ أَلَّا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحمَّدَاً عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المَبعُوثُ إلى كَافَةِ الإنسِ وَالجَانِ، -صَلَّى اللهُ عَليهِ وَعَلَى آلهِ وَأَصحَابِه- الذينَ جَاهَدُوا في اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ حَتَى نَشَرُوا العَدلَ وَالأَمنَ وَالإيمَانَ، وَسَلَّمَ تَسلِيمَاً كَثِيرَاً، أَمَّا بَعدُ:
عِبادَ اللهِ: هَل سَمِعتُم بِخُطبَةِ الشَّيطَانِ التي سَيَخطِبُ بِهَا في النَّارِ؟، إذَا قُضِيَ الأَمرُ وَدَخَلَ أَهلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وَدَخَلَ أَهلُ النَّارِ النَّارَ، قَالَ الحَسَنُ البَصرِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى-: "يَقِفُ إبلِيسُ يَومَ القِيَامَةِ خَطِيبَاً في جَهنَّمَ عَلَى مِنبَرٍ مِن نَارٍ يَسمَعُهُ الخَلائقُ جَمِيعَاً؛ (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)[إبراهيم:22]".
وَأَمَّا إن سَألتُم عَن أَشَدِّ أَلوَانِ العَذَابِ النَّفسِيِّ في النَّارِ... إلى آخر ما ورد؛ (قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ)[المؤمنون:108]، (كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ)[المطففين:15].
اللَّهُمَّ إِنِّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ... إلى آخر الدعاء.
وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال -عز من قائل-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].
التعليقات