عناصر الخطبة
1/الوصية بالرضا والتسليم لقضاء الله تعالى 2/وقفات وعظات مع سير الأنبياء والصالحين 3/بيان طريق الخلاص من الفتن والمهلكاتاقتباس
إن لم تجِدْ إلى الرِّضا سبيلًا فاستعمِلِ الصبرَ؛ فإنَّه رأسُ الإيمانِ، فإن لم تجِدْ فعليك بالتحمُّلِ، فإذا اضطَرَبْتَ وقلَّ صبرُك فَالْجَأْ إليه بِهِمَّتِكَ، واشْكُ إليه بِبَثِّكَ، واحذَر أن تَسْتَبْطِئَهُ أو تُسِيءَ به ظَنًّا؛ فإن كلَّ شيءٍ بسببٍ، ولكلّ سببٍ أجلٌ، ولكلّ أجلٍ كتابٌ، ولكلّ هَمٍّ من اللهِ فارِجٌ...
الخطبة الأولى:
الحمدُ للهِ فَيَّاضِ العطاءِ، مُقَرِّبِ أهلِ الصَّفَا مِنْ حَضْرَةِ الْوَفَا. نحمدُه حمدَ من أزالَ عنهُ الجَفَا، ونشكُرُه شُكرَ مَنْ كَشَفَ عنهُ الخَفَا. اللهمَّ فَرِّجْ كربَنا، وارحم ضعفَنا، وَاجْبُرْ كسرَنا، وتولَّ أمرَنا، وكن معنا برحمتِك يا أرحمَ الراحمينَ.
ونشهدُ أَنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ المُتفرِّدُ بالعزِّ والكمالِ، المُتصِفُ بصفاتِ الجلالِ والجَمالِ. الكبيرُ المُتعالُ، ليسَ كمِثلِه شيءٌ، وهو السميعُ البصيرُ. خلقَ الخلقَ ليعرِفُوهُ، وَأَوْزَعَهُمْ نِعَمَه ليشكُرُوهُ، ومَنَّ عليهم برُسُلِه ليؤمنُوا به ولا يكفُرُوهُ. فسبحانَه مِن إلهٍ؛ دائِمِ البقاءِ والثبوتِ، حَيٌٍ صمدٍ لا يمُوتُ. له القُدرةُ الباهرةُ، والصَّوْلَةُ القاهرةُ، مالِكُ أمرِ الدنيا والآخرةِ؛ (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)[يس: 82-83].
ونشهدُ أن سيِّدَنا ونبيَّنا وحبيبَنا ومولانا محمدًا عبدُه ورسولُه؛ قُدوةُ السالِكين، وحُجَّةُ اللهِ على العالمينَ.
فاحمَدوا اللهَ -تبارك وتعالى- أيُّها المُؤمنون؛ أنَّ اللهَ -تبارك وتعالى- هدَاكم به بعد الضلالةِ، وبصَّركم بعد الْعَمَى، وجمعَكم به بعد الفُرقةِ، وأعزَّكم به بعد الذِّلةِ، وأغنَاكم به بعد الْعَيْلَةِ، ورفعَ عنكم به العذابَ والشَّقاءَ؛ (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)[الْأَنْفَالِ: 33].
وارضَ اللهمَّ عن آلِ البيتِ الكِرامِ، الأئمةِ الأعلامِ، أصحابِ الهُدى والوَفَا، وعن الصحابةِ أجمعين؛ وُلَاةِ الحقِّ وقُضَاةِ الخلقِ، أُولِي الرِّفعةِ والتمكينِ، وأهلِ العلمِ واليقينِ؛ (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)[الْمَائِدَةِ: 54]. كانوا سَادَةَ التواضعِ؛ كان أبو بكرٍ -رضي الله عنه- إذا مُدِحَ قال: "اللَّهُمَّ أَنْتَ أَعْلَمُ بِي مِنْ نَفْسِي، وَأَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْهُمْ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي خَيْرًا مِمَّا يَظُنُّونَ، وَاغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ، وَلَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ".
أما بعدُ، فيا أيُّها المسلمُ: صَحِبَكَ اللهُ اللطيفُ الجميلُ، وكان لك صاحِبًا في الْمُقَامِ والرحيلِ، وزيَّنَك بزينةِ التقوى، وجعلَك من عبادِه الصالحينَ الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يَحْزَنُونَ.
عبادَ اللهِ: إن المولَى -تبارك وتعالى- سُبحانَه ولهُ الحمدُ؛ مَنَّ عليكم بتأييدِه، وخصَّكم بتوحيدِه؛ فأسكنَكم الأرضَ المُقدَّسةَ التي سكنَها الأنبياءُ والأولياءُ والصالحون من أبناءِ هذه الأمةِ، كانوا مُوحِّدِينَ، وقائِمينَ، ومُطبِّقِينَ لأوامرِه -سبحانه وتعالى-، ونحنُ اليومَ نعيشُ في حياةِ الصبرِ، والشُّكرِ، والرضا بالقضاءِ.
فَجَدِّدُوا للهِ خَالِصَ نِيَّاتِكُمْ، وآثِرُوه قولًا وفعلًا مما يُزَكِّي به سعيَكم، واحذَروا الفُرقَةَ، وكونوا يدًا واحدةً؛ فإنكم إن فعلتُم ذلك هَابَكُمُ الناسُ، وأسرَعُوا إلى طاعتِكم.
يا أيُّها المؤمنُ: إذا نزَل بكَ أمرٌ من اللهِ -تعالى- فاستعمِلِ الرِّضا؛ فإن اللهَ مُطَّلِعٌ عليك، يعلمُ ما في نفسِك، فإن رَضِيتَ فلكَ الثَّوَابُ، وأنتَ في رِضاكَ وسَخَطِكَ لا تقدِرُ أن تزيدَ في الرِّزقِ المقسُومِ، والأمرِ المكتُوبِ.
فإن لم تجِدْ إلى الرِّضا سبيلًا فاستعمِلِ الصبرَ؛ فإنَّه رأسُ الإيمانِ، فإن لم تجِدْ فعليك بالتحمُّلِ، فإذا اضطَرَبْتَ وقلَّ صبرُك فَالْجَأْ إليه بِهِمَّتِكَ، واشْكُ إليه بِبَثِّكَ، واحذَر أن تَسْتَبْطِئَهُ أو تُسِيءَ به ظَنًّا؛ فإن كلَّ شيءٍ بسببٍ، ولكلّ سببٍ أجلٌ، ولكلّ أجلٍ كتابٌ، ولكلّ هَمٍّ من اللهِ فارِجٌ.
ومَنْ علِمَ أنَّه بعينِ اللهِ، استحيَى أن يراهُ يرجُو سِواهُ، ومَنْ أيقَنَ بنظرِ اللهِ إليه، أسقطَ اختيارَ نفسِه، ومن علِمَ أن اللهَ الضَّارُّ النافِعُ، أسقطَ مَخَاوِفَ المخلوقِ من قلبِه.
فراقِبِ اللهَ -تبارك وتعالى- في قُرْبِهِ، واطلُبِ الأمرَ من مَعْدِنِهِ، واحذَر أن تعتمِدَ على مخلوقٍ، أو تُعلِّقَ قلبَك به تعليقَ خوفٍ أو رجاءٍ، أو تُفْشِيَ له سِرًّا، أو تشكُوَ إليه شيئًا، أو تعتمِدَ على إِخَائِهِ، أو تستريحَ إليه استِراحةً فيها شَكْوَى بَثٍّ؛ فإن غَنِيَّهُمْ فقيرٌ في غِنَاهُ، وفقيرُهم ذليلٌ في فقرِه، وعالِمُهم جاهلٌ في علمِه؛ إلَّا القليلَ ممن رَحِمَ اللهُ -تبارك وتعالى-.
هنيئًا لقومٍ سافرُوا إلى مولاهُمْ؛ جعلُوا زادَهم القناعةَ، وشرابَهم سَلْسَبِيلَ الطاعةِ، فهم في رِيَاضِ الرِّضا يسمعُون ترحيبَ الملائِكَةِ؛ (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)[الرَّعْدِ: 24].
انظُروا أيُّها المؤمنون: وتعلَّموا مِنَ السيدةِ الطاهرةِ نَفِيسَةَ بنتِ الحسنِ -رضي الله عنها- وعن أبيها-؛ لما حَضَرَتْهَا الوفاةُ كانت صائِمةً. فَأَلَحُّوا وَأَلْزَمُوهَا الفِطْرَ وَأَبْرَمُوا في ذلك، فقالت: "وَا عَجَبَاهُ لِي! مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ أَلْقَاهُ وَأَنَا صَائِمَةٌ؛ أُفْطِرُ الْآنَ؟! هَذَا لَا يَكُونُ!". ثم شرَعَتْ في قراءةِ سورةِ الأنعامِ، حتَّى وصلَتْ إلى قولِه -تبارك وتعالى-: (لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[الْأَنْعَامِ: 127]، انتَقَلَتِ الروحُ الطاهرةُ إلى بارِئِها، هكذا فَلْتَكُنِ الْهِمَمُ العالِيةُ.
مَنْ كانت دُنيَاهُ هَمَّهُ، كَثُرَ في الدارَينِ غَمُّهُ، ومن علامةِ حُبِّ الدنيا -أيُّها المؤمنون- أن يكونَ المرءُ دَائِمَ البِطْنَةِ، قَلِيلَ الفِطْنَةِ، هَمُّهُ بطنُه وفَرْجُهُ. دائمًا يُردِّدُ ويقولُ: "مَتَى أُصْبِحُ فَأَلْهُوَ وَأَلْعَبَ وَآكُلَ وَأَشْرَبَ؟! مَتَى أُمْسِي فَأَنَامَ، جِيفَةً بِاللَّيْلِ بَطَّالًا في النَّهَارِ؟!".
هِمَّةُ الصالِحين؛ الطاعةُ بلا معصيةٍ. وهِمَّةُ العلماءِ؛ المزيدُ من الصوابِ. وهِمَّةُ العارِفين؛ زيادةُ تعظيمِ اللهِ في قلوبِهم. وهِمَّةُ أهلِ الشَّوْقِ؛ سُرعةُ الموتِ. وهِمَّةُ المُقرَّبين؛ سُكونُ القلبِ إلى مولَاهُمْ.
فالْكَلِيمُ -عليه السلام- تَمَلَّكَهُ الخوفُ، ولكنه اسْتَكَانَ عندما سمِعَ قولَ اللهِ -تبارك وتعالى- وهو يُنادِيه: (يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)[الْقَصَصِ: 30].
عبادَ اللهِ: إذا عَمَّ الفسادُ البَرَّ والبحرَ؛ فارفعْ هِمَّتَكَ عن الأرضِ وَارْتَقِ، واجعلها سَمَاوِيَّةً عُلْوِيَّةً حَذَرَ الهلاكِ؛ فإن اللهَ -تبارَك وتعالى- (مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ)[النَّحْلِ: 128]، فمن يَتَّقِ اللهَ يكُنِ اللهُ معهُ، ومن يكُنِ اللهُ معهُ فمعَهُ الفئةُ التي لا تُغْلَبُ، والحارِسُ الذي لا ينامُ، والهادِي الذي لا يَضِلُّ.
عبادَ اللهِ: إن لربِّكم في أيامِ دهرِكم نَفَحَاتٍ، فتعرَّضوا لها؛ لعلَّ أحدَكم أن يُصِيبَهُ منها نَفْحَةٌ لا يشقَى بعدَها أبدًا؛ (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ في رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ)[الشُّورَى: 22].
أخرجَ الإمامُ البيهقيُّ وغيرُه عن الصحابيِّ الجليلِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ الْهُذَلِيِّ -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "مَا أَصَابَ مُسْلِمًا قَطُّ حُزْنٌ وَلَا هَمٌّ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ؛ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ في كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ في عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ؛ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي؛ إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَ حُزْنِهِ فَرَحًا".
عبادَ اللهِ: التائِبُ مَن يتوبُ من غَفَلَاتِهِ ورُؤيةِ طاعاتِه. وأكثرُ المسلمين خيرًا أَسْلَمُهُمْ صدرًا للمسلمين.
توجَّهوا إلى المولَى الكريمِ بالدعاءِ والتسليمِ، واستغفِرُوه؛ إنه هو الغفورُ الرحيمُ.
الخطبة الثانية:
الحمدُ للهِ الذي أَعْلَى هِمَمَ أصفِيائِه إلى وِصالِه، ورفَعَ أفكارَ أحبَّائِه إلى بهائِه، وملَأَ صدورَ أوليائِه من نورِ جمالِه، ونشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ؛ شهادةً أَبْرَمَ الإيمانُ سببَها، وأحكمَ الْإِيقَانُ طِينَتَهَا، وهَذَّبَ الزمانُ مَذْهَبَهَا، وَأَعْذَبَ الرحمنُ مَشْرَبَهَا.
ونُصلِّي ونُسلِّمُ على النبيِّ المُصطفَى، والحبيبِ المُجتَبَى؛ الذي أَعْلَى اللهُ به الأقدارَ، وشرَّفَ به الْمَوَالِيَ وَالْأَصْهَارَ، وجعلَ كرَمَه دارًّا لهم في كلّ دارٍ، وفَخْرُهُ عَلَى مَنِ اسْتَطْلَعَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، مُشْرِقُ الْأَنْوَارِ، صلَّى اللهُ عليه صلاةً زاهيةَ الأزهارِ، يَانِعَةَ الثِّمَارِ.
وارضَ اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعينَ؛ خُلَفَاءِ الدينِ، وأَخْلَصِ الْمُخْلِصِينَ، وَأَصْبَرِ الصابِرين، وأفضلِ القائِمين، وارضَ عنَّا معهم برحمتِك يا أرحمَ الراحمينَ.
أما بعدُ، فيا عبادَ اللهِ: هنيئًا لكم بما خاطَبَكم المولَى -تبارك وتعالى- بقولِه: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)[آلِ عِمْرَانَ: 110]. أنتُم الأمةُ المرحومةُ، أنتُم في رعايةِ اللهِ وعنايتِه. ورغمَ كلِّ ذلك نَمُرُّ في أوقاتٍ عصيبةٍ، وليس لنا إلَّا الصبرُ والتحمُّلُ: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ)[الْأَنْعَامِ: 42].
من قَابَلَ الحوادثَ الشَّاقَّةَ بِسَعَةِ الرِّضا؛ وجَدَ مَادَّةَ حلاوةِ الصبرِ من ربِّه؛ (اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)[الْبَقَرَةِ: 153]، وهذه المعيَّةُ أَلَذُّ شيءٍ يقعُ في القلبِ.
عبادَ اللهِ: إنَّ أكثرَ أبناءِ الزمانِ قد خَانَ، وخَلَا المكانُ مِنَ الخِلَّانِ، وأكثرُ الناسِ اليومَ ليسُوا بناسٍ، وأهلُ الحقِّ في أضيَقَ من دائرةِ الفاسِ! أين بهجةُ المكانِ؟ وأين أنوارُه؟ وأين شمسُه؟ وأين أقمارُه؟ وأين قُصَّادُه؟ وأين زُوَّارُه؟ لقد نقلَتهم الأقدارُ إلى دارِ القرارِ، وهذه عادةُ الدنيا؛ تُرحِّلُ مَنْ سكَنَ فيها، وتُسِيءُ إلى مَنْ أحسَنَ إليها!
وإن سألتُم: كيفَ الخلاصُ؟ كيفَ النجاةُ وقد حُفَّ البلاءُ بمعاصٍ جَمَّةٍ، وأمورٍ مُهِمَّةٍ، وقلبٍ قد أكلَهُ الأسَى، وأحرقَهُ الهوَى؟
فالجوابُ: بِصِحَّةِ الرُّجوعِ، وصدقِ الالتِجَاءِ. يَصِيرُ كلُّ بُعْدٍ قُرْبَى، وكلُّ وحشةٍ أُنْسًا؛ بالبُعدِ عن الظُّلمِ وارتكابِ المعاصِي، فلا رِبًا، ولا زِنًى، ولا خمرَ، ولا قِمَارَ. لا استِغلالَ، ولا اعتِداءَ، ولا قَتْلَ، ولا أكلَ لأموالِ الناسِ بالباطلِ.
يا أيها المسلمُ: سدَّ البابَ، واقطعِ الأسبابَ، وجالسِ الوهَّابَ! يخاطبك المولى بدون حجاب، وتدخل عليك الملائكة من كل باب!
بَلَغَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ يُونُسَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- بَكَى حَتَّى عَمِيَ، وَقَامَ حَتَّى انْحَنَى، وَصَلَّى حَتَّى أُقْعِدَ! ثُمَّ قَالَ: "وَعِزَّتِكَ، لَوْ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بَحْرٌ مِنْ نَارٍ؛ لَخُضْتُهُ شَوْقًا إِلَيْكَ!".
والْكَلِيمُ -عليه السلام-؛ عندما سأله المولى -تبارك وتعالى-: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى)[طه: 83]، بماذا أجابَ؟ قال: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى)[طه: 84]. عَبَّرَ بِالرِّضَا عَنِ الشَّوْقِ.
فهنيئًا لكَ يا أيُّها المُؤمنُ، هنيئًا لكَ يا من قَدِمْتَ على اللهِ بقلبٍ خاشِعٍ، وبصرٍ دامِعٍ.
قال معاويةُ بنُ أبي سُفيانَ -رضي الله عنه-: "سمعتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يقولُ: "إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا بَلَاءٌ وَفِتْنَةٌ". أعاذَنا اللهُ وإيَّاكم مِنَ الفتنِ ما ظهرَ منها وما بطَنَ.
اللهمَّ أعِزَّنا بالإسلامِ، ويَسِّرْ لنا سُبُلَ الخيرِ والمحبَّةِ والوئامِ، واجعلنا من أهلِ الصلاحِ والفلاحِ.
اللهمَّ يا سامعَ الأصواتِ، يا مُجيبَ الدعواتِ، يا مُقِيلَ العثَرَاتِ، يا راحِمَ العَبَرَاتِ. أنتَ الغنيُّ الكريمُ، ليس لنا أحدٌ سِواكَ. لا تُخَيِّبْ رَجَاءَنَا، ولا تَرُدَّ دعاءَنا، واجعلنا آمِنينَ من عذابِكَ.
عبادَ اللهِ: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[النَّحْلِ: 90]. فاذكروا اللهَ الجليلَ يذكُركم، واستغفِروه يغفِرْ لكم.
وأنت يا مُقيمَ الصلاةِ؛ أَقِمِ الصَّلَاةَ.
التعليقات