(أن القوةَ لِلّهِ جَميعاً)

د عبدالعزيز التويجري

2026-04-03 - 1447/10/15 2026-04-08 - 1447/10/20
عناصر الخطبة
1/من مظاهر قوة الله وقدرته 2/قوة المؤمن يستمدها من قوة الله 3/من مظاهر قوة المؤمن

اقتباس

وقف النبيٌ محمد -صلى الله عليه وسلم- في غزوة بدر، ومعه قلةً لا تملك من أسباب النصر إلا القليل، في وجه قوةٍ متكاملة العددِ والعُدّة، ومع التوكل واليقين والاستغاثةِ بالله، انقلب ميزان الأرض؛ لأن القوة ليست فيما يُرى بل فيما يُؤيَّد...

الخُطْبَةُ الأُولَى:

 

الحمد لله العلي الأعلى، له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، عظيم في ربوبيته، عظيم في ألوهيته، عظيم في أسمائه وصفاته، وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعد: فاتقوا الله -أيها المؤمنون-؛ (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا * ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا)[الطلاق: 4 - 5].

 

في صحيح الإمام مسلم قال عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: قام رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- على المنبر فقال: "يَطْوِي اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟"، فرجف المنبر حتى ظننا أنه يقع".

 

حديثٌ عظيمٌ تزول معه المخاوف من البشرِ وإن علا سلطانها، وتذهبُ معه رهبة العدو وإن اشتد طغيانه؛ (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ)[الأنعام: 18]، قدرته باهرة، وسطوته قاهرة، عزيز ٌلا يغالب، قويُ لا يُقهر.

 

الغالبُ القهارُ فوق عباده *** من ذا يكيد الغالبَ القهارا؟!

 

وحين تعصفُ الفتنُ، وتُرهب القلوب قوى البشر، تمرُ بالمؤمن هذه الآية: (أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)[البقرة: 165]؛ فيهدأ قلبه، ويعلم أن وراء كل قوةٍ قوةً أعلى، وأن فوق كل غالبٍ غالبًا، وأن الأمر يبدأ من الله وينتهي إليه؛ (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)[الزمر: 63].

 

كلُّ قوّةٍ يملكها البشرُ حدُّها ضعف، ونهايتُها فناء؛ فهي إما قوةُ مالٍ يزول، أو سلطانٍ يحول، أو جسدٍ يضعف، أو جمعٍ يتفرّق، فليس القويُّ من اشتدّ ساعدُه، ولا من كثر جندُه، بل القويُّ من أيّده الله، فإن نُصِرَ فلا غالب له، وإن خُذل فلا ناصر له؛ (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)[آل عمران: 160].

 

توكلٌ لا تواكل، توكلٌ يبعث على الثقة بالله، وحسن الظن به، والإنابةٍ إليه، لا تواكلا بترك العمل والاتكال على البشر، التوكلُ هو عبوديةٌ صادقة تربط أعمال الجوارح بقدرة الله، فلا يغترّ بالسبب، ولا ييأسُ عند الكرب، التوكلُ قوةٌ قلبية، تجعل الإنسان لا يرهبه طغيان البشر، ولا يُضعفه تقلب الدهر، فليست الكثرةُ قوة، ولا العُدّةُ عِزّة، ولا البطشُ نصرًا، إنما القوة سرٌّ مودَعٌ في معية الله، يؤتيه من يشاء، وينزعه ممن شاء.

 

وقف النبيٌ محمد -صلى الله عليه وسلم- في غزوة بدر، ومعه قلةً لا تملك من أسباب النصر إلا القليل، في وجه قوةٍ متكاملة العددِ والعُدّة، ومع التوكل واليقين والاستغاثةِ بالله، انقلب ميزان الأرض؛ لأن القوة ليست فيما يُرى بل فيما يُؤيَّد؛ (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ)[الأنفال: 9].

 

ثم تأمّل النقيض في غزوة حنين، حين أعجبت المسلمين كثرتُهم، فمال القلب لحظةً إلى العدَدِ والاعتداد، فجاءهم التنبيه الإلهي: أن القوة ليست فيكم؛ (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ)[التوبة: 25]، فالقوة ليست لحظة بطش بل امتداد ثبات.

 

الله حسبك إن عنتك مضرة *** فالبأس صبر واليقين ثباتُ

 

الثباتُ يتجلى حين يترسّخُ اليقينُ في قلب المؤمن، فلا تزلزله الحوادث، ولا تذبذبه الفتن، اليقينُ أن يصبح الإيمان قناعةً راسخة، تنطفأ معه ظلمات الريب والشك، فيرى بعين البصيرة قبل عين البصر، يمضي في ثباته يرى وعد الله رأي العين؛ (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا)[الأحزاب: 22].

 

يقينٌ يبعث على حسن الظن، فإذا حَسُن الظنُ بالله، اطمئن قلبه ورجا الخير من ربه، فعلمَ أنه لا يجري في هذا الكونِ شيء إلا بتقديرِ اللهِ وعلمِهِ وقدَرِه؛ (وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)[البقرة: 117]، فَإِذَا قضى أمراً فلا رادَّ لقضائه ولا معقب لحكمه؛ (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)[الأعراف: 54].

 

فالمؤمنُ في الفتنِ والمحنِ يحتاج أن يعيش بين ثلاثِ دعائم: يقينٌ يُثَبّت، وتوكّلٌ يفوض، وحسنُ ظنٍّ يُطمئن؛ عندها تنقلب المحنُ منحًا، وحينها يوقنُ (أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)[البقرة: 165].

 

ولربّ نازلةٍ يضيق بها الفتى *** ذرعًا وعند الله منها المخرجُ

 

أستغفر الله لي ولكم وللمسلمين والمسلمات، فاستغفروه إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ.

 

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى عَبْدِهِ الْمُصْطَفَى، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اجْتَبَى.

 

أَمَّا بَعْدُ: المؤمنُ الفطن يلجأ لربه في السراء والضراء؛ (هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[غافر: 65].

 

والآمنُ يشكرُ ربه على الطيباتِ من الرزق، والسلامةِ من الأخطار، والخيرِ المدرار؛ (كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ)[سبأ: 15]، والله معزٌ دينه، وحافظ عباده؛ (وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ)[غافر: 25].

 

والمسلمُ اليقظ يتقي ربه في كل حين وآن، فيحافظ على الفرائضِ والواجبات، ويبتعد عن المعاصي والمنكرات، ويؤدي الحقوق ويحذر العقوق، يُثبتُ نفسه ويقظ غيره، فكتاب ربك لا تهجره، ودعائه لا تغفل عنه، وذِكْره حافظ عليه، والوتر داوم عليه، والنصيحة للمسلمين فابذلها، فلا تدري متى يفجؤك الأجل، وينقطع عنك الأمل، أمراضُ وأسقام، وحوادثُ وأخطار، أو موتُ على الفراش.

 

كم غافلٍ عن حِياضِ الموْتِ في لَعبٍ *** يُمسِي، وَيُصْبحُ رَكّاباً لِما هَوِيَا

يــــــا رُبَّ بــــاكٍ علَى ميــتٍ وباكيــــــةٍ *** لمْ يلبَثَا بعدَ ذاكَ الميتِ أنْ بُكِيَا

ورُبَّ نـــــاعٍ نَعَــى حينـــاً أحبَّتـــــــــهُ *** ما زالَ يَنعى إلى أن قيلَ قد نُعيَا

 

يا أيها الناس جميعاً: (اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ)[الشورى: 47].

 

اللهم احفظ علينا أمننا وإيماننا وبلادنا والمسلمين من كل سوء ومكروه، اللهم آمنا في دورنا وأوطاننا وأصلح ولاة أمورنا، اللهم اضرب الظالمين بالظالمين وأخرج المسلمين من بينهم سالمين، اللهم عليك بأعدائك أعداء الدين.          

 

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد.

 

المرفقات

(أن القوةَ لِلّهِ جَميعاً).pdf

(أن القوةَ لِلّهِ جَميعاً).doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات