استعن بالله ولا تعجز

د عبدالعزيز التويجري

2026-04-17 - 1447/10/29 2026-04-21 - 1447/11/04
التصنيفات: أحوال القلوب
عناصر الخطبة
1/المؤمن القوي وأثره في بناء الحياة 2/حقيقة القوة الإيمانية 3/أثر العمل وترك العجز في صناعة المسلم النافع 4/أثر الصبر والرضا بالقدر عند الابتلاء.

اقتباس

فالمؤمن القوي الذي يملأ الفراغ حيثما وجد؛ فإن رأى جهلا تعلم وعلم، وإن رأى فقرا سعى وأعان، وإن رأى خللا أصلح، ولم يكتف بالشكوى؛ يعلم أن الله لم يضعه في هذه الحياة عبثا، ولم يمنحه قدراته...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله ولي المؤمنين؛ (نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ)[الأعراف: 196]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، من علينا فهدانا وأطعمنا وسقانا، وأشهد أن محمدًا عبدا لله ورسوله -صلى الله عليه وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وزوجاته- ومن تبعهم بإحسان إلى اليوم الدين، أما بعد: فاتقوا الله -أيها المؤمنون- حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى؛ (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا)[الطلاق: 4].

 

عباد الله: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ"(رواه مسلم).

 

بكلمات بسيطة، وعبارات موجزة، تجلي معاني عميقة، ودلالات عظيمة، هي لنا نبراس يضيء الحياة، وإشراقة تنير الطريق.

تؤلف اللفظ والمعنى فصاحته *** تبارك الله منشئ الدر في الكلم

 

حديث يجلي القوة التي ترى لنفسك أفقا عاليا، وتعلم أن الله لم يخلقك لتكون هامشيا في الحياة، أو كلا على غيرك.

وإذا غامرت في شرف مروم *** فلا تقنع بما دون النجوم

 

قوة تحيي فيك أسرار الإيمان في أعماق قلبك، قوة تبني الخير المغمور في جنبات روحك؛ ففي كل مؤمن خير ينمي الخير وينشره، ويحيي بذرات الإيمان في قلبه، ويسقيها بعطائه ونفعه وإن قل.

 

القوة في المؤمن التي يحبها الله هي التي تثمر نفعا، وتترك أثرا، القوة التي يحبها الله هي قوة تعين الضعيف، ولا تستعلي عليه، قوة تبني الحق، ولا تهدم القيم، قوة تضبط النفس، ولا تبطش بالخلق؛ قوة تتجلى في الإيمان واليقين، قوة في الصبر والتحمل، قوة على العبادة والطاعة، "وفي كل خير"؛ فليس الضعيف مذموما لذاته؛ فكل مؤمن يحمل بذرة القوة، فمنهم من يسقيها حتى تثمر، ومنهم من يتركها حتى تذبل.

 

العمل بالخير ينتشل الإنسان من دائرة التبرير إلى ميدان التأثير؛ ينقله من انتظار الفرص إلى صناعتها، ومن الاتكاء على الآخرين إلى أن يكون هو سندا لغيره؛ (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى)[الليل: 5-7].

 

فالمؤمن القوي الذي يملأ الفراغ حيثما وجد؛ فإن رأى جهلا تعلم وعلم، وإن رأى فقرا سعى وأعان، وإن رأى خللا أصلح، ولم يكتف بالشكوى؛ يعلم أن الله لم يضعه في هذه الحياة عبثا، ولم يمنحه قدراته ليعطلها، بل ليثمر بها، و"اعملوا؛ فكل ميسر لما خلق له".

 

وقد لخص عمر بن الخطاب هذا المعنى حين كره أن يرى الرجل لا عمل له في دين ولا دنيا؛ لأن الفراغ باب العجز، والعجز بداية التلاشي؛ فالحياة عندهم لم تكن مساحة استهلاك، بل ميدان أداء؛ فكلما هممت أن تتراجع، أو تقنع نفسك بأن دورك صغير، يأتيك صدى الحديث النبوي: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز".

 

معان تربّي فيك شعور المسؤولية الذاتية، بأنك لست مشروع عالة، بل مشروع إضافة، ولست رقما يكمل العدد، بل قيمة تحدث فرقا؛ لما هاجر عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- إلى المدينة، قال: "دلوني على السوق" فلم يقبل أن يكون تابعا أو عالة، بل رأى لنفسه أفقا: أن يكون غنيا نافعا، يعطي ولا يأخذ، فصار بعد ذلك من كبار المتصدقين، يجهز الجيوش، ويطعم الناس.. هذه هي القوة: أن تبدأ من الصفر، لكن بعقل يرى النهاية نورا.

 

وإليك طموح الفتى عبد الله بن عباس -رضي الله عنه-، كان شابا صغيرا، يرى نفسه مشروع عالم، لا متلقيا مقلدا؛ فكان يقف على أبواب الصحابة ينتظرهم في الحر والبرد، يأخذ منهم العلم، حتى صار حبر الأمة وترجمان القرآن، القوة هنا: أن ترى مستقبلك قبل أن يراك الناس.

 

والدنيا دار ابتلاء، ولن تبلغ المجد حتى تلعق الصبر؛ (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ)[البلد: 4]؛ فإن أخفقت "فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل" والمؤمن مأجور بعمله، وليس بنتائجه، "فإن النبي يأتي يوم القيامة ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد".

 

المؤمن قوي القلب؛ إذا أقبلت عليه الدنيا لم تغره، وإذا أدبرت عنه لم تحطمه.. لا يعتذر بالعجز، ولا يتذرع بالظروف، وإذا أصابته مصيبة لم يغرق في "لو" التي تحطم النفس وتفتح عمل الشيطان، بل يسلم ويعاود البناء والعمل.

بقدر الكد تكتسب المعالي *** ومن طلب العلا سهر الليالي

 

يربى الأبناء على أن النجاح ليس حظا عابرا، بل ثمرة استعانة صادقة، وسعي لا يعرف العجز؛ فالبيت الذي ترفع فيه أكف الدعاء، وتبذل فيه أسباب العمل، هو بيت تسكنه الطمأنينة، وإن ضاقت به الدنيا.

 

إذا المرء يوما أراد الحياة *** فلا بد أن يستجيب القدر

ولا بد لليل أن ينجلي *** ولا بد للقيد أن ينكسر

 

وأستغفر الله لي ولكم وللمسلمين والمسلمات؛ فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وكفى، وسمع الله لمن دعا، وصلى الله على عبده ورسوله، أما بعد:

 

عباد الله: رباطة الجأش، وقوة التحمل، والاستعانة بالله، تكمن في الصدق مع الله، واليقين بمعية الله؛ (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ)[النحل: 128].

 

والصبر والتقوى مع الاستعانة والعمل عنوان للحفظ والحراسة؛ (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)[آل عمران: 120].

 

ليوطن الإنسان نفسه على المصاعب والأزمات، وليقو قلبه على المكاره والعقبات، ولا يعجز عن المشاركة في ميدان الحياة، ولتكن النوائب منك على بال؛ فأكثر المكاره تأتيك بما لم تحتسب، وإنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتوخ الخير يعطه، ومن يتوق الشر يوقه، ومن يصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر، ومن يصبر على الرزايا يعقبه الله خيرا، وعواقب الأمور تتشابه في الغيوب؛ فرب محبوب في مكروه، ومكروه في محبوب، وكم مغبوط بنعمة هي داؤه، ومرحوم من داء هو شفاؤه.

 

فخفف المضار من خلل المسار، وارج النفع من موضع المنع، وعند اشتداد البلاء يأتي الرخاء.

ومن يدعو الأنام لكل خطب *** يخاف وكل معضلة تؤود

فمن يحمي حمى الإسلام أم من *** يذب عن المكاره أو يذود

 

وما سمي الصديق صديقا؛ إلا بعد أن صدق بالحق في أشد أيامه، وصبر على نوائب الزمان في قلة رجاله، ولم يتخل عن صاحبه النبي الأكرم في أوقات المطاردة من أعدائه.

كأنه شجر الأترج طاب معا *** حملا ونورا وطاب العود والورق

 

اللهم ثبت قلوبنا على الحق وارزقنا اليقين والصدق في الأقوال والأفعال وأعنا يا ربنا على نوائب الزمان، اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح ولاة امورنا.

 

وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال -عز وجل-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

المرفقات

استعن بالله ولا تعجز.doc

استعن بالله ولا تعجز.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات