الأرزاق بيد الله فلا تحزن

خالد بن عبدالله الشايع

2026-05-01 - 1447/11/14 2026-05-04 - 1447/11/17
عناصر الخطبة
1/الإيمان بأن الرزق مكتوب 2/التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب 3/ أسباب سعة الرزق وبركته 4/القناعة وترك التعلق بالدنيا والمال.

اقتباس

إِنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ الأَرْزَاقَ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ العِبَادُ، فَلَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مَا لَمْ يُكْتَبْ لَهُ، وَلَا أَنْ يُفَوِّتَ مَا قُدِّرَ لَهُ، أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ..، وَفِي السُّنَّةِ تَطْمِينٌ عَظِيمٌ لِلْقُلُوبِ، وَرَاحَةٌ...

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ للهِ الرَّزَّاقِ ذِي القُوَّةِ المَتِينِ، يُعْطِي وَيَمْنَعُ، وَيُغْنِي وَيُفْقِرُ، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ كُلُّهَا، أَحْمَدُهُ -سُبْحَانَهُ- وَأَشْكُرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ الأَرْزَاقَ مَقْسُومَةً، وَالآجَالَ مَعْلُومَةً، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَفْضَلُ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَى رَبِّهِ، وَأَحْسَنُ مَنْ سَعَى فِي مَرْضَاتِهِ، -صلى الله عليه وسلم- وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ؛ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ الأَرْزَاقِ، وَسَبَبُ البَرَكَاتِ، قَالَ -تَعَالَى-: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)[الطلاق:2-3].

 

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَشْغَلُ القُلُوبَ، وَيُتْعِبُ النُّفُوسَ، وَيُقَلِّقُ الأَبْدَانَ؛ هَمُّ الرِّزْقِ، وَالخَوْفُ عَلَى المَعِيشَةِ، وَالتَّعَلُّقُ بِالدُّنْيَا وَأَسْبَابِهَا، حَتَّى أَصْبَحَ بَعْضُ النَّاسِ يَجْعَلُ كُلَّ هَمِّهِ فِي الطَّلَبِ وَالجَمْعِ، وَيَغْفُلُ عَنْ رَبِّهِ، وَيَنْسَى آخِرَتَهُ.

 

وَإِنَّ المُؤْمِنَ الحَقَّ يَعْلَمُ أَنَّ الأَرْزَاقَ بِيَدِ اللَّهِ وَحْدَهُ، لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ، قَالَ -سُبْحَانَهُ-: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ)[الذاريات:58]، وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا)[هود:6]؛ فَكَيْفَ بِالإِنْسَانِ الَّذِي كَرَّمَهُ اللَّهُ وَفَضَّلَهُ؟

 

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ الأَرْزَاقَ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ العِبَادُ، فَلَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مَا لَمْ يُكْتَبْ لَهُ، وَلَا أَنْ يُفَوِّتَ مَا قُدِّرَ لَهُ، أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ"، وفي الصحيح من حديث ابن مسعود أن رزق العبد يكتب وهو في بطن أمه.

 

وَفِي السُّنَّةِ تَطْمِينٌ عَظِيمٌ لِلْقُلُوبِ، وَرَاحَةٌ لِلنُّفُوسِ، أَخْرَجَ الإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "إِنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ"(صححه الألباني).

 

وَقَدْ ضَرَبَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- مِثَالًا بَلِيغًا فِي التَّوَكُّلِ، أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرُزِقْتُمْ كَمَا تُرْزَقُ الطَّيْرُ؛ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا"(صححه الألباني).

 

عِبَادَ اللَّهِ، لَيْسَ المَقْصُودُ تَرْكَ السَّعْيِ، وَلَكِنَّ المَطْلُوبَ أَلَّا يَكُونَ القَلْبُ مُتَعَلِّقًا بِالأَسْبَابِ، يلهث وراء الدنيا وكأنها لن تأتي إلا بذلك، أو كأنه هو الذي يكسبها بجهده، وينسى أنه لن يأتيه إلا ما كتب له.

 

قَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: "عَلِمَ أَقْوَامٌ أَنَّ الرِّزْقَ لَا يَزِيدُهُ الحِرْصُ، وَلَا يَنْقُصُهُ التَّقْصِيرُ، فَاسْتَرَاحَتْ قُلُوبُهُمْ".

 

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: "مَا رَأَيْتُ أَشْيَاءَ أَذْهَبَ لِلدِّينِ مِنَ الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ".

 

وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: "مَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، أَصْلَحَ اللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ، أَصْلَحَ اللَّهُ عَلَانِيَتَهُ، وَمَنْ اهْتَمَّ بِآخِرَتِهِ، كَفَاهُ اللَّهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ".

 

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: إِنَّ التَّعَلُّقَ بِالدُّنْيَا يُورِثُ الهَمَّ وَالغَمَّ، وَيُضْعِفُ الإِيمَانَ، وَيَجْعَلُ الإِنْسَانَ فِي قَلَقٍ دَائِمٍ، أَمَّا مَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ، وَرَضِيَ بِقَضَائِهِ، فَإِنَّهُ يَعِيشُ مُطْمَئِنًّا، قَالَ -تَعَالَى-: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً)[النحل:97].

 

وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الرِّزْقِ: التَّقْوَى، وَالاسْتِغْفَارُ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ، وَالإِنْفَاقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ -تَعَالَى-: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ)[سبأ:39]، وَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ)[نوح:10-12].

 

أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ -رضي الله عنه-، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ".

 

فَيَا -عِبَادَ اللَّهِ- لَا تَنْشَغِلُوا بِالرِّزْقِ عَنْ الرَّازِقِ، وَلَا بِالدُّنْيَا عَنِ الآخِرَةِ، وَلَا بِالجَمْعِ عَنِ الطَّاعَةِ؛ فَإِنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى.

 

اللَّهُمَّ اجعل غنانا في قلوبنا يا رب العالمين.

 

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ..

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ -صلى الله عليه وسلم-.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ-، وَاعْلَمُوا أَنَّ حُسْنَ التَّوَكُّلِ يُورِثُ القَنَاعَةَ، وَالقَنَاعَةُ كَنْزٌ لَا يَفْنَى، قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "لَيْسَ الغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ، وَلَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ".

 

قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: "مَنْ رَضِيَ بِقِسْمِ اللَّهِ لَهُ، لَمْ يَحْزَنْ عَلَى مَا فَاتَهُ، وَلَمْ يَفْرَحْ بِمَا أُوتِيَ".

 

فَاحْرِصُوا عَلَى مَا يَنْفَعُكُمْ، وَاسْعَوْا فِي أَرْزَاقِكُمْ بِالحَلَالِ، مَعَ تَعَلُّقِ القُلُوبِ بِاللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الدُّنْيَا زَائِلَةٌ، وَأَنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ القَرَارِ.

 

اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنَ الرِّزْقِ أَوْفَرَهُ، وَمِنَ الحَلَالِ أَطْيَبَهُ، وَاجْعَلْهُ عَوْنًا لَنَا عَلَى طَاعَتِكَ، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا.

 

اللَّهُمَّ اغْنِنَا بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَبِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ، وَارْزُقْنَا التَّوَكُّلَ عَلَيْكَ حَقَّ التَّوَكُّلِ.

 

وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال -عز من قائل-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

المرفقات

الأرزاق بيد الله فلا تحزن.doc

الأرزاق بيد الله فلا تحزن.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات