الأشهر الحرم بين الإجلال والإخلال

الشيخ عبدالله البرح

2026-05-08 - 1447/11/21 2026-05-04 - 1447/11/17
عناصر الخطبة
1/ تفاضل الأزمان في ميزان الإيمان 2/تعظيم الله لحرماته وشعائره 3/مكانة الأشهر الحرم وخصائصها 4/لوازم تعظيم الأشهر الحرم 5/ثمرة المراقبة وأثرها.

اقتباس

ومن أعظم تطبيقات ذلك وأظهر مظاهره: الأشهر الحرم، التي اصطفاها الله -تعالى- فجعلها مواسم تضاعف فيها المسؤولية، وتشتد فيها المحاسبة، ويطلب فيها من العبد مزيد تعظيم وانكسار وخشية...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النِّسَاءِ: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأَحْزَابِ: 70-71]، أما بعد:

 

أيها المسلمون: ليست الأيام في ميزان الإيمان سواء، وليست الأزمنة في شرع الله على مرتبة واحدة؛ بل يرفع الله منها ما يشاء، ويختص منها ما يشاء، ويجعل لبعضها حرمة وهيبة ووزنا في ميزان الطاعة والابتلاء، ليظهر صدق العبد في تعظيم ما عظمه الله -سبحانه وتعالى-.

 

وهكذا يمضي الناس في زمن واحد، لكن قلوبهم تتباين: قلب يعظم فيرتقي، وقلب يمر غافلا فينقص ويخسر، وبين التعظيم والتضييع تتشكل حقيقة الإيمان، ويوزن صدق العبودية لله -جل جلاله-.

 

أيها المؤمنون: إن من أعظم دلائل الإيمان، وأصدق علامات تعظيم الرحمن -سبحانه وتعالى- أن يعظم العبد ما عظمه الله -عز وجل- من حرمات وأزمان وأماكن وشعائر، قال الله -تعالى-: (ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ)[الحَجِّ: 30]، وقال -سبحانه-: (ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)[الحَجِّ: 32].

 

ومن أعظم تطبيقات ذلك وأظهر مظاهره: الأشهر الحرم، التي اصطفاها الله -تعالى- فجعلها مواسم تضاعف فيها المسؤولية، وتشتد فيها المحاسبة، ويطلب فيها من العبد مزيد تعظيم وانكسار وخشية، قال الله -تعالى-: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ)[التَّوْبَةِ:36].

 

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ"(رواه البخاري ومسلم).

 

أيها المؤمنون: وإذا كان الله -تعالى- قد عظّم هذه الأشهر؛ فإن تعظيمها ليس خيارا تربويا ولا سلوكا اجتماعيا، بل هو لزوم شرعي، ومقتضى إيماني، لا يكتمل الإيمان إلا به.

 

ومن هنا كانت لوازم تعظيم الأشهر الحرم ظاهرة في النصوص، واضحة في منهج السلف -رضي الله عنهم-؛ فمن لوازم تعظيمها: الكف عن الظلم كله، قال الله -تعالى-: (فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ)[التَّوْبَةِ: 36].

 

ومن لوازمها: تعظيم الطاعة وإحياء مواسم الخير، قال الله -تعالى-: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ)[البَقَرَةِ: 148]، وقال -سبحانه-: (سَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ)[آلِ عِمْرَانَ:133].

 

وكان الحسن البصري -رحمه الله- يقول: "إن الله جعل لكم مواسم فاغتنموها؛ فإنها تمر مر السحاب".

 

ومن لوازمها: حفظ الجوارح ومراقبة الله في السر والعلن، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ"(رواه الترمذي).

 

ومن لوازمها: تعظيم شعائر الله -تعالى-، قال الله -تعالى-: (وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)[الحَجِّ: 32].

 

ومنها: كثرة التوبة والاستغفار، والإكثار من النوافل، وإصلاح ذات البين، ومراقبة الله في الخلوات والجلوات، وقد كان السلف -رضي الله عنهم- يضربون أروع الأمثلة في المراقبة، ومن ذلك ما روي عن رجل يُقال له نوح بن مريم؛ "كان ذا مال ونعمة وجاه، وله ابنة ذات دين وجمال، وكان عنده عبد يُقال له مبارك.

 

أرسله إلى بساتين له وقال: احفظها وقم عليها. فمكث مدة، ثم جاء سيده يطلب من ثمرها، فقال: ائتني بعنب، فجاءه بقطف فإذا هو حامض، فكرر ذلك مرارا، وكلما جاءه بقطف وجده غير ناضج، فغضب وقال: أما تعرف الحلو من الحامض؟

 

فقال: والله ما ذقت منه شيئا، وإنما راقبت الله -تعالى- الذي لا تخفى عليه خافية.

 

فلما رأى سيده ورعه زوجه ابنته؛ فكان من بركتها أن وُلد عبد الله بن المبارك -رحمه الله-، الإمام الزاهد"، وهكذا فالمراقبة تصنع رجالا، وتبني أمة.

 

إذا خلوت بريبة في ظلمة *** والنفس داعية إلى الطغيان

فاستح من نظر الإله وقل لها *** إن الذي خلق الظلام يراني

 

أيها المؤمنون: إن الأشهر الحرم رسالة متجددة أن الحياة مواسم ارتقاء، وأن القلوب ترتقي بصدق التعظيم لله -تعالى-، وأن العبد كلما صدق في تعظيم ما عظمه الله علت درجته، وصفا قلبه، واستقامت جوارحه، وكان أقرب إلى ربه وأعظم حظا من توفيقه وتسديده.

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

 

عباد الله: إن تعظيم الأشهر الحرم لا يتحقق بمجرد العلم، بل بترجمة العلم إلى عمل، وبانتقال الفهم إلى سلوك.

 

وقد قال بعض السلف: "من علامة تعظيم الله تعظيم أوقاته، ومن علامة تعظيم أوقاته حسن العمل فيها".

 

ومن أعظم ما يعين على ذلك: دوام محاسبة النفس؛ فإن من حاسب نفسه خاف، ومن خاف سلم، ومن سلم وصل، يقول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا"(رواه البيهقي).

 

وقال الحسن البصري -رحمه الله-: "من حاسب نفسه قبل أن يحاسب خف حسابه يوم القيامة".

 

أيها المسلمون: لنجعل من هذه المواسم فرصة صادقة لتجديد العهد مع الله -تعالى-، والخروج منها بقلوب أصلح، وأعمال أصدق، وتوبة أعمق، وعزيمة على الطاعة واستقامة على المنهج، مع تحويل معاني التعظيم والمراقبة وترك الظلم والمسارعة إلى الطاعات وإصلاح ذات البين إلى واقعٍ عملي في عباداتنا ومعاملاتنا وخلواتنا وجلواتنا؛ فإن العلم إذا لم يُعمل به كان حجة على صاحبه، وإن الإيمان الصادق يظهر في السلوك قبل الأقوال؛ فمن استحضر رقابة الله، وعظم أوامره، واجتنب نواهيه، وسابق إلى مرضاته، كان من المفلحين في الدنيا والآخرة.

 

اللهم اجعلنا ممن يعظم حرماتك، ويستحيي من معصيتك، ويغتنم أوقاته في طاعتك.

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين.

 

وصلوا وسلموا على نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ فقد أمركم الله بذلك فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحْزَابِ: 56].

المرفقات

الأشهر الحرم بين الإجلال والإخلال.doc

الأشهر الحرم بين الإجلال والإخلال.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات