الإيمان الإيجابي

الشيخ د عصام بن عبدالمحسن الحميدان

2026-03-13 - 1447/09/24 2026-03-15 - 1447/09/26
التصنيفات: الإيمان
عناصر الخطبة
1/حقيقة الإيمان بالله 2/منح الإيمان بالله لصاحبه من الإيجابية والسمو

اقتباس

إيمان المؤمن بالله -سبحانه- يمنحه قوة إيجابية، تجعله يتعامل مع الكون وما فيه ومن فيه بأمل وحيوية؛ التوكل على الله، والإيمان بالقضاء والقدر، وحسن الظن بالله، والإيمان بالجنة ونعيمها، هو...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71]، أما بعد:

 

عباد الله: قرر الله -سبحانه وتعالى- قاعدة إنسانية نفيسة عظيمة وعميقة، هي قوله -جل وعلا-: (إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ)[المعارج: 19-22]؛ المصلُّون فقط هم الناجون من المرض النفسي، والاكتئاب والقلق، هم الذين تغلبوا على الضعف الفطري، وبلغوا الكمال الإنساني، هم الذين سموا بأرواحهم نحو العلا، وتركوا عباد الدنيا أسفل سافلين.

 

الصلاة هي أعظم نشاط روحي، وأقدس حركة فيزيائية وعقلية يقوم بها الإنسان؛ فيزيل توتره ويلقي بها همومه؛ هل تعلمون لماذا؟ لأن إيمانهم بالله -سبحانه- هو الدافع لأداء الصلاة؛ فاليهود يصلون والنصارى يصلون والبوذيون يصلون والهندوس يصلون؛ فهل عالجهم إيمانهم المشوّه؟ لو عالجهم إيمانهم لما قال هرقل عظيم الروم عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-: لو كنت عنده لغسلت عن قدميه، لو عالجهم إيمانهم لما أسلم النجاشي وهو على رأس الكنيسة الأثيوبية، وتبعه زعماء القساوسة.

 

معاشر المسلمين: إيمان المؤمن بالله -سبحانه- يمنحه قوة إيجابية، تجعله يتعامل مع الكون وما فيه ومن فيه بأمل وحيوية: التوكل على الله، والإيمان بالقضاء والقدر، وحسن الظن بالله، والإيمان بالجنة ونعيمها، هو قانون الجذب في حياة المسلم، هو الحماية من المؤثرات السلبية في حياتنا، كلنا يتعرض للهموم والغموم والأعراض والأمراض والصدمات النفسية، لا ينجينا منها إلا الإيمان الإيجابي.

 

يفقد يعقوب -عليه السلام- أحب أبنائه؛ فيلجأ إلى إيمانه بالله، يموت إبراهيم ابن النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فيلجأ إلى إيمانه بالله، يلتقم الحوت يونس -عليه السلام-؛ فيلجأ إلى إيمانه بالله، يشتكي الصحابي من ديونه؛ فيرشده النبي -الله عليه وسلم- إلى تقوية إيمانه بالله، يقول المثل الصيني: "العقول العظيمة تنشغل بالأفكار، والعقول العادية تنشغل بالأحداث، والعقول الصغيرة تنشغل بالناس".

 

لا خوف عليكم -أيها المؤمنون- لأنكم أصحاب الرؤية الواضحة للحياة الذين يعرفون ما يريدون، بصركم حديد في الدنيا والآخرة، كل الدنيا بناطحات سحابها وحضاراتها واختراعاتها لا تساوي شيئاً أمام ما هم ماضين له من نعيم الله -سبحانه-.

 

لأنكم أنتم المتحمسون لأفكارهم وأحلامهم، المندفعون لرضى ربهم، الباذلون الغالي والنفيس لدينهم، يتخلى أبوبكر الصديق -رضي الله عنه- عن ماله كله لله، ويتخلى المؤمن عن حياته كلها لله -سبحانه- يقول:

أقسمت يا نفس لتنزلنه *** لتنزلن أو لتكرهنه

إن أجلب الناس وشدوا الرنة *** ما لي أراك تكرهين الجنة؟

 

لأنكم أنتم الواثقون بتصرفاتهم، الذين لا يزعزع إيمانهم شيء، لا ترغيب ولا ترهيب مهما بلغا.

 

قلت ما سمعتم ولي ولكم..

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً -صلى الله عليه وسلم- الداعي إلى رضوانه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه، أما بعد:

 

أيها الناس: أنتم المبدعون المتقنون في أعمالهم، لأنكم تريدون ما يحبه الله الذي يحب الإتقان في كل شيء، صلاتكم متقنة، وزكاتكم موفاة، وحجكم مبرور، وصلتكم للأرحام متصلة ولو قطعتم؛ لأنكم أنتم المحفزون لأنفسهم ولمن حولهم بالرسائل الإيجابية؛ كإفشاء السلام، والابتسامة، والدعاء، وما أكثر ما حفّز النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه وأمّته خصوصاً وعموماً بالثواب والدرجات في الجنة؛ "يا بلال، سمعت دف نعليك في الجنة"، "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة... إلى آخر العشرة"، "طلحة شهيد يمشي في الأرض"، "الجنة تشتاق إلى أربعة: علي وعمار وسلمان وبلال"، "طوبى لمن آمن بي ورآني، وطوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني".

 

أنتم المتخطون للعقبات والمحن والآلام بالإيمان بالله -سبحانه-، تصيب أحدكم أعظم المصائب؛ فيقول: الحمد لله على كل حال.

 

هذا هو الإيمان الإيجابي؛ أما الإيمان السلبي؛ فهو الإيمان الخاوي، جسد بلا روح، ومنطق بلا عقل، لا ولاء لله عنده، ولا براء من غير الله، يذبح إخوانه المؤمنون؛ فلا يكترث، يموتون من الجوع؛ فلا يقدم قرشاً، تهان المقدّسات؛ فلا تطرف له عين، ومثل هذا الصنف قولوا لي بالله عليكم ما قيمة إيمانه؟ وما دور توحيده؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: "والله لا يؤمن من بات شبعان وجاره جائع بجانبه"، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "لا إيمان لمن لا أمانة له"، وقال الحسن البصري -رحمه الله-: "ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب، وصدّقه العمل".

 

عباد الله: الإيمان الإيجابي هو الوقود الذي يدفع المسلم ليكون عنصراً بناءً في مجتمعه، يزرع الفسيلة حتى في لحظات قيام الساعة، ويجمع بين التوكل الصادق على الله والعمل الدؤوب في الحياة.

 

(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56]، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاة"، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه؛ فإن صلاتكم معروضة علي".

 

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه.

 

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ.

 

اللهم أمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل هذا البلد آمناً مباركاً وجميع بلاد المسلمين.

 

اللَّهُمَّ إنَّا نَسْألُكَ مُوجِباتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزائِمَ مَغْفِرَتِكَ، والسَّلامَةَ مِنْ كُلِّ إثمٍ، والغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، والفَوْزَ بالجَنَّةِ، والنَّجاةَ مِنَ النَّارِ.

 

اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل بلادنا آمنةً مطمئنة وسائر بلاد المسلمين.

 

 

المرفقات

الإيمان الإيجابي.doc

الإيمان الإيجابي.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات