عناصر الخطبة
1/الاتعاظ بالمواقف سمة العقلاء 2/الحث على وجوب الحذر من الغفلة.اقتباس
ماضيك وسنوات عمرك السالفة؛ فيها الكثير من العبر والدروس؛ خصوصاً من قضى في حياته دهراً، وتعاقبت عليه الأحداث عمراً؛ فإن كان حكيمًا فسيضع الأمور في مواضعها، ولا يقدم على...
الخطبة الأولى:
الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71]، أما بعد:
معاشر المسلمين: جاء من حديث جابر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرَّ بالسوقِ فمرَّ بجَديٍ أَسَكٍّ ميتٍ فتناوله فأخذ بأُذُنِه ثم قال أيكم يحبُّ هذا له بدرهمٍ؟ فقالوا ما نحبُّ أنه لنا بشيءٍ وما نصنعُ به. قال أتحبّون أنه لكم؟ قالوا لا قال ذلك لهم ثلاثًا؛ فقالوا لا واللهِ لو كان حيًّا لكان عيبًا فيه أنه أَسَكٌّ (والأسَكُّ الذي ليس له أُذُنانِ) فكيف وهو ميتٌ قال: "فواللهِ، لَلدُّنيا أهونُ على اللهِ من هذا عليكم"(رواه مسلم).
وفي حديث خباب بن الأرت -رضي الله عنه- أنه قال: شكونا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ قال: "كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون"(رواه البخاري).
وعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، بسَبْيٍ، فإذا امرأة من السبيِ تسعى، إذ وجدتْ صبيًّا في السبي أخذتْه، فألزقته ببطنها، فأرضعته؛ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أترون هذه المرأة طارحةً ولدها في النار؟"، قلنا: لا والله، فقال: "لَلهُ أرحمُ بعباده من هذه بولدها"(متفق عليه).
هذه المواقف -يا عباد الله- استغلها النبي -صلى الله عليه وسلم- ليعظ بها أصحابه، ويعلّمهم أن يتعظوا بما يرون ويسمعون وبما يحصل لهم في حياتهم، فيستقوا منها دروساً لدنياهم وتنفعهم في أخراهم، وتنتفع بها أمته من بعده.
والدنيا -يا عباد الله- مليئة بالمواقف التي نمرّ بها، ولكن لا ينتبه لها إلا من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
عبد الله: ماضيك وسنوات عمرك السالفة؛ فيها الكثير من العبر والدروس؛ خصوصاً من قضى في حياته دهراً، وتعاقبت عليه الأحداث عمراً، فإن كان حكيمًا فسيضع الأمور في مواضعها، ولا يقدم على أمر إلا ولديه بصيرة تنير له الطريق، من حكيم إلا ذو تجربة، والمؤمن كيِّس فطِن، ليس بالخِبِّ ولا الخب يخدعه، كما أنه لا يُلدغ من مكان واحد مرة بعد مرة؛ لأن اللدغة الأولى تكفي للاستيقاظ لمن كان ذا عقل وبصيرة.
وما ورد في هذا السياق، قصة أبي عَزَّة الجمحي بعد غزوة بدر؛ حيث منّ عليه رسول -صلى الله عليه وسلم- وكان في الأسرى؛ لفقره، وكثرة بناته، على ألا يظاهر عليه أحداً، ولكنه نكث وغدر، فحرض الناس بشعره على النبي -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين..، وخرج لمقاتلتهم في أحد -؛ وكان من الأسرى مرة أخرى؛ فقال: يا محمد، أقلني، وامنُن علي، ودعني لبناتي، وأعطيك عهداً ألا أعود لمثل ما فعلت؛ فقال -صلى الله عليه وسلم-: "لا تمسح عارضيك بمكة بعدها وتقول: خدعت محمداً مرتين! لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين"؛ ثم أمر به فقُتل.
والاعتبار -أيها الأخوة- نوع من السعادة؛ قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "الشقي من اتعظ بذاته، والسعيد من اتعظ بغيره. وقراءة التاريخ والسير، والأمثال والقصص ليس المراد منها التسلية، والقضاء على الفراغ، بل المراد: نقل الصالح منها إلى واقع حيٍّ من القول والعمل، ولذلك فإن الله -تعالى- حينما يذكر في كتابه الكريم مواضع العبر والعظات كالقِصص القرآنية يختم ذلك ببيان أن المستفيد من تلك الآيات البينات هم أولو الألباب الذين أناروها بالتفكر، فربحوا بذلك الاعتبار الذي يحجز العاصي عن عصيانه، ويدفع المبطئ عن إبطائه في طاعة ربه كقوله -تعالى-: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)، وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى)، وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ)، وقوله: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)[الحشر: 2].
ولذلك كانت السور المكية غزيرة القصص القرآنية ترغيبا لقريش ليستمعوا لها وهي تتحدث عن أسلافهم الطغاة العتاة وما حل بهم، فلعلهم أن يتعظوا فيتركوا الاستمرار في سبيل الطغيان، والصد عن سبيل الرحمن.
والمتأمل في قصص أولئك الغابرين العاصين يجد أن الله يذيّل الله الآيات في ذلك بجملة مؤكدة تبين أن ما سبق من الخبر عمن غبر فيه عبرة لمن اعتبر، يقول -تعالى- في نهاية قصة فرعون في سورة النازعات: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى)[النازعات: 26]، وقال -تعالى- في نهاية سورة يوسف: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)[يوسف: 111].
والله قد قصّ علينا في القرآن قصصاً كثيرة فيها عبر، قص علينا من قصص الأنبياء، وقص علينا من قصص المكذبين، وقص علينا من قصص الأمم، والأفراد، والطوائف، قص علينا قصة مريم ولقمان، وذي القرنين وقارون، وأصحاب الكهف وأصحاب الفيل، وأصحاب الجنة وصاحب الجنتين، وأصحاب الأخدود، وقصة طالوت وجالوت وابني آدم وأصحاب السبت، وقصص الأنبياء -عليهم السلام- الكثيرة جداً في القرآن، وكذلك حدثنا ربنا عما حصل في الغزوات من بدر وأحد، وحنين وتبوك والأحزاب وبني قريظة، وما حصل في الهجرة والإسراء، وحادثة الإفك، والتحريم، ونحو ذلك، لماذا؟ حتى نتفكر فيها، هذه القصص للأمم والأنبياء؛ (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)[الأعراف: 176].
عباد الله: إن السادرين في غيهم، الذين لم يعتبروا بالعِبر، ولم يتعظوا بالغِير، سيؤدبهم الزمان القريب أو البعيد لا محالة، فالمنافقون لم تؤدبهم المصائب والفضائح في الدنيا؛ كما قال -تعالى-: (أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ)[التوبة:126]، والكفار الصرحاء لم يدّكروا بما جرى لأسلافهم، ولكن يوم القيامة يحضرهم الاعتبار في غير مكانه وزمانه، كما قال -تعالى-: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ)[الملك: 10-11]؛ (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ)[غافر: 84-85].
قلت ما سمعتم..
الخطبة الثانية:
الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، ذي الطول لا إلا هو إليه المصير، كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، أما بعد:
عباد الله: من خير ما شغلت به الأفكار والأعمار -يا عباد الله- التدبر والاعتبار، قالت أم الدرداء: كان أكثر عبادة أبي الدرداء -رضي الله عنه- التفكُّر.
وعجبت بمن أيقن بالموت ثم هو يفرح، وعجبت بمن أيقن بالنار ثم هو يضحك، وعجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب، وهذه الدار تحدثك عن أهلها، كما تحدثك القبور عما في بطونها.
إن لمن العجب أن ترى بعض الناس يضحك وهو من دقائق معدودة دفن قريباً له، أو فقد عزيزاً، وبعض الناس يبتلى بالأمراض وبعد شفائه يعود سريعاً لأسبابها، وبعض الناس يرى الناس قد جفوه بسوء خلقه ولا يسعى لتقويمه، وبعض الناس يسجن بخطيئة أو جريمة وبعد خروجه بدقائق أو ساعات يعود إليها، لماذا؟ يقول بعض السلف: إني لأجد أثر معصيتي في خلق دابتي وامرأتي.
عباد الله: أين التفكر؟ أين الاعتبار؟ أين السير في الأرض كما أمرنا الله؟ وأين النظر في السماء؟ وأين التأمل في النعم؟ وأين، وأين؟ نسأل الله -تعالى- أن يجعلنا من المتفكرين المتدبرين المتعظين.
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ.
اللهم أمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل هذا البلد آمناً مباركاً وجميع بلاد المسلمين.
اللَّهُمَّ إنَّا نَسْألُكَ مُوجِباتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزائِمَ مَغْفِرَتِكَ، والسَّلامَةَ مِنْ كُلِّ إثمٍ، والغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، والفَوْزَ بالجَنَّةِ، والنَّجاةَ مِنَ النَّارِ.
اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل بلادنا آمنةً مطمئنة وسائر بلاد المسلمين.
وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم