الاستغناء عن الناس

الشيخ عبدالسلام الشويعر

2026-03-13 - 1447/09/24 2026-03-26 - 1447/10/07
عناصر الخطبة
1/أهمية عزة النفس 2/حقيقة الاستغناء عن الناس 3/الافتقار إلى الله تعالى 4/وسائل تحقيق عزة النفس

اقتباس

إن حقيقة عزيز النفس مَن يكدح بيده، ويأكل من عرق جبينه، لا ينتظر من الناس إحساناً ولا منة. فليس عزيز النفس مَن جلس في بيته وأتبع نفسه هواها... وليس عزيز النفس مَن تعلقت نفسه بما في أيدي الناس، وأحب ما عندهم، وتعلَّق قلبه بزهرتهم....

الخطبةُ الأولَى:

 

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وتابعيهم وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71].

 

أما بعد عباد الله: فما مُدِح رجلٌ بمدحة بعد الدِّين أرفع من وصفه بعزة النفس وأَنَفَتِها، فهي خلَّة لا تكون إلا لعلية القوم، لا يرضى بالمهانة ولا يتعرض لأسبابها، وترتفع نفسه عن سفاسف الأمور، وقد قيل: "عزيز النفس لا يقدر على المهانة، والمهان لا يقدر ولا يرضى على عزة النفس".

 

عزة النفس ورفعتها هي صفة جعلها الله لعباده المؤمنين لامتثالهم أمره وإطاعتهم لشرعه، يقول الله -جل وعلا-: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)[المنافقون: 8]، فالمؤمن عزيز بإعزاز الله له، وإنما استمد عزته بنفسه باعتماده على ربه، واستغنائه به عما سواه، قال الحسن البصري: "عِزُّ المؤمنين الاستغناء عما في أيدي الناس".

 

فعزة النفس الحقيقية هي الاستغناء عن الناس، والاغتناء بالله -تعالى-، وليست عزة النفس هي التكبر على العباد، أو الترفع عما يفعلونه، فغاية العز وكمال الرفعة في الاستغناء عن الناس وعدم سؤالهم؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أتاني جبريل فقال: يا محمد، عِشْ ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس"(رواه الطبراني وغيره وهو حسن بشواهده).

 

فبيَّن جبريلُ -عليه السلام- للنبي -صلى الله عليه وسلم- أن عزة المؤمن باستغنائه عن الناس، وغناه بالله، وكلما استغنى العبد عما في أيدي الناس عزَّت نفسه أكثر، وعَظُم عزّه في أنفسهم؛ ففي سنن ابن ماجه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبوك".

 

عباد الله: لقد أثنى الله -جل وعلا- على مَن استغنى عن الخلق، وألقى حاجته بالله وحده ولو كان فقيراً محتاجاً، فقال -سبحانه-: (تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا)[البقرة: 273]؛ فعزيز النفس إذا أصابته فاقة أنزلها بالغني الجواد الكريم.

 

ومن استغنى عن الناس توكلاً عليه -سبحانه-، كفاه الله المؤنة؛ روى الشيخان أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن يستعفف يُعفّه الله، ومَن يستغني يُغنه الله، ومَن يتصبر يُصبّره الله".

 

عباد الله: لقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يُوصِي أصحابه كثيرًا بعدم سؤال الناس؛ لِمَا يورثه السؤال من المذلة، وفي تركه يكتسب عزة وأنفة وإباء؛ ففي صحيح مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي قال: كنا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال: "ألا تبايعون رسول الله"؛ فبسطنا أيدينا، وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلام نبايعك؟ قال: "على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، والصلوات الخمس، وتطيعوا"، وأسرَّ كلمة ولم يرفع بها صوته: "ولا تسألوا الناس شيئاً".

 

وروى الإمام أحمد (٢٧٧/٥) وأبو داود وابن ماجه (۱۸۳۷) بإسناد صحيح عن ثوبان -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن يتقبل لي بواحدة أتقبل له بالجنة"، فقال ثوبان: أنا، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "لا تسأل الناس شيئًا"؛ فامتثل الصحابة -رضي الله عنهم- هذا الأمر غاية الامتثال، قال عوف -رضي الله عنه-: "فلقد رأيتُ بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدًا يناوله إياه". وكان ثوبان يقع سوطُه وهو راكب فلا يقول لأحد ناولنيه، حتى ينزل فيأخذه.

 

وفي (المسند ١٧٢/٥) عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: دعاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "هل لك إلى بيعة ولك الجنة؟"، قلتُ: نعم وبسطتُ يدي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يشترط عليَّ أن لا تسأل الناس شيئاً، قلت: نعم، قال: "ولا سوطك أن يسقط منك حتى تنزل إليه فتأخذه".

 

بل أشد من ذلك: فإن الصحابة -رضي الله عنهم- نهوا عن السؤال حتى للأعمال الصالحة؛ روى ابن أبي شيبة (٥٢٣/٦) أن أبا هريرة -رضي الله عنه- قال: "إذا أردتَ الجهاد فلا تسأل الناس شيئاً". وكذا الحج، وغيره.

 

وأعز الناس نفساً وأغناهم بالله هم أنبياؤه -جل وعلا-، فلم يكونوا يسألون أحداً إلا الله؛ روى ابن أبي حاتم: أنه لما أرادوا أن يلقوا إبراهيم في النار ضجت عامة الخليقة إلى الله فقالوا: يا رب خليلك يلقى في النار، ائذن لنا فلنطفئ عنه، فقال -عز وجل-: "إن استعان بكم فأعينوه، وإن استغاث بكم فأغيثوه، وإلا فدعوه"، فلم يسأل أحداً إلا الله، فقال الله: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ)[الأنبياء: 68].

 

وروى الإمام أحمد في (الزهد 103) عن الحسن البصري قال: قال نبي الله -صلى الله عليه وسلم-: "رحم الله يوسف لولا كلمته ما لبث في السجن طول ما لبث؛ قوله: (اذكرني عند ربك)[يوسف: 42]"؛ أي: أن سؤاله أحداً من الخلق هو الذي أطال مكثه في السجن، ثم جعل الحسن يبكي، ويقول: "ونحن إذا نزل بنا أمر فزعنا إلى الناس".

 

عباد الله: إن عزة النفس تتحقق بأمرين:

(1) أحدهما: عمل المرء بيده، واشتغاله لنفسه، فلا يطلب من أحد شيئاً بل يستغني عنهم، وكان الإمام أحمد يمر بالسوق فإذا رأى من يبيع ويشتري قال: "ما أحسن الاستغناء عن الناس!"، وكان يقول: "الاستغناء عن الناس بطلب العمل، أعجب إلينا من الجلوس وانتظار ما في أيدي الناس"(الحث على التجارة للخلال: ص4).

 

إن حقيقة عزيز النفس مَن يكدح بيده، ويأكل من عرق جبينه، لا ينتظر من الناس إحساناً ولا منة.

فليس عزيز النفس مَن جلس في بيته وأتبع نفسه هواها، وفي حديث شداد بن أوس -رضي الله عنه- مرفوعًا: "العاجز مَن أتبع نفسه هواها وتمنى على الله"(رواه الترمذي وحسنه).

 

(2) والثاني: بالقناعة بما رُزِقَ المرء من متاع الدنيا، قال بشر بن الحارث: "لو لم يكن في القنوع إلا التمتع بالعز لكفي صاحبه".

 

قال الشافعي:

عزيز النفس من لزم القناعة *** ولم يكشف لمخلوقٍ قِنَاعه

أفادتني القناعة كل عزّ *** وأيّ غنًى أعز من القناعة؟!

 

ليس عزيز النفس مَن تعلقت نفسه بما في أيدي الناس، وأحب ما عندهم، وتعلَّق قلبه بزهرتهم؛ (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى)[طه: 131].

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى أثره ومن استن بسنته واهتدى بدعوته إلى يوم الدين.

 

أما بعد عباد الله: فاتقوا الله حق التقوى، وتمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذ في النار.

 

واعلموا -عباد الله- أن خير الكلام كلام الله -جل وعلا-، وخير الهدي هدي محمد بن عبد الله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

 

ثم صلوا وسلموا...

 

المرفقات

الاستغناء عن الناس.pdf

الاستغناء عن الناس.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات