الافتقار إلى الله

الشيخ عبدالله بن محمد البصري

2026-04-10 - 1447/10/22 2026-04-15 - 1447/10/27
التصنيفات: أحوال القلوب
عناصر الخطبة
1/افتقار الخلق التام إلى الله 2/أثر الافتقار في تحقيق العبودية 3/التذكير بضعف الإنسان 4/حاجة العبد إلى التعلق بالله واللجوء إليه.

اقتباس

إِنَّ الْإِحْسَاسَ بِعَجْزِ جَمِيعِ الْخَلْقِ وَافْتِقَارِهِمْ إِلَى اللَّهِ، إِنَّهُ الْمَبْدَأُ الَّذِي تَتَحَقَّقُ بِهِ الْعُبُودِيَّةُ لِلَّهِ -عز وجل-، وَبِهِ يَشْعُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّهُ وَإِنْ فُضِّلَ بِالْعَقْلِ؛ فَإِنَّهُ كَمِثْلِ الْمَخْلُوقَاتِ عَاجِزٌ عَنْ نَفْعِ نَفْسِهِ، مُفْتَقِرٌ لِمَدَدِ...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71]، أما بعد:

 

أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ -عز وجل-، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوهُ؛ (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)[الأنفال: 46].

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: تَتَعَدَّدُ فِي هَذَا الْوُجُودِ الْأَوَاصِرُ الَّتِي تَرْبِطُ بَيْنَ الْكَائِنَاتِ، وَتَتَنَوَّعُ الْعَلَائِقُ الَّتِي تَجْمَعُ الْخَلَائِقَ، نَوْعٌ يَجْمَعُ بَيْنَ أَفْرَادٍ مِنْ فَصِيلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأُبُوَّةٌ تَرْبِطُ بَيْنَ وَالِدٍ وَوَلَدِهِ، وَأُخُوَّةٌ تَرْبِطُ بَيْنَ أَخٍ وَأَخِيهِ، وَنَسَبٌ وَمُصَاهَرَةٌ تَرْبِطُ بَيْنَ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَالْأَقَارِبِ وَأَبْنَاءِ الْعَشِيرَةِ وَالْقَبِيلَةِ، وَثَمَّ أَوَاصِرُ فِكْرِيَّةٌ وَاعْتِقَادِيَّةٌ، تَرْبِطُ بَيْنَ الْبَشَرِ وَإِنْ تَبَاعَدَتِ الْأَوْطَانُ وَاخْتَلَفَتِ اللُّغَاتُ، كَآصِرَةِ الدِّينِ وَالْعَقِيدَةِ، وَأَوَاصِرِ الْأَفْكَارِ وَالْمَذَاهِبِ الَّتِي تَعُجُّ بِهَا الْأَرْضُ، وَلَكِنَّ هُنَاكَ عِلَاقَةً تَجْمَعُ بَيْنَ جَمِيعِ الْخَلَائِقِ فِي الْوُجُودِ، قَدْ لَا يَتَنَبَّهُ لَهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَقَدْ يَغْفَلُونَ عَنْهَا مَعَ كَثْرَةِ النِّعَمِ وَتَنَوُّعِهَا، وَيُنْسِيهِمْ إِيَّاهَا دَوَامُ الْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ وَطُولُ الْعَافِيَةِ، إِنَّهَا آصِرَةُ الْعَجْزِ وَالِافْتِقَارِ، إِذْ كُلُّ الْخَلْقِ مُفْتَقِرُونَ إِلَى اللَّهِ، وَلَا غِنَى لِأَحَدٍ مِنْهُمْ عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَحَتَّى الْإِنْسَانُ مَعَ كَوْنِهِ أَعْلَى مَخْلُوقَاتِ الْأَرْضِ مَنْزِلَةً وَمَكَانَةً، وَمَعَ مَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهِ وَفَضَّلَهُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَمَعَ مَا يَمْلِكُهُ مِنْ قُوَّةٍ وَعِزٍّ وَمُلْكٍ، فَإِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ عَاجِزٌ لَا يَمْلِكُ أَيَّ قُوَّةٍ ذَاتِيَّةٍ، مُفْتَقِرٌ إِلَى اللَّهِ الَّذِي خَلَقَهُ وَأَوْجَدَهُ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيهِ وَيُرَبِّيهِ، وَيُعَلِّمُهُ وَيُقَوِّيهِ وَيُعَافِيهِ، وَيُؤْتِيهِ مِنَ الْأَسْبَابِ مَا يَقْوَى بِهِ عَلَى عِمَارَةِ الْأَرْضِ وَيَحْفَظُهُ مِنَ الزَّوَالِ وَالْفَنَاءِ، وَيَحْمِيهِ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَالْأَدْوَاءِ وَالْأَعْدَاءِ، وَكَذَلِكَ هِيَ سَائِرُ الْمَخْلُوقَاتِ، فَكُلُّهَا عَاجِزَةٌ مُفْتَقِرَةٌ إِلَى اللَّهِ -تعالى- لِتَبْقَى وَلَا تَنْدَثِرَ وَتَتَلَاشَى.

 

إِنَّ الْإِحْسَاسَ بِعَجْزِ جَمِيعِ الْخَلْقِ وَافْتِقَارِهِمْ إِلَى اللَّهِ، إِنَّهُ الْمَبْدَأُ الَّذِي تَتَحَقَّقُ بِهِ الْعُبُودِيَّةُ لِلَّهِ -عز وجل-، وَبِهِ يَشْعُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّهُ وَإِنْ فُضِّلَ بِالْعَقْلِ؛ فَإِنَّهُ كَمِثْلِ الْمَخْلُوقَاتِ عَاجِزٌ عَنْ نَفْعِ نَفْسِهِ، مُفْتَقِرٌ لِمَدَدِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَمِنْ ثَمَّ فَلَا مُوجِبَ لِلطُّغْيَانِ وَالِاسْتِعْلَاءِ وَالِافْتِخَارِ، وَلَا مَجَالَ لِلِاسْتِنْكَافِ وَالتَّوَلِّي وَالِاسْتِكْبَارِ، وَكَيْفَ يَطْغَى مَنْ يُدْرِكُ كُلَّ الْإِدْرَاكِ أَنَّ مَا بِهِ مِنْ قُوَّةٍ وَجَاهٍ وَسُلْطَانٍ، إِنَّمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ خَالِقِهِ وَمَوْلَاهُ، وَأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَزُولَ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ وَيَذْهَبَ فِي لَمْحَةِ بَصَرٍ، وَأَنَّ شُعْلَةَ حَيَاتِهِ قَدْ تَخْمُدُ وَهِيَ فِي غَايَةِ تَوَقُّدِهَا، وَتَنْطَفِئُ وَهِيَ فِي شَدِيدِ تَوَهُّجِهَا، وَحِينَئِذٍ فَلَنْ يُغْنِيَ عَنْهُ الشُّعُورُ بِالِاسْتِعْلَاءِ شَيْئًا، وَلَنْ يَجْلِبَ لَهُ الْكِبْرُ نَفْعًا وَلَنْ يَدْفَعَ عَنْهُ ضُرًّا؛ فَمَا أَحْرَاهُ أَنْ يَقْرَأَ بِتَأَمُّلٍ قَوْلَ رَبِّهِ -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ)[الحج: 73]؛ فَأَعْتَى الظَّلَمَةِ الْعُتَاةِ، وَأَقْوَى الْمَرَدَةِ وَأَطْغَى الطُّغَاةِ، هُمْ فِي الضَّعْفِ مَعَ الذُّبَابِ الَّذِي نَحْسِبُهُ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ.

 

أَلَا؛ فَمَا أَجْدَرَ الْمُسْلِمَ خَاصَّةً وَقَدْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِمَعْرِفَتِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ وَتَصْدِيقِ رَسُولِهِ، أَنْ يَسْتَشْعِرَ مِنْ أَعْمَاقِ قَلْبِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فِي وَسَطِ هَذَا الْكَوْنِ الْوَاسِعِ، وَأَنَّهُ مُشْتَرِكٌ مَعَ كُلِّ الْخَلَائِقِ فِي الِافْتِقَارِ إِلَى رَبِّهِ فِي كُلِّ دَفْقَةِ دَمٍ تَجْرِي فِي عُرُوقِهِ، وَفِي كُلِّ شَرْبَةِ مَاءٍ تَبُلُّ كَبِدَهُ، أَوْ لُقْمَةِ طَعَامٍ تُقِيمُ أَوَدَهُ، أَوْ نَسَمَةِ هَوَاءٍ يَتَنَفَّسُهَا وَتَدْخُلُ فِي جَوْفِهِ وَتَخْرُجُ مِنْهُ بِانْسِيَابٍ؛ فَإِنَّهُ إِنِ اسْتَشْعَرَ ذَلِكَ ذَاقَ لَذَّةَ الْعُبُودِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ لِرَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَخَشَعَتْ نَفْسُهُ وَدَمَعَتْ عَيْنُهُ، وَلَهَجَ لِسَانُهُ بِذِكْرِ اللَّهِ وَشُكْرِهِ، وَبَالَغَ فِي دُعَائِهِ وَرَجَائِهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَتَذَلَّلَ فِي مِحْرَابِ الْخُضُوعِ لِلَّهِ وَالْخَوْفِ مِنْهُ، فَازْدَادَ بِذَلِكَ رِفْعَةً وَشَرَفًا؛ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ * وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ)[فاطر: 15-18]، (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ)[الانفطار: 6-8].

 

أَجَلْ -أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ- مَنْ عَرَفَ قَدْرَ نَفْسِهِ، وَأَنَّهُ مَهْمَا بَلَغَ فِي الْجَاهِ وَالسُّلْطَانِ وَالْمَالِ؛ فَهُوَ عَاجِزٌ ضَعِيفٌ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا؛ تَصَاغَرَتْ نَفْسُهُ عِنْدَ ذَلِكَ وَذَهَبَ كِبْرِيَاؤُهُ، وَذَلَّتْ جَوَارِحُهُ وَعَظُمَ افْتِقَارُهُ لِمَوْلَاهُ، قَالَ -تعالى-: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ)[الطارق: 5-10]، وَمَنْ كَبُرَتْ لَدَيْهِ نَفْسُهُ، أَوْ رَأَى فِي دَاخِلِهِ تَعَاظُمًا وَتَكَبُّرًا؛ فَلْيَتَخَيَّلْ أَنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ وَلَمْ يَمُرَّ عَلَى هَذِهِ الدُّنْيَا، فَمَاذَا كَانَ وَمَاذَا عَسَاهُ أَنْ يَكُونَ؟! أَلَمْ تَمْضِ أَزْمَانٌ طَوِيلَةٌ قَبْلَ وُجُودِنَا وَالْكَوْنُ هُوَ الْكَوْنُ وَالنَّاسُ هُمُ النَّاسُ؟!

 

أَلَسْنَا نَرَى النَّاسَ يَمُوتُونَ بَيْنَ أَيْدِينَا وَالدُّنْيَا قَائِمَةٌ لَمْ يَخْتَلَّ نِظَامُهَا بِمَوْتِ أَحَدٍ أَوْ تَتَبَعْثَرَ نُجُومُهَا لِرَحِيلِهِ؟! إِنَّهَا وَاللَّهِ لَحَقِيقَةٌ يَجِبُ أَنْ نَتَذَكَّرَهَا لِنَعْرِفَ قَدْرَ أَنْفُسِنَا وَضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا وَقِلَّةَ حِيلَتِنَا؛ فَنَخْضَعَ لِرَبِّنَا وَنَتَوَاضَعَ لِلْخَلْقِ، قَالَ -تعالى-: (أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا)[مريم: 67]، وَقَالَ -تعالى-: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا)[الإنسان: 1].

 

أَلَا فَلْنَتَّقِ اللَّهَ -أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ- وَلْنَعْلَمْ أَنَّ لَذَّةَ الْحَيَاةِ وَمُتْعَةَ الدُّنْيَا، وَبَرَكَةَ الْعُمُرِ وَجَمَالَ الْعَيْشِ، وَرَاحَةَ النَّفْسِ وَطُمَأْنِينَةَ الْقَلْبِ، إِنَّمَا هِيَ فِي شُعُورِ الْإِنْسَانِ بِفَقْرِهِ إِلَى خَالِقِهِ وَمَوْلَاهُ، وَدَوَامِ احْتِيَاجِهِ إِلَيْهِ فِي كُلِّ حَالٍ وَحِينٍ، وَيَقِينِهِ أَنَّهُ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ فَقْرًا عَامًّا تَامًّا مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ، فِي إِيجَادِهِ ابْتِدَاءً، وَفِي إِمْدَادِهِ بِكُلِّ مَا يُصْلِحُ أَحْوَالَهُ، وَفِي هِدَايَتِهِ وَتَوْفِيقِهِ، وَفِي تَعْلِيمِهِ مَا يَنْفَعُهُ، وَفِي تَرْبِيَتِهِ وَتَزْكِيَةِ أَخْلَاقِهِ، وَفِي دَوَامِ أَمْنِهِ وَاسْتِقْرَارِهِ، وَفِي سَلَامَتِهِ وَحِفْظِهِ مِنْ كُلِّ سُوءٍ، وَفِي تَفْرِيجِ كُرُبَاتِهِ وَإِزَالَةِ عُسْرِهِ، وَفِي حُبِّهِ لِرَبِّهِ وَحُبِّ رَبِّهِ لَهُ، وَفِي عِبَادَتِهِ إِيَّاهُ، وَعِصْمَتِهِ لَهُ مِنْ إِضْلَالِ الشَّيْطَانِ وَإِغْوَائِهِ؛ (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ)[الأنعام: 133]، (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا)[النساء: 83]، (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)[النور: 21].

 

 

الخطبة الثانية:

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ -تعالى- وَأَطِيعُوهُ وَلَا تَعْصُوهُ، وَاشْكُرُوهُ وَاذْكُرُوهُ وَلَا تَكْفُرُوهُ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الضَّعْفَ وَالِافْتِقَارَ جِبِلَّةٌ فِي أَصْلِ الْإِنْسَانِ، وَحَقِيقَةُ ذَلِكُمُ الِافْتِقَارِ أَنْ يُجَرِّدَ الْعَبْدُ قَلْبَهُ مِنْ كُلِّ حُظُوظِهِ وَأَهْوَائِهِ، وَأَنْ يُقْبِلَ بِكُلِّيَّتِهِ عَلَى رَبِّهِ مُتَذَلِّلًا بَيْنَ يَدَيْهِ، مُسْتَسْلِمًا لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، مُعَلِّقًا قَلْبَهُ بِمَحَبَّتِهِ وَطَاعَتِهِ، غَيْرَ مُغْتَرٍّ بِمَا لَدَيْهِ وَمَا هُوَ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ مَهْمَا مَلَكَ فَهُوَ فَقِيرٌ، وَمَهْمَا تَعَاظَمَ فَهُوَ ضَئِيلٌ، وَمَهْمَا تَطَاوَلَ فَهُوَ هَزِيلٌ، وَمَهْمَا طَالَ عُمُرُهُ فَهُوَ قَصِيرٌ، وَمَهْمَا قَوِيَتْ حِيلَتُهُ فَهُوَ كَلِيلٌ، وَمَهْمَا أُوتِيَ مِنَ الْعِلْمِ فَهُوَ قَلِيلٌ، وَمَنْ لَمْ يَتَشَرَّبْ قَلْبُهُ حَقِيقَةَ فَقْرِهِ وَيَشْعُرْ بِشِدَّةِ حَاجَتِهِ وَعَظِيمِ فَاقَتِهِ لِخَالِقِهِ وَمَوْلَاهُ، فَلَنْ يَعْرِفَ لِلْعُبُودِيَّةِ مَعْنًى، وَلَنْ يَجِدَ لِلسَّعَادَةِ طَعْمًا، وَهُوَ عَنِ الْبَصِيرَةِ أَعْمَى.

 

أَلَا فَمَا أَفْقَرَنَا إِلَى اللَّهِ -تعالى- فِي هِدَايَتِنَا وَصَلَاحِ قُلُوبِنَا، وَاسْتِقَامَةِ أَحْوَالِنَا وَزَكَاءِ أَعْمَالِنَا، وَفِي صَلَاحِ أَبْنَائِنَا وَسَلَامَةِ أَبْدَانِنَا، وَفِي دَوَامِ أَرْزَاقِنَا وَاسْتِتْبَابِ أَمْنِنَا فِي أَوْطَانِنَا، وَمَا أَفْقَرَنَا إِلَى عَفْوِ رَبِّنَا وَرَحْمَتِهِ فِي دُنْيَانَا وَأُخْرَانَا؛ فَلْنَعْرِفْ لِرَبِّنَا حَقَّهُ، وَلْنُقِرَّ بِإِحْسَانِهِ وَفَضْلِهِ، وَلْنَتَبَرَّأْ مِنْ كُلِّ حَوْلٍ وَقُوَّةٍ إِلَّا بِهِ؛ فَمَا اسْتُجْلِبَتْ رَحَمَاتُهُ وَلَا اسْتُمْطِرَتْ خَيْرَاتُهُ بِمِثْلِ الِافْتِقَارِ إِلَيْهِ وَالِانْكِسَارِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَبِقَدْرِ افْتِقَارِ عِبَادِهِ إِلَيْهِ يَكُونُ قُرْبُهُمْ مِنْهُ، قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ"(رواه مسلم).

 

فَيَا -أَيُّهَا الْمُسْلِمُ- فَرِّغْ قَلْبَكَ لِرَبِّكَ وَتَعَلَّقْ بِخَالِقِكَ، وَنَادِ مَوْلَاكَ يَسْتَجِبْ لَكَ، إِنْ أَصَابَكَ ضُرٌّ أَوْ كَرْبٌ فَقُلْ يَا اللَّهُ، وَإِنْ أَصَابَكَ هَمٌّ أَوْ غَمٌّ فَقُلْ يَا اللَّهُ، وَإِنْ تَعَسَّرَ عَلَيْكَ أَمْرٌ فَقُلْ يَا اللَّهُ، وَإِنْ تَرَاكَمَتْ عَلَيْكَ دُيُونٌ فَقُلْ يَا اللَّهُ، وَإِنْ كَثُرَتْ ذُنُوبُكَ فَقُلْ يَا اللَّهُ، وَإِنِ اشْتَدَّتْ أَمْرَاضُكَ فَقُلْ يَا اللَّهُ؛ (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ)[النمل: 62]، (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ)[يوسف: 86]، (وَمَنْ لَكُمْ يَا عِبَادَ اللَّهِ غَيْرُ اللَّهِ)، (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ)[الإسراء: 67].

 

وَصَلُّوا عَلَى صَاحِبِ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ وَالْحَوْضِ الْمَوْرُودِ؛ فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَقَالَ -عز وجل-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

المرفقات

الافتقار إلى الله.doc

الافتقار إلى الله.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات