الحج والعشر: مواسم التوحيد والطاعة

الشيخ عروة عكرمة صبري

2026-05-15 - 1447/11/28 2026-05-17 - 1447/11/30
التصنيفات: الحج
التصنيفات الفرعية: عشر ذي الحجة
عناصر الخطبة
1/دروس وعبر من رحلة الحج العظيمة 2/بعض المعاني الإيمانية في شعائر الحج 3/الحث على اغتنام العشر الأول من ذي الحجة

اقتباس

إنَّ السعيَ بين الصفا والمروةِ يذكِّرُنا بأُمِّنا هاجرَ، زوجِ إبراهيمَ -عليه السلام-، التي سَعَتْ بين الصفا والمروةِ تبحثُ عن شربةِ ماءٍ لولدِها إسماعيلَ -عليه السلام-. سعتْ تبحثُ عن الماءِ بإخلاصٍ ويقينٍ، في أرضٍ قاحلةٍ شديدةِ الحرارةِ. وهذا...

الخطبة الأولى:

 

إِنَّ الحمدَ للهِ، نحمدُه ونستعينُه ونستهديهِ ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفسِنا وسيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِهِ اللهُ فهو المهتدي، ومَن يُضلِلْ فلن تجدَ له وليًّا مرشدًا.

 

الحمدُ للهِ الذي شرعَ لنا الحجَّ تزكيةً للنفوسِ، وتطهيرًا للذنوبِ. الحمدُ للهِ الذي أكرمَنا بخيرِ أيامِ الدنيا: العشرِ الأوائلِ مِن ذي الحجةِ. الحمدُ للهِ الذي مَنَّ على مَن حجَّ بيتَه بالطوافِ والسعيِ والوقوفِ بعرفاتَ.

 

إِلَيْكَ إِلَهِي قَدْ أَتَيْتُ مُلَبِّيَا *** فَبَارِكْ إِلَهِي حَجَّتِي وَدُعَائِيَا

قَصَدْتُكَ مُضْطَرًّا، وَجِئْتُكَ بَاكِيَا *** وَحَاشَاكَ رَبِّي أَنْ تَرُدَّ بُكَائِيَا

كَفَانِي فَخْرًا أَنَّنِي لَكَ عَابِدٌ *** فَيَا فَرْحَتِي إِنْ صِرْتُ عَبْدًا مُوَالِيَا

 

وأشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ، إمامُ المتقين، وقدوةُ العلماءِ العاملينَ، وأُسوةُ الدعاةِ الصادقينَ إلى يومِ الدينِ.

 

اللهمَّ صلِّ على سيدِنا محمدٍ في الأولينَ، وصلِّ عليه في الآخرينَ، وصلِّ عليه في الملأِ الأعلى إلى يومِ الدينِ.

 

فَاحَ الْعَبِيرُ إِذَا ذَكَرْتُ مُحَمَّدَا *** وَالنُّورُ أَشْرَقَ وَالظَّلَامُ تَبَدَّدَا

صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ يَا عَلَمَ الْهُدَى *** مَا طَارَ طَيْرٌ في السَّمَاءِ وَغَرَّدَا

صَلُّوا عَلَى خَيْرِ الْبَرِيَّةِ إِنَّهُ *** خَيْرُ الْعِبَادِ وَخَيْرُ مَنْ قَدْ وَحَّدَا

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ:102].

 

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِن نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النِّسَاءِ:1].

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأَحْزَابِ:70-71].

 

أمَّا بعدُ: فيقولُ اللهُ -سبحانه وتعالى- في مُحكَمِ كتابِهِ العزيزِ: (وَأَذِّن في النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ)[الحَجِّ:27-28].

 

عبادَ اللهِ: يتوجَّهُ حجاجُ بيتِ اللهِ الحرامِ في هذه الأيامِ إلى الديارِ الحجازيةِ لأداءِ مناسكِ الحجِّ، وهم في شوقٍ إلى الطوافِ بالبيتِ العتيقِ، والسعيِ بين الصفا والمروةِ، ويستعدُّون للمشهدِ العظيمِ في يومِ عرفةَ؛ أملًا ورجاءً في مغفرةِ ذنوبِهم، وقَبولِ حجِّهم. فنسألُ اللهَ -سبحانه وتعالى- لحُجَّاجِنا قَبولَ أعمالِهم، وأن ييسِّرَ حجَّهم، وأن يعودوا إلى ديارِهم سالمينَ غانمينَ، مقبولينَ مغفورًا لهم.

 

أيُّها المسلمون: إنَّ رحلةَ الحجِّ إلى بيتِ اللهِ الحرامِ فيها العديدُ مِن الدروسِ والعبرِ، التي لا بدَّ أن نقفَ عندَها؛ فعبادةُ الحجِّ ترتبطُ ابتداءً بأذانِ سيدِنا إبراهيمَ -عليه السلام- بالحجِّ، ورفعِ القواعدِ مِن البيتِ. قال اللهُ -تعالى-: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)[البَقَرَةِ:127-128].

 

فكان بناءُ الكعبةِ المشرفةِ لعبادةِ اللهِ وحدَه، ولتكونَ رمزًا للتوحيدِ، وللتحرُّرِ مِن الشركِ والوثنيةِ والأفكارِ الباطلةِ. فدعوةُ إبراهيمَ -عليه السلام- دعوةٌ ربانيةٌ صافيةٌ مِن الشوائبِ والشُّبُهاتِ؛ ولذلك لا يُقبَلُ أن تُنسَبَ إليه الدعواتُ الباطلةُ مِن الإبراهيميةِ المعاصِرةِ، ونحوِها مِن الدعواتِ المشبوهةِ؛ فإبراهيمُ -عليه السلام- أبو الأنبياءِ، وعقيدتُهم توحيدُ اللهِ -سبحانه-، وهم برآءُ ممَّا يُنسبُ إليهم زورًا وبهتانًا مِن الدعواتِ الخبيثةِ التي تحاولُ العبثَ بمبادئِ الدينِ الحنيفِ.

 

عبادَ اللهِ: يبدأُ الحاجُّ أعمالَ الحجِّ بالإحرامِ؛ حيثُ يتجرَّدُ مِن المخيطِ مِن الثيابِ، ومِن مظاهرِ الترفِ، وهذا فيه تزهيدٌ في الدنيا، وفيه تذكيرٌ بأنَّ الإنسانَ سوف يفارقُ هذه الدنيا في يومٍ مِن الأيامِ، تاركًا خلفَه متاعَها الزائلَ، مُدرَجًا في أكفانِهِ، مقبِلًا على ربِّهِ. ويقترنُ إحرامُه بالتلبيةِ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ".

 

هذه التلبيةُ تتجلَّى فيها معاني التوحيدِ الخالصِ للهِ -سبحانه وتعالى-، وتحملُ في معانيها استعدادَ المسلمِ لتلبيةِ نداءِ اللهِ؛ حيث يدعو المسلمَ للقيامِ بواجباتِهِ الشرعيةِ، فلا يتأخر عن تلبيةِ النداءِ، ويكون في الموضعِ الذي يحبُّ اللهُ -سبحانه- أن يراهُ فيه.

 

أيُّها المسلمون: إنَّ الطوافَ بالكعبةِ المشرَّفةِ لَيؤكِّدُ أنَّ المسلمَ يدورُ في دائرةِ الإسلامِ العظيمِ، فلا يخرجُ عن أحكامِهِ ومبادئِهِ. يطوفُ الحاجُّ مع إخوانِهِ المؤمنينَ مِن مختلفِ البلادِ في مشهدٍ مهيبٍ، تتجلَّى فيه معاني الأُخُوَّةِ الإيمانيةِ، ويتساوى فيه الجميعُ في عبادةِ اللهِ. فهذا الاجتماعُ على الطاعةِ حريٌّ أن يجمعَ المسلمينَ، ويوحِّدَهم لمواجَهةِ التحدياتِ التي تواجهُ الأمةَ الإسلاميةَ، وتدفعَهم إلى معالجةِ قضاياهم المصيريةِ، ومنها قضيةُ المسجدِ الأقصى المبارَكِ.

 

أيُّها المسلمون: إنَّ السعيَ بين الصفا والمروةِ يذكِّرُنا بأُمِّنا هاجرَ، زوجِ إبراهيمَ -عليه السلام-، التي سَعَتْ بين الصفا والمروةِ تبحثُ عن شربةِ ماءٍ لولدِها إسماعيلَ -عليه السلام-. سعتْ تبحثُ عن الماءِ بإخلاصٍ ويقينٍ، في أرضٍ قاحلةٍ شديدةِ الحرارةِ. وهذا يدلُّ على أنَّ المسلمَ عليه أن يسعى ويعملَ، ولا ييأسَ ولا يستسلمَ للواقعِ الصعبِ الذي يعيشُه؛ فالمسلمُ يتمتَّعُ بروحٍ إيجابيةٍ، يعملُ ويَجِدُّ في عملِهِ لتحقيقِ أهدافِهِ، ومع وجود السعيِ والتوكلِّ على اللهِ، وإخلاصِ النيةِ، يكونُ العطاءُ؛ فأمُّنا هاجرُ كانت تسعى للحصولِ على شربةِ ماءٍ، فكان عطاءُ اللهِ لها وللبشريةِ مِن بعدِها عينَ ماءِ زمزم، تسقي ملايينَ البشرِ على مدارِ مئاتِ السنين؛ فكان هذا بسببِ يقينِها باللهِ، وإخلاصِها، وسعيِها الجادِّ. وهذا لا يُعدُّ غريبًا في حقِّها؛ فعندما أمرَ اللهُ -سبحانه- إبراهيمَ -عليه السلام- بالسفرِ للدعوةِ، ومغادرةِ أهلِهِ، تركَها وابنَها إسماعيلَ -عليه السلام- وحدَها في مكةَ، حيثُ لم يكن يسكنُها أحدٌ سواهما. فقالتْ له: "آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟" قال: "نَعَمْ". قالتْ: "إِذَنْ لَا يُضَيِّعُنَا اللهُ".

 

وأُمُّنا هاجرُ ضربتْ مثالًا للأمِّ الحريصةِ على أبنائِها بسعيِها الشديدِ، وتضحيتِها مِن أجلِهم، إدراكًا منها لمسؤوليةِ الأمِّ تجاهَ أبنائِها، ولمعرفتِها بأهميةِ واجبِ الأمومةِ، والتي تستحق من أجله أن تكون الجنةُ تحتَ أقدامِها، ولذلك ينبغي أن نذكِّرَ بشرفِ هذا الواجبِ، وأن لا نقلِّلَ مِن شأنِهِ، وأن نواجهَ الحملاتِ التي تحاولُ أن تصرفَ الأمَّ عن هذا الواجبِ المقدَّسِ، وتُزيِّنَ في نظرِها قِيَمًا أخرى.

 

أيُّها المسلمون: إنَّ أعظمَ مناسكِ الحجِّ الوقوفُ بعرفةَ؛ "فالحجُّ عرفةُ". في هذا اليومِ يتجلَّى اللهُ لعبادِهِ، ويباهي بهم الملائكةَ. فعن عائشةَ -رضي اللهُ عنها-، أنَّ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- قال: "مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ"، وعن أبي هريرةَ -رضي اللهُ عنه- قال: قال رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: "إِنَّ اللهَ يُبَاهِي بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ أَهْلَ السَّمَاءِ فَيَقُولُ لَهُمُ انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي جَاءُونِي شُعْثًا غُبْرًا".

 

هذا اليومُ هو يومُ الدعاءِ والتضرعِ إلى اللهِ -سبحانه-. وقد قال النبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: "خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".

 

ويومُ عرفةَ هو اليوم الذي عرف الله به عباده قبل خلقهم، وهم في عالم الذر، يقول -سبحانه وتعالى-: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)[الأَعْرَافِ:172].

 

فكان الإيمانُ باللهِ -سبحانه وتعالى- فطرةَ الخلقِ أجمعين؛ فتوحيدُ اللهِ -سبحانه- هو الأصلُ في معتقَدِ الإنسانِ وفطرتِهِ، قبلَ أن تكون الملوِّثاتُ الفكريةُ التي تصرفُ الناسَ عن فطرتِهم؛ فالشركُ باللهِ والإلحادُ به على خلافِ الفطرةِ السليمةِ التي خلقَ اللهُ الناسَ جميعًا عليها؛ فعن أبي هريرةَ -رضي اللهُ عنه- قال: قال رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: "مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ".

 

عبادَ اللهِ: وبعدَ الوقوفِ بعرفةَ تكونُ الإفاضةُ إلى المزدلفةِ؛ لينتقلَ الحاجُّ مِن ذِكرِ اللهِ إلى ذِكرٍ للهِ في المشعرِ الحرامِ، وهذا مِن توفيقِ اللهِ -سبحانه- للعبدِ أن ينتقلَ مِن طاعةٍ إلى طاعةٍ أخرى. ويُعدُّ هذا مِن علاماتِ قَبولِ العملِ: أن تُيسَّرَ للعبدِ الطاعةُ بعد الطاعةِ، ولا بدَّ للعبدِ أيضًا أن يحرصَ على طاعةِ اللهِ، وأن يتعاهدَ نفسَه، فلا تفتر نفسُه، ولا تركن إلى العملِ القليلِ، بل عليه أن يجتهدَ، ويذكِّرَ نفسَه وغيرَه بالاستمرارِ في الطاعاتِ والأعمالِ الصالحةِ.

 

عبادَ اللهِ: ثم ينتقلُ الحُجَّاجُ إلى مِنًى لرميِ الجمارِ، في دلالة على مقاومةِ وساوسِ الشيطانِ؛ فحتى يستقيمَ العبدُ على طاعةِ اللهِ، فإنَّه لا بدَّ له مِن إغلاقِ طُرُقِ الشيطانِ على نفسِهِ، وهذا بحاجةٍ إلى متابَعةٍ؛ فالرميُ المتكررُ للجمارِ سبعًا يدلُّ على ضرورةِ معاهَدةِ النفسِ، وعدمِ الغفلةِ؛ لأنَّ وساوسَ الشيطانِ لا تتوقفُ، وإذا كنا نريدُ قهرَ وساوسِ الشيطانِ في الحجِّ، فنحن نريدُ أيضًا أن نربِّيَ أنفسَنا على الاستقامةِ مِن خلالِ مواظبتِنا على أداءِ صلواتِنا، التي نكرِّرُ فيها في كلِّ صلاةٍ سورةَ الفاتحةِ بآياتِها السبعِ، تالينَ قولَه -تعالى-: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)[الفَاتِحَةِ:6].

 

نفعَني اللهُ وإيَّاكم بالقرآنِ العظيمِ، وبما فيه مِن الآياتِ والذكرِ الحكيمِ، واستغفروه، إنَّه هو الغفورُ الرحيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على رسولِهِ الأمينِ، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ أجمعين، ومَن تبعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ.

 

أمَّا بعدُ، فيا عبادَ اللهِ: بعدَ أيامٍ قليلةٍ نستقبلُ أفضلَ أيامِ اللهِ -تعالى-؛ إنَّها العشرُ الأوائلُ مِن شهرِ ذي الحجةِ، هذه الأيامُ التي قال عنها النبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: "مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ". فقالوا: يا رسولَ اللهِ، ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ؟ فقال -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: "وَلَا الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ".

 

فاجتهِدوا في الأعمالِ الصالحةِ في هذه الأيامِ، مِن الصلاةِ، والذكرِ، وقراءةِ القرآنِ، والصدقةِ، وتفقُّدِ الفقراءِ والمحتاجين، وشدِّ الرحالِ إلى المسجدِ الأقصى المباركِ، وعمارتِهِ بالعباداتِ والطاعاتِ.

 

كما يُسنُّ الصيامُ في هذه الأيامِ، وخاصةً صومَ يومِ عرفةَ؛ فعن أبي قتادةَ -رضي اللهُ عنه- أنَّ النبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- قال: "صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ".

 

فنسألُ اللهَ -سبحانه- أن يعينَنا على طاعتِهِ في هذه الأيامِ، وأن يرزقَنا القبولَ والإخلاصَ في القولِ والعملِ.

 

اللهمَّ يسِّرْ للحُجَّاجِ حَجَّهم، وتقبَّلْ منهم. اللهمَّ اجعلْ حجَّهم مبرورًا، وذنبَهم مغفورًا، وأعدْهم إلى أهليهم سالمينَ غانمينَ مأجورينَ.

 

اللهمَّ احفظْ لنا المسجدَ الأقصى المباركَ مِن كلِّ سوءٍ، واجعلْه عامرًا بالإسلامِ والمسلمينَ. اللهمَّ واكتبْ لنا فيه أجرَ المرابطينَ إلى يومِ الدينِ.

 

اللهمَّ ارزقْنا علمًا نافعًا، وقلبًا خاشعًا، ولسانًا ذاكرًا، وعملًا صالحًا متقبَّلًا.

 

اللهمَّ ارحمِ المستضعَفين والمظلومين في كلِّ مكانٍ، وارفعِ البلاءَ عنهم يا ربَّ العالمين.

 

اللهمَّ اجبرْ كسرَنا، وارحمْ ضعفَنا، واكشفْ غمَّتَنا، ونفِّسْ كربتَنا، يا حيُّ يا قيومُ، برحمتِكَ نستغيثُ.

 

اللهمَّ أَصلِحْ لنا شأنَنا كلَّه، ولا تَكِلْنا إلى أنفسِنا طرفةَ عينٍ.

 

اللهمَّ ارحمْنا فإنَّكَ بنا راحمٌ، ولا تعذِّبْنا فإنَّكَ علينا قادرٌ، والطفْ بنا فيما جرتْ به المقاديرُ.

 

عبادَ اللهِ: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[النَّحْلِ:90].

 

اذكروا اللهَ العظيمَ يَذكُرْكم، واشكروه على نعمِهِ يزدْكم، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وأقمِ الصلاةَ، يرحمْكَ اللهُ.

 

 

المرفقات

الحج والعشر مواسم التوحيد والطاعة.doc

الحج والعشر مواسم التوحيد والطاعة.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات