عناصر الخطبة
1/فوائد التكنولوجيا والتقنيات الحديثة 2/للوسائل أحكام المقاصد 3/ضوابط الاستفادة من الذكاء الاصطناعي 4/أبرز أضرار تقنيات الذكاء الاصطناعي 5/استخدام الذكاء الاصطناعي في أبواب الخيرات.اقتباس
هنيئًا لمَن جعلَ هذهِ التقنياتِ طاعةً تُقرِّبُهُ من ربِّهِ، ويا حسرةً على مَن جرّتهُ إلى معصيتِهِ، ألا فلنُسخرها للخيرِ العامِ؛ في الدعوةِ والتعليمِ، والبحثِ، وخدمةِ القرآنِ والسنةِ، وقضاءِ حوائجِ الناسِ....
الخطبةُ الأولَى:
الْحمدُ لِلَّهِ؛ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ، فصلَّى اللهُ وسلَّمَ عَلَيْهِ تَسْلِيْمَاً كثيراً.
أمَّا بَعْدُ: (فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[المائدة: 100].
أيُّها المؤمنونَ: نِعَمُ اللهِ علينا عظيمةٌ، ومِن نِعَمِهِ الجديدةِ العجيبةِ نعمةُ التقنيةِ الإلكترونيةِ؛ فقد سهّلَتْ وقرَّبَتْ ووفَّرَتْ، فاللهم أوزعنا أن نشكرَ نِعمَكَ. وأما تقنياتُ الذكاءِ الاصطناعيِّ فمُبهِرةٌ كأنها السحرُ في إتقانِها، وهيَ سلاحٌ ذو حدَّينِ؛ نَعَمْ! تُيَسِّرُ المعارفَ، وتُعَجِّلُ المصالحَ، لكنها -إن أُسِيءَ استعمالُها- فتحَتْ أبوابًا من الفسادِ الدينيِ والخُلُقيِّ والمعرفي والأمني.
والشرعُ المطهَّرُ الذي جاءَ بحفظِ الدينِ والعقلِ والمالِ والعِرضِ، قد جعلَ للوسائلِ أحكامَ المقاصدِ، فإذا صلُحتِ النياتُ والمقاصدُ صارتِ الأعمالُ الدنيويةُ قُرَبًا، بدليلِ قولِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ"(متفقٌ عليهِ). وإن فسدَتِ المقاصدُ صارت هذهِ التقنياتُ سلاحاً ضاراً.
ولنستعرضِ الآنَ أربعاً من أضرارِ تقنياتِ الذكاءِ الاصطناعيِّ إذا أُسِيءَ استخدامُها:
1-فمن أخطرِها: نشرُ الزيفِ في ثوبِ الحقيقةِ: صورٌ مُفبركةٌ، وأخبارٌ مُضلِّلةٌ. وقد نهَى اللهُ عنِ اتباعِ الظنِّ ونقلِ المجهولِ، فقالَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)[الحجرات:6]، وقالَ: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)[الإسراء:36]. وفي الحديثِ: "كَفَى بِالمَرْءِ كَذِبًا أن يُحدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ"(رواهُ مسلمٌ).
فاحذرْ أيُّها التقنيُّ تركيبَ المقاطعِ، وتقليدَ الأصواتِ، وانتحالَ الشخصياتِ، ونسبةَ الأقوالِ زورًا إلى غيرِ أصحابِها ونشرِها، فإن ذلك من الغشِ والتدليسِ والكذبِ المحرَّمِ، ومن تغييرِ الحقائقِ، وإظهارِ الباطلِ في صورةِ الحقِّ.
2-ما يترتبُ عليهِ من الاعتداءِ على أعراضِ الناسِ وخصوصياتِهم، وتتبُّعِ عوراتِهم. قالَ تعالَى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا)[الأحزاب: 58]، وقالَ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ"(سنن الترمذي 2032).
3-تلقِّي مسائلِ الشرعِ بغيرِ تثبُّتٍ، فأما الفتاوَى الشرعيةُ فلا استعانةَ بالذكاءِ الاصطناعيِّ، بل رجوعٌ لأهلِ العلمِ، وعدمُ جعلِ تلكَ الوسيلةِ مرجعًا مُستقلًّا عنْ فهمِ العلماءِ، وقد قالَ -تعالَى-: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)[النحل43]، وقالَ نبيُّنا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفقِّهُّهُ فِي الدِّيْنِ"(متفقٌ عليهِ).
4-ما يترتبُ على سوءِ استخدامِ وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِ وتقنياتِ الذكاءِ الاصطناعي، من مفاسدَ عظيمةٍ على الأفرادِ والأسرِ والمجتمعاتِ والدولِ، كتشويهِ السمعةِ، والاحتيالِ، وإثارةِ الرأيِ العامِ وتأجيجِهِ، ونشرِ البلبلةِ، وزعزعةِ الثقةِ، والإضرارِ بالأمنِ المجتمعيِّ، وإشاعةِ الفتنةِ، وإثارةِ البلبلةِ بين الناسِ، ومثلهُ إعادةُ نشرِ الصورِ والمقاطعِ المفبركةِ أو المنسوبةِ لأشخاصٍ. قالَ -تعالَى-: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللهِ عَظِيمٌ)[النور: 15]. وكلُّ ذلكَ داخِلٌ تحتَ الإفسادِ في الأرضِ، وربُّنا يقولُ: (وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا)[الأعراف: 56].
الخطبة الثانية:
الحمدُ للهِ الذي أنزلَ لنا خيرَ كتابٍ، وجعلَنا خيرَ أمةٍ، وأرسلَ إلينا خيرَ رسولٍ، صلى اللهُ وسلمَ عليه.
أما بعدُ: أيُّها المؤمنونَ: هنيئًا لمَن جعلَ هذهِ التقنياتِ طاعةً تُقرِّبُهُ من ربِّهِ، ويا حسرةً على مَن جرّتهُ إلى معصيتِهِ، ألا فلنُسخرها للخيرِ العامِ؛ في الدعوةِ والتعليمِ، والبحثِ، وخدمةِ القرآنِ والسنةِ، وقضاءِ حوائجِ الناسِ، فاللهُ يقولُ: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى)[المائدة: 2].
ولنتثبّتْ قبلَ النشرِ؛ امتثالًا لقولهِ -تعالَى-: (فَتَبَيَّنُوا)، ولنحذرْ التسرّعَ الذي يُوقِعُ في الخطأِ أو الكذبِ. ولنستحضِرْ مراقبةَ اللهِ عندَ استخدامِها: (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى)[العلق: 14]، فلا تُستعمَلُ في ظلمٍ ولا باطلٍ.
وبعدُ يا عبدَ اللهِ: خلوتُكَ ببرامجِ التواصلِ الاجتماعيِ تعني أنكَ دخلتَ مرحلةَ ابتلاءٍ واختبارٍ؛ فإن رسبتَ بالاختبارِ فسيَشهَدُ عليكَ يومَ القيامةِ عدةُ شهودٍ صادقينَ، وهم: سمعُكَ وبصرُكَ وجِلدُكَ، والأرضُ من تحتِكَ، والملائكةُ من حولِكَ. واللهُ خيرُ الشاهدينَ.
فلنخوِّفْ أنفسَنا بآية تزلزلُ القلبَ الحيَّ. إنها قولُ ربِّنا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ)[المائدة: 94]؛ فاللهُ يختبرُنا في زمانِنا بتيسُّرِ صيدٍ آخرَ، من ألوانِ المحرماتِ، عبرَ هذهِ التقنياتِ، فإنها يسَّرَتْ سماعَ الحرامِ، والنظرَ إليهِ، من خلالِ ضغطةِ زرٍ بالجوالِ. فلماذا تيسَّرَتْ؟ الجوابُ: (لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ)؛ فاللهم ارزقْنا الخوفَ منكَ بالغيبِ.
اللهم ارزقنا البصيرةَ بمستجَدَّاتِ العصرِ، وحُسنَ استخدامِها، واجعلْ ما سخرْتَ لنا منها عونًا على طاعتِكَ.
اللَّهُمَّ كَمَا هَدَيْتَنا لِلإِسْلاَمِ فَلَا تَنْزِعَهُ مِنّا حَتَّى تَتَوَفَّانا وَنحنُ مُسْلِمونَ.
اللَّهُمَّ إِنّا نسْأَلُكَ النَّعِيمَ الْمُقِيمَ الَّذِي لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ.
اللهم وارحمْنا ووالدِينا، وهبْ لنا من أزواجِنا وذرياتِنا قُرةَ أعينٍ.
اللهم احْفَظْ أَمْنَنَا وَإيْمَانَنَا وَجُنُودَنَا وَحُدُوْدَنَا، وَمُقَدَّسَاتِنَا وَقُدْسَنَا.
اللهم احفَظْ وسدِّدْ إمَامَنَا خَادِمَ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، المَلِكَ سَلْمَانَ بنَ عبدِ العَزِيزِ، وَوَليَّ عهدِهِ الأَمِيْنَ الأَمِيْرَ محمَّدَ بنَ سَلمَانَ، وارزُقْهُمْ بِطانَةَ الصَّلاحِ والفَلاحِ.
اللهم صلِّ وسلِّمْ على عبدِكَ ورسولِكَ محمدٍ.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم