الرزق والأجل بين اليقين والتوكل-2

أمير بن محمد المدري

2026-05-08 - 1447/11/21 2026-05-14 - 1447/11/27
عناصر الخطبة
العناصر 1/كثرة النزاعات حول المال 2/الحرص على المال من أسباب المعاصي 3/أهمية الرضا بما قسمه الله 4/قسمة الله للأرزاق بحكمة وعظمة 5/الموت نهاية كل حي وبموعد دقيق.

اقتباس

ما دمتَ عرفتَ أن الآجال والأرزاق مكتوبة ومحسوبة، فادفع همهما عن نفسك. إن الله -تعالى- قد منع العباد من أن يتدخلوا في آجال الناس وفي أرزاقهم، لذلك قالوا: كلمة الحق لا تقطع رزقًا، ولا تقرِّب أجلاً، فكل ذلك بيد ملك الملوك...

  1. الخطبةُ الأولَى:

     

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان، وسلم تسليمًا كثيرًا.

     

    أما بعد: أيها المسلمون، اتقوا الله -تعالى- وراقبوه، واعلموا أن مَن اتقى الله وقاه وحماه، وجعله من أهل ولايته ورضاه، القائل فيهم: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ)[يونس: 62-63]؛ اللهم اجعلنا من عبادك المتقين الأبرار، واجمعنا في جنات تجري من تحتها الأنهار.

     

    عباد الله: ما زال الحديث معكم عن الرزق والأجل؛ فأما قضية الرزق فهي اليوم تشغل كثيرًا من الناس. فكم من إخوة اختلفوا وتقاطعوا بعد موت أبيهم بسبب اختلافهم على المال والميراث، وهو الرزق الذي ساقه الله إليهم! وكم من أخ اختلف مع أخيه في تجارة أو مال، فانقطعت بينهما أواصر الرحم بسبب الرزق! وكم من شريكين كانا متصافيين متحابين، فإذا بهما يختلفان بسبب طلب الرزق! وكم من رجل اختلف مع زوجته على نفقة، حتى أدى ذلك إلى طلاقها، وتفرقت الأسرة، وتشتت الأولاد! وكم من إنسان قُطعت يده بسبب جريه وراء رزق حرام لم يصل إليه! وكم وكم...!!

     

    أخي الحبيب: لو بحثت عن أسباب أكثر المعاصي لوجدتها من أجل المال: قطع الصلاة أو تأخيرها من أجل المال، قطيعة الرحم وعقوق الوالدين من أجل المال، بيع الذمم وشهادة الزور من أجل المال، سفك الدماء واللهث وراء الحرام وراءه المال، وغير ذلك من المعاصي.

     

    وصدق النبي المصطفى -صلى الله عليه وسلم- حين قال: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا»(صحيح مسلم: 118).

     

    أيها المؤمنون: لو علم الإنسان علم اليقين أن أجله بيد الله، وأن رزقه بيد الله، لكانت حياته لها شأنٌ آخر؛ لن يخاف أحدًا إلا الله، ولن يجامل، ولن ينافق، ولن يداهن على حساب دينه وعقيدته ووطنه، ولن يذل نفسه من أجل لُعاعة من الدنيا.

     

    جاء في بعض الآثار الإسرائيلية: يقول الله -تعالى-: «يَا ابْنَ آدَمَ! لَا تَخَفْ مِنْ ذِي سُلْطَانٍ مَا دَامَ سُلْطَانِي بَاقِيًا، وَسُلْطَانِي لَا يَنْفَدُ أَبَدًا. يَا ابْنَ آدَمَ! لَا تَخْشَ مِنْ ضِيقِ الرِّزْقِ، وَخَزَائِنِي مَلْأَى، وَخَزَائِنِي لَا تَنْفَدُ أَبَدًا. يَا ابْنَ آدَمَ! لَا تَطْلُبْ غَيْرِي وَأَنَا لَكَ؛ فَإِنْ طَلَبْتَنِي وَجَدْتَنِي، وَإِنْ فَتَّنِي فَتَكَ وَفَاتَكَ الْخَيْرُ كُلُّهُ. يَا ابْنَ آدَمَ! خَلَقْتُكَ لِلْعِبَادَةِ فَلَا تَلْعَبْ، وَقَسَمْتُ لَكَ رِزْقَكَ فَلَا تَتْعَبْ؛ فَإِنْ رَضِيتَ بِمَا قَسَمْتُهُ لَكَ أَرَحْتُ قَلْبَكَ وَبَدَنَكَ، وَكُنْتَ عِنْدِي مَحْمُودًا، وَإِنْ لَمْ تَرْضَ بِمَا قَسَمْتُهُ لَكَ: فَوَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأُسَلِّطَنَّ عَلَيْكَ الدُّنْيَا تَرْكُضُ فِيهَا رَكْضَ الْوُحُوشِ فِي الْبَرِّيَّةِ، ثُمَّ لَا يَكُونُ لَكَ مِنْهَا إِلَّا مَا قَسَمْتُهُ لَكَ، وَكُنْتَ عِنْدِي مَذْمُومًا».

     

    عباد الله: الرضا بما قسمه الله -تعالى- لا يعني الرضا بالدون، والحياة الهون، وضعف الهمة عن معالي الأمور، والقعود وعدم العمل بالأسباب. لقد ظلم فئام من الناس القناعة، فحسبوها الرضا بالدون، والقعود عن العمل، وتسميته توكلًا وقناعة، وهو قناعات وتواكل، لا توكل وقناعة.

     

    وقد رأى الفاروق عمر -رضي الله عنه- قومًا قابعين في ركن المسجد بعد صلاة الجمعة، فسألهم: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون على الله. فعلاهم عمر -رضي الله عنه- بدِرَّته ونَهَرهم، وقال: «لَا يَقْعُدَنَّ أَحَدُكُمْ عَنْ طَلَبِ الرِّزْقِ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ السَّمَاءَ لَا تُمْطِرُ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً، وَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ)[الجمعة: 10]، وَقَالَ: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ)[الملك: 15]».

     

    مَن استعجل الرزق بالحرام مُنع الحلال؛ رُوي عن علي -رضي الله عنه- أنه دخل مسجد الكوفة فأعطى غلامًا دابته حتى يصلي، فلما فرغ من صلاته أخرج دينارًا ليعطيه الغلام، فوجده قد أخذ خطام الدابة وانصرف، فأرسل رجلاً ليشتري له خطامًا بدينار، فاشترى له الخطام، ثم أتى، فلما رآه علي -رضي الله عنه-، قال: سبحان الله! إنه خطام دابتي! فقال الرجل: اشتريته من غلام بدينار، فقال عليّ -رضي الله عنه-: سبحان الله! أردت أن أعطيه إياه حلالاً، فأبى إلا أن يأخذه حرامًا!

     

    وقيل لأبي حازم -رضي الله عنه-: ما مالك؟ قال: شيئان: الرضا عن الله، والغنى عن الناس. قيل له: إنك لمسكين. فقال: كيف أكون مسكينًا، ومولاي له ما في السماوات وما في الأرض، وما بينهما، وما تحت الثرى؟

     

    جلس أحد الصالحين يومًا، ووضع بين يديه بعضًا من قطع اللحم المشوي، فجاءت قطة فخطفت قطعة من اللحم وهربت، فقام وراءها وأخذ يراقبها، فوجد القطة قد وضعت قطعة اللحم في مكان مهجور أمام جحر في باطن الأرض، وانصرفت. فازداد عجبُه، وظل يراقب الموقف باهتمام، وفجأة خرج ثعبان أعمى قد فُقدت عيناه، يخرج من الجحر في باطن الأرض، ويجر قطعة اللحم إلى داخل الجحر مرة أخرى. فرفع الرجل رأسه إلى السماء وقال: سبحانك يا من سخرت الأعداء يرزق بعضهم بعضًا!

     

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

     

     

    الخطبة الثانية:

     

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، وعلى آله وأصحابه وجميع إخوانه.

     

    أما بعد: عباد الله، كما في الرزق يقال في الأجل؛ قال -تعالى-: (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ)[الأعراف: 34]، وروى الترمذي وصححه من حديث أبي عزة يسار بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إِذَا قَضَى اللَّهُ لِعَبْدٍ أَنْ يَمُوتَ بِأَرْضٍ جَعَلَ لَهُ إِلَيْهَا حَاجَةً»(سنن الترمذي: 2140، وصححه الألباني).

    فلا يملك الأجل إلا الله، ولا يرزق الأحياء إلا الله.

     

    كم من أناس ناموا وهم في عافية، وفي الصباح جاءت ساعة الاستيقاظ فأيقظوهم، لكن أرواحهم ارتفعت إلى باريها؛ قال -تعالى-: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)[الزمر: 42].

     

    الإنسان قد يفر من الموت، لكن أين المفر؟ قال الله -تعالى-: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)[الجمعة: 8]. وقال -تعالى-: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ)[النساء: 78].

     

    ومن لم يحضر أجله فلن يموت، ولو كان في ساحة الوغى، ومقارعة الأعداء. وشواهد ذلك كثيرة: أناس شاركوا في معارك عديدة، وكانوا بين الرصاص والمدافع، لكنهم خرجوا سالمين، وماتوا على فرشهم. وما قصة خالد بن الوليد -رضي الله عنه- عنكم ببعيد؛ فقد شهد معارك كثيرة، ولم يُستشهد فيها، ولكنه لاقى الموت على فراشه. فلما حضرته الوفاة بكى، ثم قال: «لَقَدْ حَضَرْتُ كَذَا وَكَذَا زَحْفًا، وَمَا فِي جَسَدِي شِبْرٌ إِلَّا وَفِيهِ ضَرْبَةُ سَيْفٍ أَوْ طَعْنَةُ رُمْحٍ أَوْ رَمْيَةٌ بِسَهْمٍ، وَهَا أَنَا أَمُوتُ عَلَى فِرَاشِي حَتْفَ أَنْفِي كَمَا يَمُوتُ الْبَعِيرُ، فَلَا نَامَتْ أَعْيُنُ الْجُبَنَاءِ». وفي هذه القصة عبرة ودليل على أنه لن يُغني حذر من قدر، وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه.

     

    تزوجت امرأة برجل، وبعد فترة من الزمن ظهر معه المرض الخطير "السرطان" -عافانا الله وإياكم-؛ فبدأوا يجمعون لها الأموال حتى تشتري بيتًا يأويها بعد موته، فإن وفاته أكيدة. فماتت هي قبله بنفس المرض، كما أنه عاش بعدها ثلاث سنوات!!!

     

    وها هو آخر يُمرِّض أباه الكبير في السن، المليء بالعلل، وتأتي الأخبار إلى الناس أن الابن مات، والأب حيٌّ يُرزق.

     

    آخر ابتلاه الله بمرض، فقرر السفر إلى مصر للعلاج؛ فقالوا: لا بد من مرافق. وفي مصر مات المرافق، ورجع المريض إلى أهله معافى -بإذن الله-.

     

    حادث سيارة: يموت الرجال والنساء، وجاء المسعفون والمنقذون؛ وإذا بهم يسمعون صوتًا، يبحثون عن الصوت، وإذا هو طفل صغير لا زال حيًّا يُرزق. مات الكبار أصحاب العضلات، والصغير لم يمت لأن أجله لم ينته بعد. قال -تعالى-: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا)[آل عمران: 145].

     

    كم سمعنا في الأخبار عن زلازل، وبعد أيام يخرجون من تحت الأنقاض أحياء يُرزقون. من كان يرعاهم؟ من كان يحفظهم؟ إنه الله.

     

    أخي المؤمن الحبيب: ما دمت عرفت أن الآجال والأرزاق مكتوبة ومحسوبة، فادفع همهما عن نفسك. إن الله -تعالى- قد منع العباد من أن يتدخلوا في آجال الناس وفي أرزاقهم، لذلك قالوا: كلمة الحق لا تقطع رزقًا، ولا تقرِّب أجلاً، فكل ذلك بيد ملك الملوك. قال -تعالى-: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ)[الشعراء: 78-80].

     

    رأى إبراهيم بن أدهم -رضي الله عنه- رجلاً مهمومًا، فقال له: أيها الرجل، إني أسألك عن ثلاث تجيبني؟ قال الرجل: نعم. فقال له إبراهيم بن أدهم: أيجري في هذا الكون شيء لا يريده الله؟ قال: كلا. قال إبراهيم: أفينقص من رزقك شيء قدَّره الله لك؟ قال: لا. قال إبراهيم: أفينقص من أجلك لحظة كتبها الله في الحياة؟ قال: كلا. فقال له إبراهيم بن أدهم: فعَلام الهَمّ إذن؟!

     

    دع المقادير تجري في أعنتها*** ولا تبيتن إلا خالي البال

    ما بين غمضة وانتباهتها *** يُغيّر الله من حال إلى حال

     

    هذا وصلوا -رحمكم الله- على خير البرية، وأزكى البشرية محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بذلك فقال في كتابه الكريم: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56]؛ اللهم صلِّ وسلم على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

     

    اللهم ارزقنا اليقين في رزقك، والتوكل عليك، والقناعة بما قسمت لنا. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك.

     

    اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا. اللهم ارزقنا حسن الخاتمة، وثبت أقدامنا عند لقائك، واجعل آخر كلامنا من الدنيا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.

     

    عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

     

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

     

     

المرفقات

الرزق والأجل بين اليقين والتوكل-2.doc

الرزق والأجل بين اليقين والتوكل-2.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات