عناصر الخطبة
1/المرء أعلم بحقيقة نفسه من غيره 2/ستر المسلم لنفسه 3/وجوب ستر المسلم لأخيه المسلم وحرمة فضحه والتشهير به 4/دعوة إلى ستر المسلم لإخوانه المسلمين.اقتباس
إن على كل واحد منا أن يكون على علم بحقيقة نفسه ونفوس غيره، ليسهل التعامل معهم؛ لهذا فإن أصعب شيء يحتاج إلى الاهتمام به، وإيلائه كل العناية والجهد، هو نفس الإنسان، ونفوس...
الخطبة الأولى:
الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71]، أما بعد:
عباد الله: من الاعتقادات والتصورات الخاطئة؛ أن بالتوبيخ والتشهير، يمكن أن نصلح الأفراد، ونصلح المجتمع، ولكن العكس هو الصحيح، إذ التوبيخ لا يزيد الفرد إلا نفورًا وإعراضًا، بل وإصرارًا على الباطل والسلوك السيئ، في حين؛ أن المدح والثناء على الشخص يغير حال الفرد؛ بل حال حتى المجتمع، وهذا نموذج على صحة ما نقول، امرأة منخرطة في جمعية نسوية.
وفي إطار السعي لتحسين العلاقات الزوجية بين الأزواج، طلبت الجمعية من كل المنخرطات بأن يتوجهن إلى أزواجهن قصد كتابة عيوب الزوجة ووضعها في ظرف مغلق، لتعرض عيوب كل امرأة على المتخصصين في علم النفس قصد معالجتها، ولما أخبرت امرأة من المنخرطات زوجها بالخبر، قام توا وكتب الرسالة، ووضعها في ظرف، إلا أنه لم يغلقه، وسلمه لزوجته التي تتوجس خيفة مما سيكتبه زوجها على العيوب التي فيها، وفي الغد؛ يفاجأ الزوج بزوجته تستقبله بباب المنزل، وبيدها باقة من الورود، ودمعة الفرح على خديها، فلما رأته، عانقته وشكرته، لقد اطلعت المرأة على الورقة التي كتب زوجها قبل تسليمها للجمعية -من باب حب الاستطلاع- وبعدها سلمتها إلى المسؤولة في الجمعية مغلقة وبكل افتخار واعتزاز، بسبب ما كتبه زوجها عنها في الرسالة، لقد كتب الزوج؛ ليس في زوجتي أي عيب يذكر، وأنا راض بكل تصرفات زوجتي ومعاملاتها، وأنا أحبها كما هي.
عباد الله: لم ينظر هذا الزوج إلى مجموع أخلاق زوجته وتصرفاتها، بما في ذلك الجوانب الإيجابية والسلبية، وغض الطرف عن السلبية لقلتها، بل نفى العيب عنها بالكلية أمام الناس، بل حتى معها بنفسها، وكان أثر هذا التصرف من خلال تصريح الزوج، أن زوجته تغيرت 180 درجة إلى الأحسن، وفي وقت وجيز؛ فقد تحسنت أخلاقها ومعاملاتها مع زوجها وأبنائها، وحتى مع محيطها؛ لتحافظ على الصورة التي وصفها بها زوجها للجمعية، ويزيد الزوج قائلا: وأنا أعلم في زوجتي بعد المعاشرة الطويلة معها؛ ستة عيوب لم أصارحها بها؛ فضلا عن غيرها، وقد تخلت عنها كلها، وفي وقت وجيز بسبب هذا التصرف الحكيم الذي هو المدح والثناء، بدل اللوم والتوبيخ.
عباد الله: إن على كل واحد منا أن يكون على علم بحقيقة نفسه ونفوس غيره، ليسهل التعامل معهم؛ لهذا فإن أصعب شيء يحتاج إلى الاهتمام به، وإيلائه كل العناية والجهد، هو نفس الإنسان، ونفوس الآخرين؛ لهذا يجب على كل واحد منا أن يشتغل بنفسه عن أنفس الناس؛ بل يجب عليه أن يكون على علم بكيفية التعامل معها، حتى لا يهلكها بإهمالها بدل مجاهدتها قصد تزكيتها، وأن يكون كل واحد منا على علم بكيفية التعامل مع نفوس الآخرين، ليرتقي بهم إلى الدرجات العلى في الدنيا، بدل كسرهم بالتوبيخ والتشهير بدعوى الإصلاح، ويكون بذلك إفساده أفظع من محاولة إصلاحه؛ نتيجة جهله بطبيعة النفوس البشرية، وهذه مهمة لا يقدر عليها إلا من سلك الطريق، وكانت رغبته في الإصلاح لا التشهير، وفي الستر لا نشر الفاحشة في المؤمنين، يقول -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)[النور: 19].
عباد الله: كم من فرد صلحت أخلاقه بالستر عليه، وتوجيهه بالحكمة، وكم من مجتمع صلح أمره بالستر؛ لهذا فالستر علاج اجتماعي تختفي تحته أمراض المجتمع ويطفئ نار الفساد.
عباد الله: إن من أعظم الأدلة على معرفة سلامة القلب، الاشتغال بإصلاح النفس من العيوب، وتطهيرها من الذنوب، وردعها عن غيها، وقمعها عن شهواتها، وترويضها على الحق، ولزوم الصراط المستقيم، قال -تعالى-: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)[النازعات: 40–41].
والإنسان بطبعه كثير العيوب، ومن اشتغل بإصلاح عيوب نفسه عن عيوب غيره، أراح بدنه، ولم يتعب قلبه، وكلما اطلع الإنسان على عيب في نفسه، هان عليه أن يرى مثله في أخيه، وانتقل من السبابة إلى الإبهام؛ فبدل أن يشير بسبابته إلى الآخرين، أشار بإبهامه إلى نفسه، أما من اشتغل بعيوب غيره عن عيوب نفسه، عمى قلبه، وتعب بدنه، والمجتمع الذي يغلب عليه الستر والطهر، لا يكون فيه من الأخبار إلا ما كان طاهرا وعفيفا.
وقد استنكر النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث على العاصي الفاضح لنفسه والكاشف لستر الله عنه؛ فقال: "كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْإِجْهَارِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ فِي اللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ رَبُّهُ فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ"(رواه البخاري).
عباد الله: إن الله -تعالى- أمرنا بأن لا نفضح العاصي الذي لم يألف المعصية، واعتبر الستر عن العاصي حياة له، ومساعدة له في إصلاح نفسه، وإصلاح المجتمع؛ وروى صفوان بن يعلى عن أبيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ، يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسِّتْرَ"(رواه أحمد وأبو داود والنسائي).
وقال -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ وَجَدَ مُسْلِمًا عَلَى عَوْرَةٍ فَسَتَرَهَا، كَأَنَّمَا أَحْيَا مَوْءُودَةً مِنْ قَبْرِهَا"(رواه الطبراني).
ووجه الشبه بين الستر عن العاصي وإحياء بنت دفنت حية، أن الساتر دفع عن المستور الفضيحة بين الناس، والتي هي كالموت؛ فكأنه أحياه حين ستره.
عباد الله: لقد هجر الكثير من المسلمين سنة الستر عن العاصي، بحيث إن مجرد نظرة إلى واقعنا اليوم، تجعل الإنسان يرى انصرافا وإعراضا من الكثير من الناس عن الهدي النبوي الذي هو الستر على أهل الذنوب والمعاصي؛ بل تجد أناسا لا هم لهم إلا تصيد العثرات، والبحث عن العيوب والزلات؛ فيتهمون الأبرياء بسوء الظن، ويشيعون الأخبار بلا بينة، ويفترون الكذب على البريء، ويفضحون المذنب المتستر، ويشوهون صورة الفضلاء بإبراز أخطائهم وعثراتهم أمام الناس.
وقد ازداد الطين بلة عندما وظفت الوسائل الإعلامية، سواء الرسمية منها أو الشخصية لهذه الأغراض الدنيئة، إما لغرض التشهير، أو لغرض الحصول على المال الحرام بهذا التشهير، وهذا ينافي مبادئ تدقيق المعلومات، والتي يعيش العالم، اليوم العالمي لتدقيق المعلومات، والذي تم الاتفاق على أن يكون في 2 أبريل من كل سنة؛ كما ينافي الحياء والستر الذي يحبه الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.
الخطبة الثانية:
عباد الله: إن المؤمن العاقل يحسن الظن بإخوانه، ويشتغل بمشاكله وذنوبه، ويحرص على سمعة مجتمعه الطيبة، ويتذكر أن التحقق من صحة الأخبار قبل تصديقها أو مشاركتها ضرورة شرعية وإنسانية، في عالم مليء بالمعلومات، أما الجاهل؛ فتراه يستلذ ويرتاح لسماع عيوب إخوانه؛ سواء كانت حقا أو افتراء وكذبا، ويأتي بها، ويروجها على أو سع نطاق، وهذا يدل على ضعف إيمانه، وعلامة على مرض قلبه.
فاللهم ارزقنا الحياء والستر عن المذنبين غير المجاهرين بذنوبهم، وأصلح أحوالنا ظاهرها وباطنها.
وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين.
اللهم ألف بين قلوب المسلمين، واجمع كلمتهم على الحق والدين.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم