السنن الرواتب.. الكنز المهمل

الشيخ محمد الوجيه

2026-04-03 - 1447/10/15 2026-04-09 - 1447/10/21
عناصر الخطبة
العناصر 1/فضل السنن الرواتب والنوافل 2/خطر الغفلة عن السنن وحماية القلب.

اقتباس

إن إهمال السنن الرواتب ليس مجرد فوات فضل، بل هو غبنٌ عظيم وخسارةٌ لا تُعوض. فاسمعوا لربكم -عز وجل- وهو ينادي في الحديث القدسي العظيم الذي يهز الوجدان.. وإن من أعظم أسرار هذه السنن، أنها الصمام الذي يجبر النقص في يوم...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71]، أما بعد:

 

عباد الله: يا من تعلقت قلوبهم برب العزة والجلال، اسمعوا بوجدانكم قبل آذانكم، فإني أناديكم في زمنٍ ضاقت فيه الأوقات، وتسارعت فيه الخطوات نحو حطام دنيا زائلة، حتى غدى بعض الناس متهاونا في السنن الرواتب والنوافل؛ يتكاسل عنها كأنها قيدٌ ثقيل، يفرط في كنوزٍ عظيمة، ومنحٍ ربانية سَخيّة.

 

عباد الله: إن السنن الرواتب والنوافل جعلها الله لنا جِبراً للكسر، ورفعةً في الذكر، وقربةً من الملك الحق المبين.

 

لقد استولت الشواغل على حيز الأرواح، فأصبح المرء منا يكتفي بأداء الفريضة على عجل، ثم ينصرف لهواه، وقد نسي أن ما وراء هذه الفريضة بساتين خضراء من النوافل، هي حِمى الفريضة وحصنها، وهي السلم الذي يترقى فيه العبد في معارج القبول؛ فواعجباً لحالنا! كيف نزهد في أرباحٍ لم تتعب فيها الأبدان، وفي قصورٍ في الجنة تُبنى بركيعاتٍ يسيرة؟ كيف يُعرض العاقل عن محبة الله الخاصة التي لا تُنال إلا بالتقرب بالنوافل؟

 

عباد الله: إن إهمال السنن الرواتب ليس مجرد فوات فضل، بل هو غبنٌ عظيم وخسارةٌ لا تُعوض. فاسمعوا لربكم -عز وجل- وهو ينادي في الحديث القدسي العظيم الذي يهز الوجدان: "وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ"(رواه البخاري).

 

تأمل -يا رعاك الله- أي مقامٍ تتركه حين تزهد في النافلة؟ إنها ولاية الله الخاصة، ومعيته المحيطة، فهل يطيق مؤمنٌ أن يعيش في عواصف الدنيا بلا هذا الحصن؟ وهل يفرط في استجابة الدعوة إلا محروم؟

 

وإن من أعظم أسرار هذه السنن، أنها الصمام الذي يجبر النقص في يوم المحاكمة العظيم، فمن منا يزعم أن صلاته المكتوبة قد سلمت من وسوسة الشيطان؟ ومن منا لم يُسرق من صلاته بالالتفات القلبي والذهني؟ لقد جاء الخبر اليقين من الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- حيث يقول: "إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الصَّلَاةُ، قَالَ: يَقُولُ رَبُّنَا -جلّ وعز- لِمَلَائِكَتِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ: انْظُرُوا فِي صَلَاةِ عَبْدِي أَتَمَّهَا أَمْ نَقَصَهَا؟ فَإِنْ كَانَتْ تَامَّةً كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةً، وَإِنْ كَانَ انْتَقَصَ مِنْهَا شَيْئًا قَالَ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ؟ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ قَالَ: أَتِمُّوا لِعَبْدِي فَرِيضَتَهُ مِنْ تَطَوُّعِهِ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى ذَاك"(رواه أبو داود والترمذي).

 

فيا حسرة من يقف بين يدي ربه، وصحيفتُه من النوافل خاوية، وفريضتُه يشوبها النقص والخلل! بماذا سيجبر كسر صلاته؟ وبأي ركيعات سيسدُّ ثغرات غفلته؟ إن الزهد في الرواتب هو مخاطرةٌ بسلامة الفريضة؛ فالسنة حياض الفريضة، من رتع حولها حفظ حِمى فريضته، ومن ضيعها كان للفرائض أضيع.

 

أيها المسلمون: إن بيوت الجنة تُبنى بالذكر والصلوات، فكيف نغفل عن عرضٍ نبويٍ شريف لا يرده إلا مغبون؟ يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّي لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا، غَيْرَ فَرِيضَةٍ، إِلَّا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ"(رواه مسلم)، وهي: أربعٌ قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل صلاة الغداة.

 

يا لله! بيتٌ في الجنة مقابل دقائق من الوقوف بين يدي الله! أيُّ تجارةٍ هذه التي نزهد فيها؟ وأيُّ قصورٍ نضيعها ونحن نركض خلف لقمة عيشٍ زائلة؟ لقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يترك ركعتي الفجر في حضرٍ ولا سفر، ويقول عنهما: "رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا"(رواه مسلم)؛ فإذا كان هذا حال "سنة" الفجر، فما بالكم بعظيم فضل بقية الرواتب؟ وما ظنكم بعظمة الفريضة نفسها؟

 

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

 

أيها المؤمنون: إن إهمال النوافل والسنن الرواتب هو علامةٌ على مرض القلب أو تثاقله عن محبة الرب، فالذي يحب الله لا يملُّ من الوقوف بين يديه، ولا يكتفي بالحد الأدنى من الصلوات. لقد كان السلف الصالح يرون في ترك النوافل نقصاً في المروءة، ودليلاً على الغفلة؛ فهذا الإمام أحمد -رضي الله عنه- سُئل عن رجلٍ يترك الوتر فقال: "هو رجلُ سوء، لا ينبغي أن تُقبل له شهادة"(رواه أحمد)؛ فكيف بمن هجر الرواتب كلها، وترك الضحى، وغفل عن قيام الليل، وأصبح أبعد ما يكون عن السنن الراتبة؟

 

يا عباد الله: إن الشيطان يبدأ مع العبد بالتهاون في النوافل، فإذا أطاعه العبد، انتقل به إلى التهاون في السنن، ثم يرقيه في سلم الغفلة حتى يوقعه في تضييع الفرائض أو تأخيرها؛ فالنوافل هي الخنادق المتقدمة التي تحمي إيمانك؛ فإذا سقطت هذه الخنادق، أصبح قلبك مكشوفاً لسهام الشيطان.

 

إن المشهد يوم القيامة مهيب، والدرجات في الجنة متفاوتة، وإنما يتفاضل الناس بكثرة السجود والركوع. تذكروا قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لربيعة بن كعب الأسلمي حين سأله مرافقته في الجنة، فقال له: "فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ"(رواه مسلم)؛ فمن أراد القرب من المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، ومن أراد سُكنى الفردوس، فعليه بالاستكثار من السجود تطوعاً ونفلاً.

 

فيا أيها المقصر في سننه -وكلنا ذاك الرجل-: أفق من غفلتك، وجاهد نفسك على هذه الرواتب، فما هي إلا دقائق معدودة، لكنها عند الله جبالٌ مشهودة؛ اجعل لك خبيئةً من عمل صالح، عوّد نفسك على صلاة الضحى فهي صلاة الأوابين، وأوتر ولو بركعة قبل أن تنام، وحافظ على الرواتب الاثنتي عشرة، لتنعم ببيتٍ في الجنة، وبقلبٍ يفيض بنور الطاعة.

 

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان.

 

اللهم لا تجعلنا من الغافلين، وارزقنا المحافظة على السنن والرواتب، واجعلها جابرةً لتقصيرنا، ورفعةً لدرجاتنا، اللهم اجعل صلاتنا قرة أعيننا، واجعلنا ممن يقال لهم يوم القيامة: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).

 

إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون؛ فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

 

وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال -عز من قائل-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

 

المرفقات

السنن الرواتب.. الكنز المهمل.doc

السنن الرواتب.. الكنز المهمل.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات