عناصر الخطبة
1/السعادة باستقبال الأشهر الحرم 2/الترحيب بوفود بيت الله الحرام 3/بعض فضائل بيت الله الحرام وبلاد الحرمين 4/وصايا لحجاج بيت الله الحراماقتباس
ما أروعَ أن يستشعِرَ الحاجُّ والزائِرُ مكانَةَ هذا البيتِ العتيقِ، وقداسةَ هذه البقاعِ المُبارَكةِ، وما أُحِيطَتْ به من التعظيمِ والإجلالِ والقداسةِ والمهابةِ! فلا يُسفَكُ فيها دمٌ، ولا يُعْضَدُ فيها شجرٌ، ولا يُنَفَّرُ فيها صيدٌ، ولا تُلتَقَطُ لُقَطَتُهَا إلَّا لمن عَرَّفَهَا. فكيف بأذى الإنسانِ؟!...
الخطبة الأولى:
إن الحمدَ للهِ؛ نحمدُكَ ربَّنَا، ونستعينُكَ، ونتوبُ إليكَ، ونستغفرُكَ، ونُثْنِي عليكَ الخيرَ كلَّهُ. نحمدُهُ -سبحانَه-؛ وَسِعَ كلَّ شيءٍ رحمةً وعلمًا، وجعلَ بيتَهُ الحرامَ مَثَابَةً للناسِ وأمنًا. لكَ الحمدُ مقرونًا بشكرِكَ دائمًا، لكَ الحمدُ في الأُولى، لكَ الحمدُ في الأخرى، لكَ الحمدُ يا ذا الكبرياءِ، ومَنْ يكُنْ بحمدِكَ ذَا شكرٍ فقد أَحْرَزَ الشُّكْرَ.
وأشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ؛ شرعَ أركانَ الإسلامِ على أثبَتِ الدعائِمِ. وأشهدُ أن نبيَّنَا وسيِّدَنَا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُهُ؛ رفعَ اللهُ به مَنَارَ الحقِّ فوقَ الغَمَائِمِ. صلَّى اللهُ وسلَّمَ وبارَك عليهِ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ؛ أئمةِ الهُدَى لكلِّ مُرِيدٍ وَرَائِمٍ، ومن تَبِعَهُمْ بإحسانٍ في بَدِيعِ الشَّمَائِلِ وأَسْمَى الكَرَائِمِ.
أما بعدُ: فاتقوا اللهَ -عبادَ اللهِ-، وسارِعُوا باغتِنامِ المواسِمِ والنَّسَائِمِ؛ (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)[الْبَقَرَةِ: 281].
عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ سِرًّا وَجَهْرَةً *** فَفِيهَا جَمِيعُ الْخَيْرِ حَقًّا تَأَكَّدَا
لِتُجْزَى مِنَ اللَّهِ الْكَرِيمِ بِفَضْلِهِ *** مُبَوَّأَ صِدْقٍ في الْجِنَانِ مُخَلَّدَا
معاشرَ المؤمنينَ: ها هي الأشهرُ الحُرُمُ الغرَّاء، وها هي أشهرُ الحجِّ الزهراء. قد أضاءَتْ في سماءِ الأمةِ أنوارُهَا، وتلألأَتْ لياليها، وأشرقَ نهارُهَا. وعَبَقَتْ بالبشائرِ أزهارُهَا، وبالخيراتِ والبركاتِ ثِمَارُهَا، وسطَعَتْ في أفئِدَةِ الحجيجِ فضائلُهَا وآثارُهَا.
وها هي طلائِعُ وفودِ بيتِ اللهِ الحرامِ بدأوا الْوُفُودَ من مُختلِفِ الأنحاءِ: (مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)[الْحَجِّ: 27]. وقد يَمَّمَتْ مطاياهَا لِحَطِّ ركائِبِهَا في هذه البقاعِ الشريفةِ والعَرَصَاتِ الْمُنِيفَةِ.
مَرْحَبًا بِالْوُفُودِ مِنْ كُلِّ طَائِفِ *** وَالْمُلَبِّينَ بَيْنَ بَادٍ وَعَاكِفِ
مَرْحَبًا بِالْإِخَاءِ في أَلَقِ الشَّمْسِ *** وَبِالطُّهْرِ في نَقِيِّ الْمَعَاطِفِ
أهلًا بكم، ومرحبًا وفودَ الرحمنِ في أقدَسِ الديارِ والبِقاعِ، وأطهَرِ الأرجاءِ والأصقاعِ. حلَلتُم أهلًا، ووطِئتُم سهلًا. هنا مكةُ المُكرَّمةُ؛ مهدُ الدينِ والإسلامِ، ومبعَثُ الأنبياءِ والرسلِ الكرامِ. ومَوْئِلُ الإجلالِ والإعظامِ، على مَرِّ الدهورِ وكَرِّ الأعوامِ. اصطفَاهَا الرحمنُ، وتنزَّلَ في جَنَبَاتِهَا القرآنُ، وفيها وُلِدَ ونشَأَ وبُعِثَ سيِّدُ الأنامِ -عليه أفضلُ الصلاةِ وأزكَى السلامِ-.
كُلُّ الْبِلَادِ وَإِنْ جَلَّتْ مَحَاسِنُهَا *** عِقْدٌ فَرِيدَتُهُ في أُمِّ الْقُرَى وُضِعَتْ
تَسْعَى إِلَيْهَا الْقَوَافِي السَّائِرَاتُ *** وَتَسْعَى إِلَى الْكَعْبَةِ الْحُجَّاجُ مَا انْقَطَعَتْ
معاشِرَ المُسلمين: لقد خَصَّ المولى -تبارك وتعالى- هذه البلادَ المُبارَكةَ -المملكةَ العربيةَ السعوديَّةَ- بفضائلَ جليلةٍ، وخصائصَ جزيلةٍ. منها: أن فيها أولَ بيتٍ وُضِعَ في الأرضِ لعبادةِ اللهِ، فهو رمزُ التوحيدِ والوحدةِ، والشعائرِ والمشاعِرِ، والأمنِ والأمانِ.
وجعلَ اللهُ البيتَ الحرامَ مُبارَكًا وهُدًى للعالمين. فَمِنْ واسعِ كرمِ البارِي -جل وعلا-، ومديدِ جُودِه على قاصِدِي بلدِه الحرامِ وبيتِه العتيقِ؛ أن جعلَ الصلاةَ فيه مُضاعَفةً، والأجورَ متضاعِفةً. اللهُ أكبرُ! يا له من كرمٍ ربَّانيٍّ عظيمٍ، ومَنٍّ إلهيٍّ كريمٍ، خَصَّ اللهُ به البيتَ الحرامَ وقاصِدِيهِ.
معاشرَ المسلمينَ، أيُّها الحُجَّاجُ الميامينُ: استحضِروا دومًا عظمَةَ المكانِ وإجلالَهُ، وقُدْسِيَّتَهُ وحُرمتَهُ، وطهارتَهُ وقداستَهُ؛ (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ)[الْمَائِدَةِ: 97]، وهذا وجهٌ من كونِه مُبارَكًا وهُدًى للعالمين. ووجهٌ آخرُ؛ تلك الدعواتُ المُبارَكاتُ، والرجاءاتُ الخالِداتُ التي ضَرَعَ بها خليلُ الرحمنِ -عليه الصلاةُ والسلامُ- إلى المولى -تبارك وتعالى- أن يجعلَ مكةَ بلدَ استِقرارٍ واطمئنانٍ، وتوحيدٍ خالصٍ وإيمانٍ: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ)[إِبْرَاهِيمَ: 35].
فتحقيقُ التوحيدِ الخالصِ للهِ، وتجريدُه من الشُّبُهاتِ والشوائِبِ والمُحدَثاتِ؛ أهمُّ ما يجبُ على قاصِدِ البلدِ الأمينِ تحقيقُه وإقامتُه، عند الكعبةِ المُشرَّفةِ خصوصًا، وفي سائرِ الأوطانِ عُمومًا. وهذه أعظمُ هدايةٍ للعالمين؛ تتحقَّقُ في ظِلِّ البيتِ العتيقِ، وفي وَرِيفِ الأمنِ المديدِ، الذي تنعَمُ به هذه البلادُ المُبارَكةُ (المملكةُ العربيةُ السعوديةُ)؛ فهي حاضنةُ الحرمين الشريفين، وقُنَّة الأمنِ والأمانِ، ومَأْرِزُ التوحيدِ والإيمانِ. ومراعاةُ أمنِهَا عبادةٌ وقُربةٌ يتقرَّبُ بها العبادُ إلى ربِّهم؛ (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ)[الْعَنْكَبُوتِ: 67]، (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ)[الْقَصَصِ: 57]. وقال جَلَّ في علاه: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا)[الْبَقَرَةِ: 125]، يطمئن فيه المضطرب القلق، ويأمن في جنباته الفَزِعُ الفَرِقُ، يقولُ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"(مُتفَق عليه).
وهذا الأمنُ المكينُ، والأمانُ المتينُ، لم يثبُتْ بالتقريرِ والتأصيلِ فحسبُ؛ بل استقرَّت وَاشْمَخَرَّت بالوعيدِ الشديدِ والزجرِ الأكيدِ لِمَنْ حاولَ خَرْقَهُ أو رَامَ فَتْقَهُ؛ (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)[الْحَجِّ: 25]. ذلك لمن هَمَّ! فكيف بمن يُباشِرُ؟! فالأمرُ أَنْكَى وأخطرُ.
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ أَمْنًا *** وَحَبَاهُ حُلَلًا سَنَاهُ الْبَاهِي
فَكَسَوْهُ سِتْرًا وَإِذْ أَرْخَوْهُ *** حَلَّ فَوْقَ السُّتُورِ نُورُ الْإِلَهِ
إخوةَ الإسلامِ، حُجَّاجَ بيتِ اللهِ الحرامِ: الحجُّ عبادةٌ من أعظمِ العباداتِ، له من الشروطِ والأركانِ والواجباتِ ما يجبُ على كلِّ مَنْ أَمَّ هذا البيتَ أن يعلَمَهَا ليعمَلَ بها؛ فيُقبَلَ حجُّه عند اللهِ -تعالى-؛ في الصحيحين من حديثِ أبي هريرةَ -رضي الله عنه- أنَّه قال: سمعتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يقولُ: "مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ".
وأعظمُ الحِكَمِ والواجباتِ: أن يكونَ الحجُّ منطلقًا لتحقيقِ التوحيدِ الخالصِ للهِ وحدَه؛ (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا)[الْحَجِّ: 26]، والتجافي عن كلِّ ما يُخالِفُ الكتابَ والسُّنَّةَ، وعن كلِّ عقيدةٍ لم يكن عليها سلَفُ هذه الأمةِ.
أُمَّةَ الإسلامِ: إنَّ على الأمةِ الإسلاميةِ أن تكونَ مُدرِكةً واعيةً لحملاتِ استهدافِهَا من وسائلِ إعلامٍ مُضلِّلةٍ معاديةٍ، ومن دُعَاةِ الفتنةِ؛ مما يتطلَّبُ توخِّيَ الدِّقَّةِ والتثبُّتَ والحِكمةَ، ووحدةَ الصفِّ واجتِماعَ الكلمةِ؛ (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)[آلِ عِمْرَانَ: 103].
وما أروعَ أن يستشعِرَ الحاجُّ والزائِرُ مكانَةَ هذا البيتِ العتيقِ، وقداسةَ هذه البقاعِ المُبارَكةِ، وما أُحِيطَتْ به من التعظيمِ والإجلالِ والقداسةِ والمهابةِ! فلا يُسفَكُ فيها دمٌ، ولا يُعْضَدُ فيها شجرٌ، ولا يُنَفَّرُ فيها صيدٌ، ولا تُلتَقَطُ لُقَطَتُهَا إلَّا لمن عَرَّفَهَا. فكيف بأذى الإنسانِ؟! ولا يجوزُ أبدًا أن يُحوَّلَ هذا المكانُ الآمنُ إلى ما يُنافِي مقاصِدَ الشريعةِ ومنهجَ الإسلامِ؛ (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)[الْحَجِّ: 32].
اللهمَّ زِدْ بيتَك هذا تعظيمًا وتشريفًا وتكريمًا ومهابَةً. وزِدْ مَنْ عظَّمَه وشرَّفَه ممَّن حجَّه واعتَمرَه تعظيمًا وتشريفًا وتكريمًا ومهابةً وبِرًّا، يا خيرَ مسؤولٍ وأكرمَ مأمولٍ.
أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)[آلِ عِمْرَانَ: 96-97].
بارَك اللهُ لي ولكم في القرآنِ والسُّنَّةِ، ونفعني وإيَّاكم بما فيهما من الآياتِ والحكمةِ. أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولسائرِ المسلمين والمسلماتِ من كلِّ الذنوبِ والخطيئاتِ؛ فاستغفِروه وتوبوا إليه، إنه كان توَّابًا رحيمًا.
الخطبة الثانية:
الحمدُ للهِ؛ أَسبَغَ علينا نِعَمًا مُبارَكَاتٍ. وصلواتُ اللهِ وسلامُه على رسولِه ومصطفَاهُ، وعلى آلهِ وصحابتِه والتابعينَ ومَنْ تبِعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ.
أما بعدُ، فيا عبادَ اللهِ: اتَّقوا اللهَ وعظِّموهُ، واخشَوْا جلالَه وكمالَه وراقِبُوهُ؛ تصلُحْ أحوالُكم في دُنياكم وأُخراكم. واعلموا أن أصدقَ الحديثِ كتابُ اللهِ، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-. وشرَّ الأمورِ مُحدَثاتُها، وكلَّ بِدعةٍ ضلالةٌ. وعليكم بالجماعةِ، فإنَّ يدَ اللهِ مع الجماعةِ، ومَنْ شَذَّ شَذَّ في النارِ.
حُجَّاجَ بيتِ اللهِ الحرامِ: اشكُرُوا اللهَ -عز وجل- على ما مَنَّ به عليكم من دُنُوِّ الوصولِ إلى هذه البقاعِ الشريفةِ، وما تعيشونَه من شرفِ المكانِ وشرفِ الزمانِ؛ حيثُ أشهرُ الحجِّ والأشهرُ الحُرمُ التي قال اللهُ فيها: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا في كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ)[التَّوْبَةِ: 36]. قال أهلُ العلمِ: "أي بالذنوبِ والمعاصِي".
فاعْرِفوا لهذه الأشهرِ الحُرُمِ قدرَهَا ومكانتَهَا، ولهذا المكانِ شرفَهُ وفضلَهُ. واجعلوا من وَعْيِكُمْ وحُسنِ أخلاقِكم عنوانًا لكم. ساعِدوا الضعيفَ والمُحتاجَ، وأرشِدوا التَّائِهَ بلُطفٍ وإبهاجٍ. وعليكم بالسكينةِ والوقارِ، والرأفةِ والتراحمِ، وسَدِّدُوا وقَارِبُوا.
كونوا عونًا لإخوانِكم من رجالِ الأمنِ الأماجِدِ؛ مَنْ يحفَظون النظامَ ويُوجِّهون الحُشودَ لمنعِ التزاحُمِ والتدافعِ. والتَزِمُوا الأنظمةَ والتوجيهاتِ؛ ومنها: لا حجَّ إلَّا بتصريحٍ، تحقيقًا للمقاصِدِ الشرعيةِ الكُبرى في جلبِ المصالحِ وتكميلِهَا، ودرءِ المفاسِدِ وتقليلِهَا. وتعاونوا مع القائمين على خدمتِكم من الجهاتِ الإشرافيةِ على الحرمين الشريفين دِينِيًّا وَأَمْنِيًّا وَخِدْمِيًّا؛ فإنهم يعملون بِدَأَبٍ واجتهادٍ. فكم أَعَدُّوا وخطَّطوا ورتَّبوا ونسَّقوا لخدمتِكم! وإنهم لَيُضحُّون لراحتِكم، ويبذُلون الغالِيَ والنفيسَ من أجلِ سلامتِكم، في تحقيقِ الرسالةِ في نشرِ الهدايةِ للعالمين، وإثراءِ تجربةِ القاصِدين.
حفِظَ اللهُ حُجَّاجَ بيتِه الحرامِ، وأدامَ أمنَهم وأمانَهم، ورخاءَهم واستِقرارَهم، وأتمَّ عليهم مناسِكَهم بكلِّ يُسرٍ وطُمأنينةٍ، وكتَبَ لهم عظيمَ الأجرِ والمثوبةِ؛ إنه جوادٌ كريمٌ.
هذا وصلُّوا وسلِّموا -رحمكم الله- على خيرِ الورى؛ بدرًا باهرًا مَنْ دبَّج بالتآلف نجومًا وزواهرَ، صلاةً تَعبَق شَذًا وأزاهِرَ، كما أمركم ذو الجلالِ والإكرامِ في كتابِه بديعِ النظامِ والإحكامِ، فقال -تعالى- قولًا كريمًا: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56].
اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك على نبيِّنا محمدٍ وعلى آلهِ وصحبِه أجمعين. وارْضَ اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين: أبي بكرٍ، وعُمرَ، وعُثمانَ، وعليٍّ؛ وعن سائرِ الصحابةِ والتابعينَ ومَنْ تبِعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ.
اللهمَّ أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، واحمِ حوزةَ الدينِ، وسَلِّمِ الحُجَّاجَ والمُعتَمِرينَ والزائِرينَ. واجعَلْ هذا البلدَ آمنًا مُطمئنًّا سَخَاءً رَخَاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ.
اللهمَّ آمِنَّا في أوطانِنا، وأصلِح ووفِّق أئمَّتَنَا وولاةَ أمورِنا. وأيِّد بالحقِّ والتسديدِ والتأييدِ إمامَنا ووليَّ أمرِنا. اللهمَّ وفِّق إمامَنا خادمَ الحرمين الشريفين ووليَّ عهدِه إلى ما فيه عزُّ الإسلامِ وصلاحُ المسلمينَ، وإلى ما فيه الخيرُ والرشادُ للعبادِ والبلادِ. واجزِهم خيرَ الجزاءِ وأوفَاهُ، كِفَاءَ ما قدَّموا ويُقدِّمون للحرمين الشريفين وقاصِديهما.
اللهمَّ وفِّق رجالَ أمنِنا ودفاعِنَا والمرابِطينَ على ثغورِنا وحدودِنا. ووفِّق يا ربِّ جميعَ ولاةِ أمورِ المسلمين، واجعلهم رحمةً على عبادِك المؤمنين. وسَلِّمِ الحُجَّاجَ والقاصِدينَ والزائرينَ، واحفَظْ أمنَهم ويسِّر لهم أداءَ مناسِكِهم في خيرٍ وعافيةٍ يا ربَّ العالمينَ.
اللهمَّ كُنْ للمُستضعَفينَ من المسلمينَ في كلِّ مكانٍ. اللهمَّ كُنْ للمُستضعَفينَ من المسلمينَ في فلسطينَ. اللهمَّ كُنْ لهم مُؤيِّدًا ونصيرًا، ومُعينًا وظهيرًا، اللهم احفظ المسجد الأقصى من عُدوانِ المُعتدينَ، وكيدِ الكائِدينَ، ومكرِ الماكرينَ. واجعلْهُ شامِخًا عزيزًا إلى يومِ الدينِ.
اللهمَّ عليكَ بأعدائِكَ أعداءِ الدينِ، ومَنْ ظَاهَرَهم على المسلمين. اللهمَّ عليكَ بهم فإنهم لا يُعجِزونكَ. اللهمَّ شتِّتْ شملَهم، وفرِّقْ جمعَهم، واجعلهم عبرةً للمُعتبِرينَ.
(رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[الْبَقَرَةِ: 201]، (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)[الْبَقَرَةِ: 127-128]، واغفِر لنا ولوالدِينَا وجميعِ المُسلمين والمُسلماتِ الأحياءِ منهم والأمواتِ؛ إنكَ سميعٌ قريبٌ مُجيبُ الدعواتِ.
(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[الصَّافَّاتِ: 180-182].
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم