عناصر الخطبة
1/الاستقامة أمر يسير 2/من تلبيس الشيطان عن الاستقامة 3/من ثمرات الاستقامةاقتباس
إنّ السعيد من عقد العزم من الآن على الهداية والصلاح، وبادَرَ إلى العمل بسنّة نبيّك -صلى الله عليه وسلم-، ولا يؤجّل ولا يسوّف؛ فإنّ مَن تأخّر عن العمل بما أمر الله يُعاقب بالصّدود عنه والتّثْبيط والإعراض؛ كما قال -تعالى- عن قومٍ تأخّروا وتكاسَلُوا...
الخُطْبَةُ الأُولَى:
الحمد لله الذي لا يستغني أحدٌ عن فضلِه، وكلّ من السماوات والأرض يسبّح بحمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمرُه نافذٌ لا يردّ، وإحسانه عامّ لا يُعدّ، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، وخليلُه من عباده، وأمِيْنُه على وحْيِه، صلى الله وسلم عليه وعلى آلِه وأصحابه إلى يوم الدين.
أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله-، واعلموا أنّ بعض الناس يُخيّل إليه أنّ الاستقامة على الدين والعمل بالسنّة صعب جدًّا، وأنّ حياته ستنقلب رأسًا على عقب، وأنه سيفقد الْمُتعَة واللذة، وسيتكلّفُ العناء والمشقّة، بل يظنّ أنّ مظهره سيتغيّر إلى الأسوأ، وكلّ هذا من الخيال الذي هو أبعدُ شيء عن الواقع والحقيقة.
فيا أخي: اسأل نفسك: ماذا سأخسر إذا أطلقت لحيتي؛ اتباعًا لسنة نبيّي -عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم-؟ ماذا سأخسر إذا قصّرت ثوبي ورفعته فوق الكعب قليلا؟ ماذا سأخسر إذا تركت النظر إلى ما حرّم الله، وهجرتُ سماعَ ما حرم الله؟ ماذا سأخسر إذا بكّرْت للصلاة، وأدّيتُ السنن الرواتب؟
ويا أختي المسلمة: اسألي نفسك: ماذا سأخسر إذا لبست العباءة على الرأس، وسترتُ يديّ وقدميّ أمام الرجال الأجانب؟ ماذا سأخسر إذا تركت الطِّيْب عند الخروج من المنزل، إذا كنتُ سأمرّ على رجالٍ أجانب؟ ماذا سأخسر إذا تركت متابعة التافهين في مواقع التواصل؟
والله إنك لن تخْسر -ولن تخْسري- شيئًا أبدًا، وما تظنّه خسارة هو وهْمٌ، وانظر إلى من استقاموا على الدين، هل منظرهم قبيح؟
وانظري إلى من لبست عباءَ الرّأس وستَرت جميع بدَنِها، هل هي قبيحةٌ أم مُهَابَة؟ هل هم تعيسُون مهْمُومون؟ لا -والله-، بل هم أسْعد الناس، ولو ذاق المفرّط سعادتهم لبكَى على حاله.
ومع أنك لن تخسر شيئًا فستربح الكثير، ستربح رضا ربك، ومن ربح رضا الله فهو الرابح، ومن خسر رضاه فهو الخاسر، وستربح رضا نبيّك محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، حينما ترد عليه الحوض، وتشرب من مائه شربة لا تظمأ بعدها أبدًا، قال النَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم-: "أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، مَنْ وَرَدَهُ شَرِبَ مِنْهُ، وَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهُ أَبَدًا، لَيَرِدُ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، حَتَّى إِذَا أَهْوَيْتُ لأُنَاوِلَهُمُ اخْتُلِجُوا دُونِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا بَدَّلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي".
ألا تخاف أن تكون من هؤلاء الذين بدّلوا وتركوا سنة نبيّهم -عليه الصلاة والسلام-، فبدّلوا سنةَ أعفاءِ اللحية، وتقصيرِ الثوب، وغضِّ البصر، والتّبكيرِ للصلوات، ومجالسةِ الصالحين؟!.
ألا تخافي -أختي المسلمة- أن تكوني من هؤلاء اللاتي بدّلْن وتركْنَ سنة نبيّهنّ -عليه الصلاة والسلام-، وسنة الصالحات التقيّات، فبدّلْنَ سنة الحجاب والعفاف والحياء؟!.
وستربح انشراح صدرك؛ فإنّك إذا استقمت على دين الله فسيملأ الله قلْبك أُنْسًا وسعادة، وستشعر بالرّاحة النفسية، ولن تشعر بالخوف من الموت، الذي يقضّ مضاجع العصاة.
وستربح شرف دخولك في زمرة الصالحين، الذين يحبّهم الله، ويدعو لهم المؤمنون في كلّ صلاة، فهم يقولون في كلّ صلاة: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين".
وتدعو لهم ملائكة الرحمن، وحملةُ العرش؛ قال -تعالى-: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)[غافر: 7 - 9]، فهذا الدعاء العظيم، الذي صدَر من أخصّ ملائكة الله يُحرمُ منْه العصاةُ الضالون، المخالفون لسنة سيّد المرسلين -عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم-.
وستربح الجمال في مظهرك، والوقارَ في هيْئَتِك؛ فإنّ المتّبع للسنة لوجهه نورٌ وجمال، وله وقار وهيبةٌ يُحسّ بها كلّ من رآه وجالسه.
وستربح محبة الناس لك؛ قال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا)[مريم: 96]، قال بعضُ السلف: "يحبّهم، ويحبّبهم إلى عباده".
وستربح دفعَ شرورَ الدنيا والآخرة عنك؛ (إِنَّ اللَّهَ يُدْفَعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا)[الحج: 38]، وستربح موالاة الله لك، ولا يذلّ من والاه الله؛ (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)[البقرة: 257].
نسأل الله -تعالى- أن يفتح لنا خزائنَ رحمته، وأن يُعطينا من واسع فضله، إنه على كل شيء قدير.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوثِ رحمةً للعالمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
معاشر المسلمين: إنّ السعيد من عقد العزم من الآن على الهداية والصلاح، وبادَرَ إلى العمل بسنّة نبيّك -صلى الله عليه وسلم-، ولا يؤجّل ولا يسوّف؛ فإنّ مَن تأخّر عن العمل بما أمر الله يُعاقب بالصّدود عنه والتّثْبيط والإعراض، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ كما قال -تعالى- عن قومٍ تأخّروا وتكاسَلُوا عن القيام بما أمر الله: (إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ)[التوبة: 83]، وقال -تعالى-: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ)[الأنعام: 110]، قال العلامة السعدي -رحمه الله-: "إنّ المتثاقل المتخلّف عن المأمور به عند انتهاز الفرصة لا يوفَّق له بعد ذلك، ويُحَال بينه وبينه".
نسأل الله -تعالى- أن يجعلنا من السابقين المقرّبين، إنه سميع قريب مجيب.
عباد الله: أكثروا من الصلاة والسلام على نبي الهدى، وإمام الورى؛ فقد أمركم بذلك -جل وعلا- فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56]، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء، والربا والزنا، والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، وخُصَّ منهم الحاضرين والحاضرات، اللهم فرِّج همومهم، واقض ديونهم، وأنزل عليهم رحمتك ورضوانك يا رب العالمين.
عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[النحل: 90]، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم