عناصر الخطبة
1/الليالي والأيام خزائن للأعمال 2/أحوال الناس بعد انتهاء رمضان 3/المحافظة على العمل الصالح 4/خطورة الفرح بالباطل 5/ذم اللهو وكل ما يصد عن الحق 6/تحذير من مبطلات الأعمالاقتباس
ماذا يتصور العبد من حالة ذلك الرجل في القيامة، حين تُفتح خزائن أعماله بين يدي مولاه، وفيها الطاعة والانقياد، والصدق والإخلاص، والوفاء والمحبة لله، والذكر له والخشوع والخوف منه والرجاء. وماذا يتصور عن المجرم في القيامة حين تُفتح خزائن أعماله؟ وفيها الخيانة والكذب، والكبر والكراهة للدين، والإعراض عنه، والغفلة والنسيان....
الخطبةُ الأولَى:
الحمد لله الذي أنعم علينا بالإسلام، وأكرمنا بشهر الصيام؛ شهر رمضان الذي تُضاعَف فيه الحسنات وتُكفّر فيه السيئات، فالنفحات فيه كثيرة من الملك الأعلى، ليست كسائر الأيام، أحمده -تعالى- وأشكره وأستغفره وأتوب إليه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحليم العظيم، الذي كل الخلائق تحت تصرفه وتدبيره، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل رسله وخاتم أنبيائه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وكذا من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: أيها المسلمون: فإن الشهور والأعوام والليالي والأيام خزائن للأعمال، فاعملوا فيها صالحاً واجتنبوا الآثام، واختموا شهر رمضان بتوبة وأوبة، ثم أتبعوا رمضان صيام ستّ من شوال، وحافظوا على الصلاة مع الجماعة، كما حافظتم عليها في رمضان، استقيموا على طاعته وتذكروا رقابته علينا في جميع أوقاتنا، فهو -تعالى- رقيب وشهيد وعليم بذات الصدور.
ومع كمال علمه وكمال اطلاعه فقد وكّل الكرام الكاتبين بتدوين أعمالنا، قال -تعالى-: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ)[سورة الانفطار:10-12]، ثم ماذا يا أخي المسلم بعد هذه المراقبة والتدوين، أليست الملاقاة حتمية للرب العظيم بجميع أعمالنا؟ كما أخبر عن ذلك بقوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ)[سورة الانشقاق:6].
وإن المجرمين في الآخرة سيُشْفِقُون مما في كتابهم من الدقيق والجليل؛ كما قال -تعالى-: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)[سورة الكهف:49].
عباد الله: ماذا يتصور العبد الآن من حالة ذلك الرجل في القيامة، حين تُفتح خزائن أعماله بين يدي مولاه، وفيها الطاعة والانقياد، والصدق والإخلاص، والوفاء والمحبة لله، والذكر له والخشوع والخوف منه والرجاء.
وماذا يتصور عن المجرم في القيامة حين تُفتح خزائن أعماله؟ وفيها الخيانة والكذب، والكبر والكراهة للدين، والإعراض عنه، والغفلة والنسيان، والصدّ عن دينه، والانتهاك لحرماته وقلة الحياء منه، وعدم الخوف من أليم عقابه، ثم يذكر أنه حتماً أحد الرجلين، وأن الجنة أقرب إليه من شراك نعله والنار مثل ذلك.
أيها المسلمون: وحيث إن كلاً منا يعرف ذلك؛ فلنعرف أيضًا لهذا الوقت قدره، وأهميته، وخصوصاً من ناحية شكر الله على ما أنعم به علينا، فنحافظ على أعمالنا الصالحة، بالاستقامة والتهنئة والدعاء، ولا ننزل بأنفسنا إلى مستوى الطفولة؛ ولا إلى حالة من تطاول أيام الخير والبركة وعاد إلى حالته السيئة قبل رمضان.
فالعبد المستقيم حقاً يسير على المنهج الذي كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، ولا يخفى أنه -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه يحافظون على أُسَرهم بالتربية الحسنة، ويتعاونون على البر والتقوى، ويبذلون الجهد لنشر هذا الدين بالمال والنفس واللسان والسنان، ويصبرون على طاعة الله ويحبونها ويبادرون إليها، فكأن الوقت عندهم كله رمضان، وينكرون المنكر فلا يخافون في الله لومة لائم، ولا يحبون أهل المنكر ويتبرؤون من فعلهم.
وإذا وقعت منهم رفاهية فهي في المشروع، من تعود رماية وسباق، وتعلم فروسية ونحو ذلك، أما العاب الأطفال فتافهة وضئيلة، لا يلتفت إليها من له عقل وتمييز يدرك به حقيقة ما خُلق له. ومن يسعى حقاً لما أعدّ الله للمتقين من الأجر والكرامة لا يجد فراغاً للهو واللعب، وحتى لو وجده فإنه يعرف الغَبْن الكبير بين اللاعب والجاد في المكسب الأخروي، فضلاً عما يخاف من ضرر اللعب على النفس والقلب والدين.
فهو يذكر بيقين أن الفرح بالباطل والمرح من أعمال الكافرين، وليس من أعمال المؤمنين، فمن عتاب الله للكفار في الآخرة حالة تعذيبهم أن يقال لهم: (ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ)[سورة غافر:75]، ومن بأس الله في الدنيا أن يأتيهم العذاب وهم نائمون، أو يأتيهم ضحاً وهم يلعبون.
فاتقوا الله -عباد الله- واستقيموا على طاعته، وتمسكوا بهديه، واحذروا غاية الحذر من مزالق المفتونين في دينهم ودنياهم، اقرؤوا تفسير قوله -تعالى-: (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ)[سورة يونس:32]. للقرطبي -رحمه الله- وجواب ابن تيمية -رحمه الله- وغيره عن اللعب بالنرد والشطرنج وغيرهما من آلات اللهو لتعرفوا الحق في ذلك من الباطل، ولأجل السير في هذه الحياة على بصيرة وعلم بما يحبه الله ويرضاه، ويقرب إليه في دار كرامته، ويبعد عما يكرهه الله ويبغضه ويصد عن طاعته وذكره.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)[سورة المائدة:90-91]، بارك الله...
الخطبة الثانية:
الحمد لله المعبود على الدوام، المعروف بالكرم والإحسان، أغلى محبوب وأعظم موجود، فسبحانه من إله عظيم وملك كريم، أحمده -تعالى- وأشكره وأستغفره وأتوب إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله -تعالى- بالاستقامة على طاعته، وطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ولا تبطلوا أعمالكم الطيبة، لا تغتروا بكثرة المفرطين في أعمالهم الصالحة، واعلموا -رحمكم الله- أن ترك الصلاة كفر يبطل العمل الصالح، والتخلف عن الجماعة صفة ظاهرة من صفات المنافقين.
واعلموا أن كراهة شيء مما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- من نواقض الإسلام، ومن مبطلات العمل أيضاً؛ قال -تعالى-: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ)[سورة محمد:9]، فكونوا دائماً جادين في أعمالكم الصالحة ومخلصين، فما أكثر المدح والثناء لأهل الجد والإخلاص والاستقامة في القرآن الكريم والسنة النبوية، وما أكثر الذم لأهل الخيانة والفجور والغفلة والدناءة والنسيان، وما أكثر العقوبات الواقعة عليهم في الدنيا فضلاً عن الآخرة.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم اجعلنا ممن يلاقى عمله يوم القيامة بالفرح والسرور، ولا تجعلنا ممن يلاقيه بالويل والثبور.
اللهم أصلح فساد قلوبنا، واغفر زلاتنا، واستر عوراتنا، وأدم علينا الأمن في أوطاننا، واحفظنا بما تحفظ به عبادك الصالحين، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام؛ (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم