خطبة عيد الأضحى المبارك

الشيخ سعد بن عبدالرحمن بن قاسم

2026-05-27 - 1447/12/10 2026-05-23 - 1447/12/06
التصنيفات: الأضحى
عناصر الخطبة
1/فضائل يوم النحر 2/من دورس قصة الذبح والفداء 3/أهمية الهدي والأضاحي 4/فضل الأضحية وسننها 5/حقيقة العيد وأهمية التوحيد.

اقتباس

ليس السعيد مَن أدرك العيد، ولبس الجديد، وركب المياثر اللينة في الهياكل الفخمة، وتعالى في مشيته وتبختر على العبيد، وإنما السعيد مَن اتقى الله في سره وعلنه، وخضع لربه فكان من صالح العبيد، وختم له بذلك ففاز بالجنة ونعيمها الذي لا يفنى ولا يبيد، وسلم من نار حرها شديد...

الخطبةُ الأولَى:

 

الله أكبر، الله أكبر (9 مرات)، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

 

الحمد لله الذي فضَّل بعض الأيام على بعض ويسَّر، وأنار قلوب أوليائه وبصَّر، وجعل اليوم العاشر من هذا الشهر يوم الحج الأكبر، عيداً يعود في كل سنة ويتكرر، أحمده -تعالى-؛ فهو المستحق لأن يُحمد ويُشكر.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك العظيم الذي خلق فقدَّر، ودبَّر فيسَّر، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صاحب اللواء والكوثر، اللهم صلِّ على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه الذين أذهب عنهم الرجس وطهر، وسلِّم تسليماً كثيراً.

 

أما بعد: فيا أيها الناس: اتقوا الله -تعالى- حق التقوى، تمسكوا بالعروة الوثقى، وكونوا على النهج الذي يحب ويرضى، واعلموا -رحمكم الله- أن يومكم هذا فضيل وعيد شريف جليل، رفع الله قدره وأظهر، وسماه يوم الحج الأكبر.

 

 خطب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هذا اليوم فقال: "أيها الناس، اعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأطيعوا ذا أمركم؛ تدخلوا جنة ربكم"، وقال -عليه الصلاة والسلام-: "لا ترجعوا بعدي كفارًا؛ يضرب بعضكم رقاب بعض".

 

أيها المسلمون: في هذا اليوم يجتمع الحجاج بمنى يستكملون مناسكهم، ويتقربون إلى الله بالعجّ والثج، يحيون سُنة أبيهم إبراهيم -عليه السلام- بإهراق الدماء في هذا اليوم العظيم، فإن الله ابتلاه بأن أمره بذبح ولده وفلذة كبده ليسلم قلبه لله، ولا يكون فيه شركة لسواه، فإن العباد لذلك خُلقوا وبه أمروا.

 

 فامتثل إبراهيم -عليه السلام- لأمر ربه طائعًا، وخرج بابنه مسارعًا وقال: (يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)[سورة الصافات:102]، فاستسلما للقضاء المحتوم وسلما أمرهما للحي القيوم، فلما تلَّه للجبين، وأهوى إلى حلقه بالسكين، أدركته رحمة أرحم الراحمين، فنُودي (أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ)[سورة الصافات:104 - 106].

 

 وأُوتي بكبش من الجنة فذبحه فداءً ولده، فأحيا نبيكم محمد -صلى الله عليه وسلم- هذه السُّنة وعظّمها، فأهدى في حجّته مائة بدنة، وضحّى في المدينة بكبشين أملحين أقرنين، أحدهما عن محمد وآل محمد، والآخر عن أُمة محمد.

 

 ومما ورد في فضل الأضحية ما أخرجه الترمذي وابن ماجه والبغوي عن عائشة -رضي الله عنها- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما عمل ابن آدم من عمل يوم النحر أحب إلى الله -عز وجل- من هراقة الدم، وإنه ليأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع بالأرض فطيبوا بها أنفسًا".

 

وعن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما أنفقت الورق في شيء أحبّ إلى الله مِن نحرٍ يُنْحَر يوم عيد"، وعن زيد بن أرقم -رضي الله عنه- أنهم قالوا: يا رسول الله ما هذه الأضاحي؟ قال: "سُنّة أبيكم إبراهيم"؛ قالوا: فما لنا فيها؟ قال: "بكل شعرة حسنة".

 

ومع ما عرفتم في فضل الأضحية فحكمها عند أكثر العلماء أنها مستحبة، وبعضهم يرى الوجوب مع اليسار، وأفضلها أكرمها وأسمنها وأغلاها، وتجزئ الشاة عن الرجل وأهل بيته، وتجزئ البدنة عن سبع شياه، تأكدوا من أعمارها المجزئة، وسلامتها من العيوب، وتعرفوا لكيفية النية والذبح، وليكن في الوقت المحدد، ويوم العيد أفضل من أيام التشريق، والسنة توزيع الأضحية أثلاثًا، ثلث للأهل، وثلث للصديق، وثلث للفقراء.

 

أيها المسلمون: عَظِّموا شعائر الله، فإن تعظيمها من تقوى القلوب، قال -تعالى-: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)[سورة الحج: 32]، تذكروا أن هذه النسك قد شرعها الله لنا ولغيرنا من الأمم، وذلك لنشكر نعم الله علينا، ولتوحيده وإجلاله وذكر اسمه، قال -تعالى-: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)[سورة الحج: 34 - 35].

 

وفي الآية الأخرى بيَّن الله -تعالى- أنه لا يناله اللحوم ولا الدماء في القرابين، وإنما يناله التقوى من أصحابها، والتعظيم له -تعالى-، والشكر له، ولهذا سخَّرها وبشر المحسنين؛ قال -تعالى-: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ)[سورة الحج:37].

 

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الله أكبر، الله أكبر (7 مرات)، الله أكبر عدد من أَمَّ البيت الحرام وطاف، وخضع لربه واستكان في كل عيد وفي كل وقت وأوان، الله أكبر عدد ما يقرب إلى الله من قربان، فداء للأنفس وتعظيمًا له وإحسان.

 

الله أكبر عدد ما أفاض المولى على العباد من الكرم بالعفو والإحسان، الحمد لله معيد الجمع والأعياد، ومبيد جموع الشر والفساد، رافع السبع الشداد عالية بغير عماد، وباسط الأرض ومرسيها بالأطواد، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد.

 

أحمده -سبحانه- على نعم لا يُحصى لها تعداد، وأشكره فبشكره تكثر النعم وتزداد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحليم على عباده فلا يؤاخذ بكل زلة وتقصير وفساد، الرؤوف بعباده المتجاوز عنهم وإن عاقب فعقوبته تطهيرًا لهم من درن الفساد، وعدلاً بين العباد.

 

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الهادي إلى سبيل الرشاد، الصابر في ذات الله رغبةً فيما عنده ورأفة بأُمّته، حتى انتشر هذا الدين ودخل الناس فيه أفواجًا بعد أفواج، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.

 

أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله -تعالى-، واعتبروا بما وقع للأنبياء من ابتلاء، وما قاموا به من صبر ووفاء، حتى نالوا العزة والمحبة والشرف، واتعظوا بما حصل لأعداء الله المخالفين لرسلهم من ذلة وهوان، وسوء عاقبة وحرمان؛ قال -تعالى-: (تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)[سورة القصص:83].

 

أيها المسلمون: ليس السعيد مَن أدرك العيد، ولبس الجديد، وركب المياثر اللينة في الهياكل الفخمة، وتعالى في مشيته وتبختر على العبيد، وإنما السعيد مَن اتقى الله في سره وعلنه، وخضع لربه فكان من صالح العبيد، وختم له بذلك ففاز بالجنة ونعيمها الذي لا يفنى ولا يبيد، وسلم من نار حرها شديد، وقعرها بعيد، طعام أهلها الزقوم، وشرابهم الصديد.

 

عباد الله: ليس الإسلام هوية تؤشر، ولا بطاقة تدوّن وتصور، وإنما هو استسلام لله بالتوحيد وانقياد له بالطاعة، وبراءة من الشرك وأهله، واستعداد للقاء الله في يوم تبلى فيه السرائر، وينادى فيه الإنسان بالسعادة أو بالشقاوة بين الخلائق.

 

فاتقوا الله عباد الله ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، مستعدون للقائه والوقوف بين يديه بطاعته وطاعة رسوله، وباجتناب ما نهى عنه ورسوله، وبالقيام بما أنتم مسؤولون عنه، فكلكم راع ومسؤول عن رعيته، وليتذكر كل منا أنه مسؤول عن عمره فيم أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه؛ قال -تعالى-: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ)[سورة التكاثر:8]، فما أكثر ما أنعم به علينا وما أكثر ما اقترفناه.

 

فاللهم رحماك ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا.

 

اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها واجعل خير أعمالنا خواتيمها، واجعل خير أيامنا يوم لقائك وأنت راضٍ عنا يا حي يا قيوم.

 

(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

 

المرفقات

خطبة عيد الأضحى المبارك.doc

خطبة عيد الأضحى المبارك.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات