عناصر الخطبة
1/الحمد لله على نعمة إكمال الصيام 2/السعادة الحقيقية 3/ من خصائص الأمة المسلمة 4/وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 5/ العيد فرصة للتواصل 6/ العبادة وظيفة العمر 7/رسائل للمرأة المسلمةاقتباس
سل كل باحث عن السعادة، سل كل من طرق مسالك المتعة الدنيوية، سيحدثك أن لذة دمعةٍ من خشية الله وهو يصلي أو يتلو، وأن متعة الفطر بعد صيام، وأن بهجة مجمع الناس في المساجد في رمضان توازي كل المتع، وذلك برهان على أن اللذة والسعادة قلبيةٌ لا بدنية، تستمد من الله فهو خالق القلوب ومُسعِدها أو مشقيها...
الخطبةُ الأولَى:
الحمد لله رب العالمين، إلهِ الأولين والآخرين وقيوم السماوات والأرضين، ومالكِ يوم الدين. هو المليك لا شريك له، والفرد لا ندّ له، رب العباد وإليه المعاد، إذا دُعي أجاب وإذا عُومِل أثاب. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مُسيّر الأيام، ومُدبّر الأعوام، لا تُعجزه الكائنات، ولا تؤوده المخلوقات، والكون يسير بتدبيره بانتظام.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، جاء بأتم التشريعات، وخُتِمت به الرسالات، وأنارت ببعثته الظلمات. صلى الله عليه وسلم ما دار في السماء فلك، وما سبّح في الملكوت ملك، وعلى آله وصحبه أجمعين ومن سار على نهجه واستنّ بسنته إلى يوم الدين.
اللهُ أَكبرُ مَا وَحَّدَهُ المُوَحِّدُونَ وَذَكَرُوهُ فَارتَفَعُوا، اللهُ أَكبرُ مَا جَحَدَهُ الجَاحِدُونَ وَنَسُوهُ فَاتَّضَعُوا.
الله أكبر كلمة لو عقلتها القلوب لآمنت بالله، ولما التفتت إلى سواه، الله أكبر من كل شيء وأعظم من كل شيء وأقوى من كل شيء، الخلق خلقه والقوة قوته، وهو العلي الكبير.
الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرةً وأصيلاً.
أما بعد: فاتقوا الله أيها المؤمنون. مباركٌ عليكم العيدُ يا أهل العيد، وإنه لخير عظيم أن يَمُدَ رَبّك في عمرك فيُبلّغك المواسم، ابتداءً وختمًا، وما الدنيا إلا مراحل وأيام، أشرَفُها ما فيها من مواسم التجارة مع الله، فمن أدرك ذلك فليحمد ربه وليسأله العون والقبول، فإذا قبل الله منك ما عملت فأنت في ربح كبير وخير عظيم، فاللهم اجعلنا من المقبولين.
يا أهل العيد: روعة هذا الدين تكمن في أنه يُحقِّقُ للروحِ الأُنسَ والسعادة في الدنيا، والثوابَ والنعيم في الأخرى، ولقد رأيتم الأولى في رمضان، والله أسأل أن نرى الثانية في الآخرة.
فالقلب لن يأنس ويطمئن إلا في العيش في العبادة. القلب لن ينشرح ولو ذهب لأجمل البقع، والتذ بكل الملذات، إلا إذا قرُب من الله ودخل جنة الطاعة. سل كل باحث عن السعادة، سل كل من طرق مسالك المتعة الدنيوية، سيحدثك أن لذة دمعةٍ من خشية الله وهو يصلي أو يتلو، وأن متعة الفطر بعد صيام، وأن بهجة مجمع الناس في المساجد في رمضان توازي كل المتع، وذلك برهان على أن اللذة والسعادة قلبيةٌ لا بدنية، تستمد من الله فهو خالق القلوب ومُسعِدها أو مشقيها.
وإنه لقمن بنا في زمن اللهث وراء المتع الدنيوية أن نتشبث بسبب السعادة الحقة، وأن ندوم على العهد، فرمضان ما هو إلا دورة تهيئ النفس لنجعل بقية العام مع الطاعة، كي يكون لقاؤنا بربنا عند رحيلنا هو عيدنا الأكبر.
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر.
عباد الله: لقد شرّف الله هذه الأمة بخصال، منها أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؛ (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)[آل عمران: 110]، وذمَّ اليهود على أنهم (لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)[التوبة: 79]، وكان ذلك من أسباب عذابهم. وإنه ما من أُمّة يشيع فيها التواصي بالخير، والتناهي عن الشر؛ إلا وهي أمة مرحومة، وإذا غاب التواصي والتناصح فنخاف من العقوبة.
وربنا حين عدّ الأمم المُعذَّبة قرر أنه لو وجد منهم نصَحةٌ لما أُهلِكوا؛ فقال: (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ)[يونس: 116- 117]؛ لأجل ذلك؛ فواجب التواصي بالخير والتناهي عن المنكر مطلوب من الجميع، لا يحتاج لوظيفة معينة، ولا إلى شخص له مواصفات محددة، بل هو واجب الأمة بأَسْرها ولا يحتاج لمنابر وتدبيج ألفاظ، بل ربما كان بلفظ عابر من التنبيه، وكلمة يسيرة من التوجيه هو مشروع ورسالة يحملها المرء أينما وُجِد، في بيته، مع أسرته، في محيط عمله، في سوقه وطرقاته، ومسجده، فقمنٌ براغبي الخيرية أن يمتثلوه.
ومِن فضل ربنا علينا أن في الناس خيراً كبيراً، أرانا رمضانُ جانباً منه، حين كنت ترى المساجد ممتلئة، وأبواب الخير مزدحمة ومجالاتَ الخير عامرة، فالخير أصل، والقصور والعصيان طارئ، فيا دعاة الخير كونوا عوناً للناس على الخير، إن رأيتم خيراً آزرتموه أو منكراً أنكرتموه، كي تتحقق للأمة الرفعة والسلامة، ويتحقق لكم الأجر والكرامة.
ومحيط النساء -أختنا المباركة- يحتاج للتناصح والأمر بالمعروف كما مجامع الرجال وأشد، فاحتسبي ذلك.
والناصحون يا كرام لا ينتظرون كلمات الثناء تُكال لهم، بل قد يُرَدُّ عليهم بصدود وإغلاظ، ولكنهم يُعذرون إلى ربهم، ويحملون الناس على الخير ويأطرونهم على الفضيلة، وذاك أمر يبغون ثوابه من مولاهم، ونجاةً في دنياهم وأخراهم.
يا كرام: موسم العيد يطيب ويتبارك حين نحقق فيه سلامة الصدر، ونظافة القلب، وتلك خصلة يعظم داعيها في الأعياد، أن تجعل قلبك سليماً على إخوانك، تُصفِّيه وتُنقِّيه، لا حسد ولا بغي، بل أخوةٌ ووفاء وعفوٌ ونقاء.
يطيب العيد حين نزيل ما تراكم على القلوب من شحناء وقطيعة، ونتعالى على حظوظ النفس، ونزيل من قلوبنا كل دَنَس، نصل الأرحام يحدونا دافع الخير وشرف اليوم، وحق القريب، وابتغاء الأجر، ليس أمام أعمالنا ووصولها للسماء مانع الشحناء، وليس في قاموسنا: أنا أحق بالزيارة، وأنا المقدّم في الدعوة، وأنا الأكبر والأجدر بالوفادة، يسبق الموفق لأخيه وقريبه قبل أن يأتيه، ويبادر القريبَ والقريبة، بنفس طيبة زكية، وبهذه النفوس، وهذا التآخي يطيب العيد، ويكون سعيد.
ومن لم يصل رحمه في الأعياد فمتى، وإن لم نفرغ أنفسنا فيه لصلة من حقهم معلّق بعرش الرحمن، وفيه يقول -عليه السلام-: "الرحم معلّقة بعرش الرحمن، فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله".
إن لم توصل في العيد فمتى؟ يكتمل العيد حين نلتفت لقومٍ من حولنا يحتاجون منّا لنظرة رحيمة وكلمةٍ لطيفة وهديةٍ خفيفة، العاملُ القريب، والخادمة المساكِنة، والمغتربون من حولك، وكل مكروب، وما أجمل العيد حين ترسمُ البسمةَ والفرحة في وجوه هؤلاء.
الخطبة الثانية:
الحمد لله على جزيل النعماء، والشكر له على ترادف الآلاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، سيد الأولياء، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الأصفياء، وأصحابه الأتقياء، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
يا كرام: مشروع التعبد مشروع عمر ومسيرة دهر، لا موسم شهر، والموفق من غيَّر فيه رمضانُ الحالَ في علاقته مع ربه، فذاك أعظم ما تَخرُج به من شهرك. الصور الرائعة والصفوف المتطاولة التي كانت تعيشها مساجدنا في الفروض والتراويح من قِبَل الشباب ينبغي أن تدوموا عليها يا شبابنا، فأنتم أمل الأمة، وعبر بوابة الصلاة تصلح حياتكم وتطيب آخرتكم وتعتز أمتكم القرآن الذي عشنا معه في النهار تلاوة وفي الليل سماعاً هو دستور الأمة، فليكن لنا معه عيش، فلقد رأيتم كيف سعدت قلوبكم عند سماعه ووجلت قلوبكم عند تلاوة عظاته، فالحرمانُ أن نعود بعد رمضان لهجره.
الصدقات والإنفاق، موسمها كل آن، وحاجة الفقراء بعد رمضان أشد، فدُمْ على السخاء والبذل زكاةً وتطوعاً. الصيام نافلةٌ يباعد المولى بها العبدَ عن النار سبعين خريفاً فطوبى لمن خرج من رمضان وقد عزم أن يكون له عباداتٍ يداومها، وقرباتٍ يفيء لها، وأحبُّ العمل ما دووم عليه.
يا مؤمن: أحسن الظن بربك أن قد قبلك، فلا تعد لتسود الصحائف كرة أخرى، أحسن الظن به أن قد أنار قلبك فلا تطفئه بالأوزار تارة أخرى، فالتحدي يبدأ اليوم، حين يقلّ المعين على الطاعة، وينتهي شهر العبادات الجماعية، وتنطلق الشياطين، فاستعن بالله وسله التوفيق والعصمة، والدنيا كلها ابتلاء ومعارك مع النفس والشيطان، فطوبى لمن صابر نفسه عن المحرمات، وجدّ في الطاعات، فذاكم هو التوفيق الحقيقي.
أيتها الموفقة: القابضة على عفتها، وأخلاقها، وحيائها، وحجابها واحتشامها، هي قابضة على شرف الدنيا، وعلى شرف الآخرة، والقضية ليست لباساً يُلبَس أو حجاباً يُرخى، بل هو امتثالٌ لربِّ البرية وتحقيقٌ للعبودية، فاحتسبي الأجر على احتشامك وحجابك فأنتِ على أجر.
أختنا الموفّقة: الذي أمر الرجال بغض البصر أمرك بذلك، وفي زمن التقنية الحديثة انفتحت أبواب للنظر لا حصر لها، وكم جرَّ التساهل فيها من شرور، فإذا أردتِ أن يسلم لكِ قلبُك، فغضي البصر عما حرم الله، وإذا أردتِ أن تكون مرتاحة البال فغُضّي البصر عما لا ثمرة منه مِن تتبع تفاصيل يوميات وحياة الآخرين، فذاك فوق أن يُشغِلُ ويلهي، يضعف القناعة فيما رُزِقْتِ من نعم، ومَن فقد القناعة في نِعَمه فقد السعادة من حياته.
أمة الإسلام: أعظم ما يُوبِق المرأة لسانها، وحين ذكر -عليه السلام- أن النساء أكثر أهل النار ذكر السبب فقال: "تكثرن اللعن وتكفرن العشير"؛ فلسان المرأة أخطر عليها من كل شيء، ربما كانت مُصلّية صائمة، لكنها تهدم كل ذلك بلسانها، بالغيبة تارة، والسخرية والتنقص تارة، والتطاول على الزوج تارة، والفخر والتعالي، وغير ذلك، فصوني لسانك عما يسوء، وأطلقيه فيما يُحمَد، ولقد اختصر الرحيم بأُمته طريق النجاة في أربع خصال: "إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها؛ دخلت الجنة"؛ فاعرضيها على نفسك كل يوم، لتستنقذي نفسك من النار.
وبعد معاشر المسلمين: فقد كان من سُنة المصطفى -عليه السلام- أنه إذا أتى من طريق رجع من طريق آخر فلْيتحرَّ المرء تطبيقها، ويقرر أكثر العلماء أن مَن لم يُخرج زكاة الفطر قبل الصلاة تعيَّن عليه إخراجها، وهو آثِم إن كان التأخير بلا عذر.
وآن أن نقول جملة نقولها كل عيد: بأن امضوا اليوم لعيدكم وافرحوا بيومكم، وحق لكم أن تفرحوا وقد اصطفاكم ربكم من بين الناس فجعلكم مسلمين، وأمدّ في أعماركم فبلغكم تمام الشهر وأنتم سالمين.
أسأل الله أن يفرحكم بمرضاته، وأن يكرمكم بجناته، وأن يسعدكم بلقائه، اللهم صلِّ وسلم على محمد.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم