خطبة عيد الفطر 1447هـ

الشيخ عبدالعزيز بن محمد النغيمشي

2026-03-20 - 1447/10/01 2026-03-19 - 1447/09/30
التصنيفات: الفطر
عناصر الخطبة
1/جزاء الطائعين جنات النعيم 2/الثبات على الطاعة 3/من أسباب ارتكاس القلب 4/وصايا العيد

اقتباس

اليَومُ هُوَ عِيْدُنا أَهْلَ الإِسْلام، ولا عِيْدَ للمُسْلِمِيْنِ غَيْرَ الفِطْرِ والأَضْحَى. فاسْتَبْشِرُوا في أَيامِ أَعيادِكُم، وأَظْهِرُوا فيهِا فَرَحَكُم، فَإِنَّ الفَرَحَ في يَومِ العِيْدِ عِبادَةٌ، وإِنَّ الفَرَحَ بِالعِبادَةِ سَعَادَة. لا تَبْطُرُوا في يَومِ العِيْدِ ولا في غَيْرِه، ولا تُصَيِّرُوهُ يَومَ مُجاهَرَةٍ بالآثَام.

الخطبة الأولى:

 

الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْن (الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَىٰ * وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى * اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ) تَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُون (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)

 

وأَشْهَدُ أَن لا إِله إِلا اللهُ وحدَهُ لا شَرِيْكَ لَه، وَأَشْهَدُ أَنَّ محمداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ، أَرْسَلَهُ اللهُ رَحْمَةً لِلعَالَمِيْن، فَبَلَّغَ الرِّسالةَ، وَنَصَحَ الأُمَةَ، وَجَاهَدَ في اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ حَتَى أَتاهُ اليَقَيْن صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وأَصْحَابِهِ أَجْمَعِيْن.  أَما بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون.

 

اللهُ أَكْبَر..  اللهُ أَكْبَر..   اللهُ أَكْبَر..  لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَر

اللهُ أَكْبَر..    اللهُ أَكْبَر..    اللهُ أَكْبَرُ كبيراً

 

أَيُّها المُسْلِمُون: طَابَتْ حياةُ الطَائِعِيْنَ لِرَبِهِم، طَابَتْ حَياةُ مَن اهْتَدَى ومَنْ اتَّقَى. طَابَتْ حَياةُ المُخْبِتِيْنَ لِرَبِهِم، طَابَتْ حَياةُ مَنْ اسْتَقَامَ على التُقَى. طَابَتْ حَياةُ مَنْ صَلَّى لِرَبِهِ وصَام، وأَدَى زَكاةَ مالِهِ وعلى شرائِعِ الدِيْنِ اسْتَقَام.

 

طَابَ مَنْ رَضِيَ باللهِ رَباً، وبالإِسْلامِ دِيْناً، وبِمحمدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبياً. مَوْعُودٌ بِدارِ النَّعِيْم، ومُبَشَّرٌ بِثَوابٍ كَريْم، فَلا خَوفَ يُلاقِيْهِ بَعْدَ المَوتِ ولا حَزَن ولا كَربَ يُقَابِلُهُ بَعْدَ المَوتِ ولا ضِيْق (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) (لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)

 

بُشْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ آمَن بِرَبِهِ واسْتَجاب، وتَطَهَّرَ مِنَ ذُنُوبِهِ وتَابَ وأَناب، ذُنُوبٌ مَغْفُورَةٌ، ورَحْمَةٌ غَامِرَةٌ، وَعْدٌ مِنَ اللهِ الكَرِيْم (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

 

مُؤْمِنٌ اجْتَهَدَ في طَاعَةِ رَبِهِ، واسْتَكْثَرَ مِنْ عَمَلِ الصَالحَاتِ، فَلَمْ يَمُنَّ بِعَمَلِهِ على رَبِهِ، ولَمْ يُعْجَبْ بِكَثْرَةِ الحَسَنات. أَدْرَكَ أَنَّ اللهُ هُو الذِي مَنّّ عليهِ فأَعانَهُ، ووَفَقَهُ فَقَوَّاه، وأَدْرَكَ أَنَّ الجَنَّةَ لا تُنالُ بالعَمَلِ، إِنَّما تُنالُ برَحْمَةِ اللهِ، والأَعْمَالُ الصَّالحةُ هِيَ المُقَرِّبَةُ إِلى رَحْمَةِ الله. عَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَال: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا -أَيْ: احْرِصُوا على إِصْلاحِ أَعْمالِكُم، واجْتَهِدوا في طَلَبِ الصَوابِ فيها، وأَبْشِروا بالفَضْلِ مِنْ رَبِكم-  فَإنَّهُ لَن يُدخِلَ الجَنَّةَ أحَدًا عَمَلُه، قَالوا: ولا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قال: وَلا أَنَا، إلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنيَ اللهُ مِنْهُ بِرَحمَةٍ» متفق عليه (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ)

 

ومَنْ رَضِيَ باللهِ رَباً، وبالإِسْلامِ دِيْناً، وبِمحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم نَبياً وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّة، ولا يَكُونُ الرِّضاء إِلا مِنْ عَبْدٍ وَقَرَ الإِيمانُ في قَلْبِه، فاسْتَجابَتْ لأَوامِرِ اللهِ جُوارِحُه، وانْقَادَتْ لَهُ أَرْكانُهُ (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)

 

اللهُ أَكْبَر..  اللهُ أَكْبَر..   اللهُ أَكْبَر..  لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَر

اللهُ أَكْبَر..    اللهُ أَكْبَر..    اللهُ أَكْبَرُ كبيراً

 

وثَباتُ القَلْبِ على الدِيْنِ، مُنْتَهَى المَقاصِدِ، وغَايَةُ العَارِفِيْن. ثَباتُ القَلْبِ على الدِّيْنَ، أَنْ يَظَلَّ العَبْدُ مُسْتَمْسِكاً بالإِيْمانِ، لا تَتَمايَلُ بِهِ الفِتَنُ، ولا تَهْزِمُهُ الشَّهَواتُ ولا الشُّبُهات. يَظَلُّ ثابِتاً على مَبادِئِهِ وأَخْلاقِهِ وعَقِيْدَتِهِ واسْتِقامَتِه حَتى يأَتِيَهُ اليَقِيْن.

 

ولا ثَباتَ إِلا لِمَنْ ثَبَّتَهُ اللهُ، ولا حِفْظَ إِلا لِمَنْ حَفِظَه، وقَدْ قَالَ اللهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم: (وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا)  وعَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمروٍ رضي الله عَنْهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَال: «إنَّ قُلوبَ بَني آدَمَ كُلَّها بينَ إِصبَعَينِ مِن أَصَابِعِ الرَّحمَنِ، كَقَلبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُه حَيثُ يَشَاءُ -ثُمَّ قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: اللَّهمَّ مُصَرِّفَ القُلوبِ، صَرِّفْ قُلوبَنا على طاعَتِكَ» رواه مسلم

 

وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبابِ ارْتِكاسِ القَلْبِ، وضَعْفِهِ وتَقَهْقُرِهِ في طَرِيْقِ الاسْتِقامَةِ، وضَعْفِ عَزِيمَتِهِ في الانْقِيادِ لأَوامِرِ اللهِ. مَيْلُهُ إِلى الشَهَواتِ، وانْقِيادُهُ للهَوى، ومُصَاحَبَتُهُ للمَفْتُونِيْن، وتَقْلِيْدُهُ للمْتْرَفِيْن، واغْتِرارُهُ بَكَثْرَةِ المُتَساقِطِيْن.  والمؤْمنُ كَيِّسٌ فَطِن، يَجْتَهِدُ في نَجاةِ نَفْسِهِ ويَجْتَهِدُ في حَفْظِ دِيْنِهِ حَتَى يُلاقِي رَبَهُ على أَكْرَمِ حال. وفي القُرآنِ لِمَنْ طَلَبَ الثَباتَ كِفايَةٌ (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ) (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ)

 

اللهُ أَكْبَر..  اللهُ أَكْبَر..   اللهُ أَكْبَر..  لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَر

 

اللهُ أَكْبَر..    اللهُ أَكْبَر..    اللهُ أَكْبَرُ كبيراً

 

أَيُّها المُسْلِمُون: خَتَمْتُمْ شَهْركُمْ بِما أَوْدَعْتُمُوهُ فيه، وطُوِيَتْ صَحائِفُهُ بِما قَدَّمْتُمُوه فيه، فَمَنْ كَانَ مُحْسِناً فيهِ فَلْحَمْدِا للهِ ولْيَتَزَوَّد، ومَنْ كانَ مُقَصِّراً فيهِ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللهِ وليَتَدَارَك. واعْلَمُوا أَنَّ الأَعْمالَ بالخَواتِيْم (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا)

 

نُفُوسُكُمْ سَلَكَتْ في هذا الشَّهرِ طَرِيْقاً كَرِيْماً، واعْتادَتْ عِبادَاتٍ جَلِيْلَة، وتَخَلَّتْ عَنْ عَوائِدَ سَيئَةٍ، فأَعِيْنُوا نُفُوْسَكُم على مُواصَلَةِ طَرِيْقِها، وجاهِدُوها على صَبْرِها ومُصابَرَتِها. فإِنَّ المَوعِدَ قَرِيْبٌ (وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)

 

* اليَومُ هُوَ عِيْدُنا أَهْلَ الإِسْلام، ولا عِيْدَ للمُسْلِمِيْنِ غَيْرَ الفِطْرِ والأَضْحَى. فاسْتَبْشِرُوا في أَيامِ أَعيادِكُم، وأَظْهِرُوا فيهِا فَرَحَكُم، فَإِنَّ الفَرَحَ في يَومِ العِيْدِ عِبادَةٌ، وإِنَّ الفَرَحَ بِالعِبادَةِ سَعَادَة. لا تَبْطُرُوا في يَومِ العِيْدِ ولا في غَيْرِه، ولا تُصَيِّرُوهُ يَومَ مُجاهَرَةٍ بالآثَام.

 

يَومُ العِيْدِ فُرْصَةٌ لِتَنْقِيَةِ ما في النُفُوسِ مِنْ شَوائِبَ، وتَرْمِيْمِ ما فِيْها مِنْ صُدُوعٍ.  اجْمَعُوا فيهِ شَتاتَ نُفُوسِكُم، أَصْلِحُوا فيه ذاتَ بِيْنِكُم، تَواضَعُوا لإِخْوانِكُم، صِلُوا أَرْحَامَكُم، جَدِّدُوا العَهْدَ بِمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ عَلِيْكُم. تأَدَبُوا بِما أَدَبَكُم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ)  

بارك الله لي ولكم.. 

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ رَبِّ العَالمين، وأَشْهَدُ أَن لا إله إلا اللهُ ولي الصالحين، وأَشْهَدُ أَنَّ محمداً رسول رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وسلم تسليماً، أما بعد:  فاتقوا الله عباد الله لعلكم ترحمون

 

أيها المسلمونَ، أَيُها المُسْلِمات: أَيُّها المؤْمِنات، أَيُها القَانِتات، أَيُّها السَّاجِداتِ الرَّاكِعاتِ المُصَلِيات، أَيُّها الكَرِيْماتِ العَفِيْفات: مَقامُكُنَّ في الشَّرِيعَةِ كَرِيْم، وفَضْلُكُنَّ إِنْ اتَقَيْتُنَّ عَظِيْم، خَاطَبَكُنَّ القُرآنُ بِما خَاطَبَ بِهِ الرِجالَ مَنْ عُمومِ أَوامِرِ التَشْرِيْعِ، وجَعَلَ جَزاءَ المُحْسِنِاتٍ منكُنَّ كَجزاءِ المُحْسِنِينَ مِنَ الرِجالِ، فلا فَرْقَ بَيْن الرَّجُلِ والمرأَةِ في مِيْزنِ الجزاءِ عَنْدَ اللهِ (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ..) (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)

 

ولكِّنَّ اللهَ الخالِقَ المُشَّرِّعَ الحَكِيْمَ، قَدْ شَرَعَ للرِّجَالِ أَعْمالاً تُناسِبُ فِطْرَتَهُم، وشَرَعَ للنِّساءِ أَعْمالاً تُناسِبُ فِطْرَتَهُنَّ، والمُؤْمِنُ والمُؤْمِنَةُ أَعْظَم انْقِياداً لِما شَرَعَهُ الله، وأَعْظَمُ تَسْلِيْماً لأَمْرِه (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا)

 

 أَيُها المُسْلِمات: حَمَى الإِسْلامُ حُرُماتِكُنَّ، وحَرَّجَ حُقُوقَكُنَّ، فَلا يَجْتَرئ عَلِيها إِلا مُعْتَدٍ غاشِمٌ ظَلُوم.   وأَمَرَكُنَّ الإِسْلامُ أَنْ تَلْزمْنَ حُدودَ ما شُرِعَ لَكُنَّ، مِنَ الطَاعَةِ للهِ ولِرَسُولِه، ومِنْ العِفَةِ والسِّتْرِ والحَياءِ والحِجابِ، وأَمرَكُنَّ أَنْ تَحْفَظْنَ بُيُوتَكُنَّ، وأَنْ تَرْعَيْنَ حُقُوقَ أَزواجِكُنَّ، وأَنْ تُرَبِيْنَ على الصَلاحِ أَولادَكُنَّ.

 

فأَنْتُنَّ أَنْتُنَّ، إِنْ ثَبَتُّنَّ على الدِيْن، وأَنْتُنَّ أَنْتُنَّ إِن اسْتَمْسَكتُنَّ بِما يُرْضِيْ رَبَ العَالَمِين.

 

أَنْتُنَّ آخِرُ الحُصُونِ في المُجْتَمَعِ المُسْلِم، وأَنْتُنَّ مَنْ تَدُورُ عَلِيْكُنَّ مُؤَامَراتُ المُنافِقِيْن، فما أَكْثَرُ الآيات التِيْ يأَمُرُ اللهُ فيها المؤْمِناتِ بالعِفَةِ والحِجَابِ والصَلاحِ، ثُمَّ يُعْقِبُها بِالتحذِيْرِ مِنَ مُؤَامَراتِ المُنافِقِيْن، وفي سُورَةٍ النِساءِ خَيْرُ شاهِد، وفي سُورَةٍ النُورِ، وفي سُورَةِ الأَحْزاب لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ قَوْلَهُ: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) أَعَقَبَها بِقَولِهِ: (لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا *  مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا) ولَمَّا ذَكَرَ اللهُ جُمْلَةً مِنْ الأَحْكامِ التِيْ تَتَعَلَّقُ بالنِساءِ في سُورَةِ النِساءِ، أَعْقَبَها بِقَولِهِ: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا)

 

وفي سُورَةِ النُّورِ لَما جَاءَ الأَمْرُ الإِلهيُّ، بِغَضِّ البَصَرِ، وحفظِ الفَرْجِ، ووجُوبِ الحِجابِ، والنَّهْيُ عَنْ إِبداءِ الزِيْنَةِ. حذَّرَ اللهُ مِنْ مُؤَامَراتِ المُنافِقِيْنَ، وتَوَعدَهُم بأَلِيْمِ عِقابِهِ، فَقَالَ سُبْحانَهُ (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)

 

فَما غَاضَ أَعْداءَ الإِسْلامِ مِثْلُ امرأَةٍ مُؤْمِنَةٍ كَسَرَتْ شَوْكَةَ مُؤَامَرَاتِهِم بِثَباتِها، وحَطَّمَتْ طُمُوحاتِهِم بِعِفَتِها وحِجَابِها وحَيائِها. وإِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ المؤْمَنَةِ، تَتَفَقَّهُ في دَيْنَ اللهِ، وتَتَعَلَّمُ شَرِيْعَةَ رَبِها، ثُمَّ تَلْزَمُ ما عَلِمَت، وتَثْبُتُ على ما فَقِهَت.

 

أَيُها المُسْلِمات: لِباسٌ مُحْتَشِمٌ يَضْفِيْ عَلى المُؤْمَنَةِ جَلالاً وبَهاءً ووَقاراً. أَكْرَمُ مِنْ لِباسٍ أَظْهَرَتْ بِهِ المَرأَةُ مَفاتِنَها، فَوَهَنَ دِيْنُها، وضَعُفَ حَياؤُها، وأُصِيْبَتْ بِسَهْمٍ مِنْ سِهامِ أَهْلِ الشَهُواتِ وهِيَ لا تَشْعُر.

 

أَيْها المؤْمناتِ: تَواصَيْنَ بالثَباتِ، وتآمَرْنَ بالمَعْرُوفِ، وتَناهَيْنَ عَنْ المُنْكَر. ولا تَتَنازَلْنَ َعَنْ مبادِئِكُنَ خُطْوَةً فَخُطوَةٍ فَخُطُوات.

 

ما قِيْمَةُ الإِيْمانِ إِنْ لَم يَعصِم، وما قِيٍمَةُ العِلْمِ إِنْ لَمْ يُعْمَلْ بِه. وأَعْظَمُ النِساءِ إِثْماً مَنْ كَانَتْ قُدوةً في عَمَلِ السَّيئاتِ.

 

ربنا تَقَبل منا إنك أنت السميع العليم..

 

المرفقات

خطبة عيد الفطر 1447هـ.doc

خطبة عيد الفطر 1447هـ.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات