خطبة عيد الفطر 1447 - واعتصموا بحبل الله

راكان المغربي

2026-03-20 - 1447/10/01 2026-03-18 - 1447/09/29
التصنيفات: الفطر
عناصر الخطبة
1/العواصم من الفتن 2/القرآن نور وهداية 3/الفرح بالعيد 4/الاستمرار على الطاعات بعد شهر رمضان 5/مشاريع قرآنية مهمة بعد رمضان 6/الفرح بالعيد رغم مآسي الأمة وآلامها 7/اجتماع العيد والجمعة.

اقتباس

حِينَ تَكْثُرُ الآرَاءُ، وَتَتَضَارَبُ المَنَاهِجُ، وَيَقِفُ المَرْءُ حَائِرًا أَيَّ الطُّرُقِ يَسْلُكُ، فَلَا نَجَاةَ حِينَهَا إِلَّا بِأَنْ يَمُدَّ يَدَهُ إِلَى حَبْلِ اللهِ المَمْدُودِ، فَيَعْتَصِمَ بِالقُرْآنِ لِيَكُونَ هُوَ دَلِيلَهُ وَهَادِيَهُ، وَمَرْجِعَهُ وَمُنْطَلَقَهُ، مِنْهُ يَسْتَقِي عَقِيدَتَهُ، وَيَبْنِي أَفْكَارَهُ، وَيُصَحِّحَ مَفَاهِيمَهُ وَتَصَوُّرَاتِهِ...

الخطبةُ الأولَى:

 

الحَمْدُ للهِ ذِي الفَضْلِ وَالإِنْعَامِ، الحَمْدُ للهِ ذِي الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ، الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَكْمَلَ لَنَا العِدَّةَ، وَهَدَانَا السَّبِيلَ، وَأَتَمَّ لَنَا شَهْرَ رَمَضَانَ، بِفَضْلٍ مِنْهُ وَإِحْسَانٍ؛ (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)[البقرة: 185].

 

اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. وَاللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَلِلهِ الحَمْدُ.

اللهُ أَكْبَرُ وَأَجَلُّ، اللهُ أَكْبَرُ عَلَى مَا هَدَانَا. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.

 

 أَمَّا بَعْدُ: هَبَّتِ العَوَاصِفُ.. زَمْجَرَتِ الأَعَاصِيرُ.. تَعَالَتِ الأَمْوَاجُ.

الفِتَنُ أَحَاطَتْ، وَالنِّيرَانُ اشْتَعَلَتْ، وَشَيَاطِينُ الإِنْسِ وَالجِنِّ قَدِ اسْتَعَدَّتْ.

 

فِي خِضَمِّ تِلْكَ المَخَاطِرِ، وَفِي وَسَطِ هَذِهِ المَخَاوِفِ، إِذَا بِحَبْلٍ يَمْتَدُّ مِنَ السَّمَاءِ، لِيُنْقِذَكَ وَيُنْجِيَكَ، وَيَقِيَكَ وَيَحْمِيَكَ، وَيَهْدِيَكَ وَيُوصِلَكَ.

 

حَبْلٌ مَتِينٌ لَا يَهْتَرِئُ وَلَا يَنْقَطِعُ، وَلَا يَغِيبُ وَلَا يَضِيعُ. فَهُوَ مَمْدُودٌ بِأَمْرِ اللهِ، مَحْفُوظٌ بِعَيْنِ اللهِ.

قَالَ -سُبْحَانَهُ-: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ)[آل عمران: 103].

 

وَحَبْلُ اللهِ هُوَ القُرْآنُ الَّذِي بَيَّنَ اللهُ فِيهِ دِينَ الإِسْلَامِ، بِهِ يَهْتَدِي العَبْدُ فَيَصِلُ إِلَى رَبِّهِ، وَتُكْتَبُ سَعَادَتُهُ، وَيُعْصَمُ مِنْ مُضِلَّاتِ الدُّنْيَا وَمَخَاوِفِ الآخِرَةِ. وَلِذَا جَاءَتِ البُشْرَى مِنَ البَشِيرِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذْ قَالَ: "أَبْشِرُوا أَلَيْسَ تَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ؟ قَالُوا: بَلَى. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا القُرْآنَ سَبَبٌ -أَيْ: حَبْلٌ مَمْدُودٌ- طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفُهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَتَمَسَّكُوا بِهِ؛ فَإِنَّكُمْ لَنْ تَضِلُّوا وَلَنْ تَهْلِكُوا بَعْدَهُ أَبَدًا".

 

وَيَقُولُ تِلْمِيذُ المَدْرَسَةِ النَّبَوِيَّةِ النَّجِيبُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "إِنَّ هَذَا الصِّرَاطَ مُحْتَضَرٌ، تَحْضُرُهُ الشَّيَاطِينُ يُنَادُونَ: يَا عَبْدَ اللهِ! هَذَا الطَّرِيقُ، هَلُمَّ إِلَى الطَّرِيقِ، فَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ فَإِنَّ حَبْلَ اللهِ القُرْآنُ".

 

مَعَاشِرَ المُسْلِمِينَ: فِي هَذَا اليَوْمِ السَّعِيدِ، نَبْتَهِجُ بِفَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا، وَنُكَبِّرُهُ عَلَى مَا هَدَانَا، وَنَذْكُرُ نِعَمَهُ عَلَيْنَا طَوَالَ الشَّهْرِ.

 

وَمِنْ جَلِيلِ نِعَمِهِ عَلَيْنَا أَنْ تَجَدَّدَتْ عَلَاقَتُنَا بِكِتَابِ اللهِ، فَكَمْ تَلَوْنَا آيَاتِهِ بِأَلْسِنَتِنَا، وَسَمِعْنَا عَجَائِبَهُ بِآذَانِنَا؟ فِيهِ وَجَدْنَا حَيَاةَ قُلُوبِنَا، وَانْتِعَاشَ أَرْوَاحِنَا، وَزَكَاةَ نُفُوسِنَا.. فَالحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللهُ.

 

ثُمَّ مَاذَا بَعْدَ ذَلِكَ؟ هَلْ سَتُطْوَى الصَّفْحَةُ، وَتَذْبُلُ العَلَاقَةُ، وَنَتَخَلَّى عَنْ حَبْلِ اللهِ المَتِينِ؟!

أَمْ أَنَّنَا سَنَشْكُرُ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْنَا بِأَنْ نُدِيمَ الوِصَالَ مَعَ القُرْآنِ، وَنَعْتَصِمَ بِحَبْلِ الرَّحْمَنِ؟

 

مَعَاشِرَ المُسْلِمِينَ: حِينَ تَكْثُرُ الآرَاءُ، وَتَتَضَارَبُ المَنَاهِجُ، وَيَقِفُ المَرْءُ حَائِرًا أَيَّ الطُّرُقِ يَسْلُكُ، فَلَا نَجَاةَ حِينَهَا إِلَّا بِأَنْ يَمُدَّ يَدَهُ إِلَى حَبْلِ اللهِ المَمْدُودِ، فَيَعْتَصِمَ بِالقُرْآنِ لِيَكُونَ هُوَ دَلِيلَهُ وَهَادِيَهُ، وَمَرْجِعَهُ وَمُنْطَلَقَهُ، مِنْهُ يَسْتَقِي عَقِيدَتَهُ، وَيَبْنِي أَفْكَارَهُ، وَيُصَحِّحَ مَفَاهِيمَهُ وَتَصَوُّرَاتِهِ، قَالَ -سُبْحَانَهُ-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا)[النساء: 174- 175].

 

عِنْدَمَا تَعْصِفُ أَعَاصِيرُ الشَّهَوَاتِ، وَتَنْجَذِبُ النَّفْسُ إِلَى المُغْرِيَاتِ، فَلَنْ تَجِدَ أَحْسَنَ مِنْ حَبْلِ اللهِ تَسْتَمْسِكُ بِهِ، فَيُثَبِّتُكَ يَوْمَ تَزِلُّ الأَقْدَامُ، وَيَعْصِمُكَ حِينَ تَتَسَاقَطُ الجُمُوعُ. قَالَ -سُبْحَانَهُ-: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلمُسْلِمِينَ)[النحل: 102].

 

فِي الزَّمَنِ الَّذِي يَتَكَالَبُ فِيهِ الأَعْدَاءُ عَلَى أُمَّةِ الإِسْلَامِ، فَيَمْكُرُ المَاكِرُونَ، وَيَتَآمَرُ المُتَآمِرُونَ لِانْتِهَاكِ الحُرُمَاتِ، وَسَفْكِ الدِّمَاءِ، وَتَدْنِيسِ المُقَدَّسَاتِ، فَلْيَعْلَمْ أَهْلُ الإِسْلَامِ أَنْ لَا عِزَّةَ لَهُمْ إِلَّا بِأَنْ يَمُدُّوا أَيْدِيَهُمْ مُعْتَصِمِينَ بِكِتَابِ اللهِ، عَائِدِينَ بِصِدْقٍ إِلَيْهِ، مُجْتَمِعِينَ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الهُدَى وَالحَقِّ المُبِينِ، وَالأَخْذِ بِأَسْبَابِ القُوَّةِ وَالتَّمْكِينِ. قَالَ -سُبْحَانَهُ-: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِنْهَا)[آل عمران: 103]؛ فَمَا نَجَا أَوَّلُ هَذِهِ الأُمَّةِ إِلَّا بِالِاجْتِمَاعِ عَلَى التَّمَسُّكِ بِحَبْلِ اللهِ القُرْآنِ، وَلَنْ يَنْجُوَ وَلَنْ يَصْلُحَ آخِرُهَا إِلَّا بِمَا نَجَا وَصَلُحَ بِهِ أَوَّلُهَا.

 

يَقُولُ الصَّحَابِيُّ الخَبِيرُ بِالفِتَنِ حُذَيْفَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنِ الخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ بَعْدَ هَذَا الخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: "يَا حُذَيْفَةُ، تَعَلَّمْ كِتَابَ اللهِ، وَاتَّبِعْ مَا فِيهِ. تَعَلَّمْ كِتَابَ اللهِ، وَاتَّبِعْ مَا فِيهِ. تَعَلَّمْ كِتَابَ اللهِ، وَاتَّبِعْ مَا فِيهِ".

 

فَمَنْ كَانَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ، مَنْ كَانَ يُرِيدُ الوُصُولَ بِسَلَامٍ، مَنْ كَانَ يَبْغِي رِضَا الرَّحْمَنِ، فَلْيَتَّبِعْ هَذِهِ الوَصِيَّةَ وَلْيَسْلُكْ طَرِيقَ تَعَلُّمِ القُرْآنِ ثُمَّ اتِّبَاعِ مَا فِيهِ.

 

لِيَكُنْ هَذَا المَشْرُوعُ هُوَ مِنْ مُخْرَجَاتِ رَمَضَانِكَ، فَتَبْدَأُ فِي بَرْنَامَجِ تِلَاوَةٍ وَتَدَبُّرٍ، أَوْ تَلْتَحِقُ بِحَلْقَةِ تَحْفِيظٍ، أَوْ تَشْرَعُ فِي خَتْمِ تَفْسِيرٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَشَارِيعِ القُرْآنِيَّةِ المُبَارَكَةِ.

 

صَدِّقْنِي.. إِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ فَسَيَكُونُ أَسْعَدَ قَرَارَاتِ حَيَاتِكَ، وَأَرْبَحَ مَشَارِيعِ عُمْرِكَ؛ (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ)[فاطر: 29- 30].

 

مَعَاشِرَ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ: أَعْلَمُ أَنَّكُمْ جَهَّزْتُمْ أَوْلَادَكم فِي هَذَا اليَوْمِ بِأَفْخَرِ اللِّبَاسِ، وَحَلَّيْتُمْ بَنَاتِكُمْ بِأَجْمَلِ الحُلَلِ، فَرْحَةً وَابْتِهَاجًا بِالعِيدِ. ألَا أَدُلُّكُمْ عَلَى اللِّبَاسِ الأَفْخَرِ، وَالحُلَّةِ الأَجْمَلِ؟

 

تِلْكَ الَّتِي حَكَاهَا لَنَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حِينَ قَالَ: "يَجِيءُ صَاحِبُ القُرْآنِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ القُرْآنُ: يَا رَبِّ حَلِّهِ، فَيَلْبَسُ تَاجَ الكَرَامَةِ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ زِدْهُ، فَيَلْبَسُ حُلَّةَ الكَرَامَةِ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ ارْضَ عَنْهُ، فَيَرْضَى عَنْهُ".

 

وَيَقُولُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي حَدِيثٍ آخَرَ: "وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الوَقَارِ، وَيُكْسَى وَالِدَاهُ حُلَّتَيْنِ لَا تَقُومُ لَهُمَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا؛ فَيَقُولَانِ: يَا رَبِّ، أَنَّى لَنَا هَذَا؟! فَيُقَالُ: بِتَعْلِيمِ وَلَدِكُمَا القُرْآنَ".

 

ذَلِكَ هُوَ أَعْظَمُ إِحْسَانٍ يُسْدِيهِ الوَالِدَانِ لِأَوْلَادِهِمْ وَبَنَاتِهِمْ؛ أَنْ يَسْلُكُوا بِهِمْ طَرِيقَ تَعَلُّمِ القُرْآنِ، فَيَكُونُ القُرْآنُ هُوَ صَاحِبَهُمُ الَّذِي يَدُلُّهُمْ عَلَى طَرِيقِ الهِدَايَةِ، وَيَحْفَظُهُمْ مِنْ طُرُقِ الغَوَايَةِ. أَذَلِكَ خَيْرٌ؟ أَمْ أَنْ يَنْشَغِلُوا بِالنَّظَرِ فِي الشَّاشَاتِ، وَمُتَابَعَةِ التَّافِهِينَ وَالتَّافِهَاتِ، وَاللَّهْثِ وَرَاءَ المُوضَةِ وَآخِرِ الصَّيْحَاتِ؟ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)[التحريم: 6].

 

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي القُرْآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. وَاللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَلِلهِ الحَمْدُ.

 

مَعَاشِرَ المُسْلِمِينَ: ابْتَهِجُوا بِالعِيدِ لِأَنَّ اللهَ أَمَرَنَا فِيهِ بِإِظْهَارِ الفَرْحَةِ، وَإِعْلَانِ السُّرُورِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي أَحَدِ الأَعْيَادِ الَّتِي تَشَرَّفَتْ بِحُضُورِهِ: "لِتَعْلَمَ يَهُودُ أَنَّ فِي دِينِنَا فُسْحَةً، إِنِّي أُرْسِلْتُ بِحَنِيفِيَّةٍ سَمْحَةٍ".

 

افْرَحُوا بِالعِيدِ لِأَنَّ الفَرْحَةَ اليَوْمَ عِبَادَةٌ، وَالِاحْتِفَالَ شَعِيرَةٌ، وَنَشْرَ البَهْجَةِ اليَوْمَ مِنْ أَحَبِّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)[الحج: 32].

 

افْرَحُوا بِالعِيدِ رَغْمَ مَا تَعِيشُهُ الأُمَّةُ مِنَ المَآسِي وَالآلَامِ، وَمَا يُعَانِيهِ أَقْصَانَا الأَسِيرُ مِنْ غَلْقٍ لِلأَبْوَابِ، فَقَدْ عَلَّمَنَا اللهُ أَلَّا نَسْتَسْلِمَ لِلْحُزْنِ، وَلَا نَقْبَعَ فِي أَسْرِ الضَّعْفِ وَالهَوَانِ، فَقَالَ لَنَا: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)[آل عمران: 139].

 

(وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ) لِأَنَّكُمْ أَصْحَابُ الحَقِّ الضَّارِبِ بِأَعْمَاقِهِ فِي الجُذُورِ، فَلَنْ تَسْتَأْصِلَهُ كُلُّ قُوَى البَاطِلِ، وَلَنْ تُفْنِيَهُ كُلُّ جُهُودِ الكَيْدِ وَالمَكْرِ؛ (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ)[الرعد: 17].

 

(وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ) فَلَا مَجَالَ لِلضَّعْفِ، وَلَا مَحَلَّ لِلْيَأْسِ، بَلِ امْلَؤُوا بِالفَأْلِ قُلُوبَكُمْ، وَارْفَعُوا بِالعِزِّ رُؤُوسَكُمْ، وَقُولُوا كَمَا عَلَّمَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَصْحَابَهُ أَنْ يَقُولُوا بَعْدَ هَزِيمَةِ أُحُدٍ: "اللهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ... اللهُ مَوْلَانَا، وَلَا مَوْلَى لَكُمْ... قَتْلَانَا فِي الجَنَّةِ وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ".

 

(وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) هَذَا هُوَ الشَّرْطُ، فَلَنْ يَتَحَقَّقَ العُلُوُّ إِلَّا بِالتَّمَسُّكِ بِالإِيمَانِ، وَالِاعتِصَامِ بِالقُرْآنِ، وَالعَضِّ بِالنَّوَاجِذِ عَلَى شَرَائِعِ الإِسْلَامِ.

 

عباد الله: قَدِ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ عِيدَانِ، فَمَنْ شَهِدَ صَلَاةَ الْعِيدِ أَجْزَأَهُ عَنْ حُضُورِ الْجُمُعَةِ، وَيُصَلِّيهَا ظُهْرًا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَمَنْ لَمْ يُصَلِّ الْعِيدَ وَجَبَ عَلَيْهِ حُضُورُ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ بِإِذْنِ اللَّهِ.

 

اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِلإِيمَانِ، وَعَلِّمْنَا القُرْآنَ، وَاسْلُكْ بِنَا طَرِيقَ الجِنَانِ، وَأَعِنَّا عَلَى إِقَامَةِ شَرْعِكَ، وَنُصْرَةِ دِينِكَ، وَإِعْلَاءِ كَلِمَتِكَ.

 

(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ * وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ).

 

المرفقات

خطبة عيد الفطر 1447 - واعتصموا بحبل الله.pdf

خطبة عيد الفطر 1447 - واعتصموا بحبل الله.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات