دعوة لتيسير الزواج

الشيخ عبد الله بن علي الطريف

2026-01-23 - 1447/08/04 2026-02-01 - 1447/08/13
عناصر الخطبة
1/سنة الزواج من سنن المرسلين 2/الدعوة إلى التيسير في الزواج 3/مساوئ عضل النساء والعزوف عن الزواج والتأخر فيه.

اقتباس

ومن تيسير الزواج تركُ العادات المخالفة للشرع، وعدمُ الإسراف في الحفلات، والمبالغةُ في تكاليف الزواج؛ فهذا مخالفٌ لهدي النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- ومن التبذير المذموم شرعًا، وسببٌ لوقوع الشباب في...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71]، أما بعد:

 

أيها الإخوة: اتقوا الله حقَّ التقوى، واشكروه؛ (أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)[الروم: 21]، واعلموا أنَّ الزواجَ نعمةٌ من نعم الله، وآيةٌ من آياته؛ وقد حثَّ عليه الشارعُ الحكيمُ ورغَّبَ فيه؛ فقال: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)[النور: 32].

 

ولما ابتعد الناسُ عن أمرِ الله -تعالى- وهديِ رسولِه -صلى الله عليه وسلم- وما عليه سلفُ الأمة، صار الزواجُ صعبًا وعسيرًا على كثيرٍ من الشباب، وربما أعرضَ عنه بعضُهم بسبب ما اختُلِقَ حوله من أباطيل، وما انفكَّت أمةٌ عن تاريخِها، وانقطعت عن التأسي بسلفِها الصالح، إلا وتركت من الخير بقدر ما أصابت من الشر؛ والنكاحُ من سننِ الله -تعالى- الكونيةِ في جميع الموجودات، ليس خاصًّا ببني آدم، قال -تعالى-: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[الذاريات: 49]، وقال -تعالى-: (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ)[يس: 36].

 

والزواجُ سنَّةٌ من سننِ المرسلين -عليهم السلام-، قال الله -تعالى-: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً)[الرعد: 38]، وجعل -تعالى- الزواجَ آيةً من آياته فقال: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً)[الروم:21].

 

قال الشيخ السعدي -رحمه الله-: "ومن آياته الدالة على رحمته وعنايته بعباده، وحكمته العظيمة وعلمه المحيط، أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا تناسبكم وتناسبونهن وتشاكلكم وتشاكلونهن، لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودةً ورحمةً بما رتَّب على الزواج من الأسباب الجالبة للمودة والرحمة؛ فحصل بالزوجة الاستمتاعُ واللذةُ والمنفعةُ بوجود الأولاد وتربيتهم، والسكونُ إليها، فلا تجد بين أحدٍ في الغالب مثل ما بين الزوجين من المودة والرحمة".

 

والزواجُ طريقٌ للعفاف وصيانةِ الأعراض، وسببٌ لاستقرار المجتمع، وفيه حفظٌ للدين وتحقيقٌ لمقاصد الشريعة في حفظ النسل والأخلاق، قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ"(رواه البخاري ومسلم).

 

أيها الإخوة: والإسلامُ دينُ اليسرِ والتيسير، قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا"، وفي رواية: "وَسَكِّنُوا وَلَا تُنَفِّرُوا"(رواه البخاري ومسلم).

 

وقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ فَالْإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ"(رواه البخاري ومسلم).

 

وفي هذين الحديثين دعوةٌ للتيسير ونهيٌ عن التعسير، وتحميلٌ للأب والأم مسؤوليةَ من تحت أيديهم من البنين والبنات؛ يقول الشيخ ابن باز -رحمه الله-: "الشرعُ المطهَّر لم يحدِّد في المهر شيئًا معلومًا، بل أطلق للناس ما يتفقون عليه من المهور، قليلةً أو كثيرة، لكن الشارعَ رغَّب في التقليل والتيسير ترغيبًا في النكاح وعفة الرجال والنساء، ومن ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: "خَيْرُ الصَّدَاقِ أَيْسَرُهُ"(رواه أبو داود والحاكم)".

 

وكان -صلى الله عليه وسلم- يحثُّ على تخفيف المهور وتيسيرها، ولم يغالِ فيها لا مع أزواجه ولا مع بناته -عليه الصلاة والسلام-؛ فالمشروعُ للمؤمن أن يخفف، وألا يتكلف في ذلك، وكلما كان أيسر وأقل؛ كان أفضل حتى يتيسر للجميع حصول النكاح.

 

ومن تيسير الزواج تركُ العادات المخالفة للشرع، وعدمُ الإسراف في الحفلات، والمبالغةُ في تكاليف الزواج؛ فهذا مخالفٌ لهدي النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- ومن التبذير المذموم شرعًا، وسببٌ لوقوع الشباب في الديون والهموم، وعزوف كثيرٍ منهم عن الزواج.

 

معاشر الإخوة: وعضلُ النساء وهو منعُ المرأة من الزواج إذا خطبها الكفء، قال عنه الشيخ ابن باز -رحمه الله-: "لا شك أن الواجب على ولي البنات والأخوات أن يتقي الله، وأن يحرص على تزويجهن بالكفء إذا حصل، وألا يعضلُهن لحظٍّ من الحظوظ؛ وقد رُوي عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ"(رواه ابن ماجه)".

 

وإذا عضلَ الرجلُ موليته ومنعها من الكفء سقطت ولايته، ويولِّي الحاكمُ الشرعي غيره من الأولياء.

 

أسأل الله -تعالى- أن يوفِّق المتزوجين، ويرزق الأيامى والعازبين أزواجًا صالحين.

 

 

الخطبة الثانية:

 

أيها الإخوة: إنَّ انتشارَ ثقافةِ الإعراضِ عن الزواج، وما تشيرُ إليه من حياةِ العزوبية، والعيشِ مستقلًّا بغير زواج، والدعوةِ إلى تركيزِ الفرد على ما ينمّي شخصيتَه واستقلالَه، وتكوينِ شبكاتٍ اجتماعيةٍ تُعزِّز ذلك؛ من البلاءِ المستطير.

 

وقد وصل بدعاةِ العزوبية ومعظِّميها أن حدَّدوا يومًا عالميًّا لها، وتعدّى الأمرُ إلى ما هو أخطر من ذلك؛ فبرزت في هذا العصر دعوةٌ ضالّةٌ جديدة، هي الفخرُ بالعزوبية والعنوسة؛ وانتشرت -بكل أسف- في مواقع التواصل الاجتماعي مقاطعُ تدعو وتؤيِّد البقاءَ عازبًا أو عانسًا، وصوَّروا هذا الانحرافَ على أنَّه أفضلُ من الزواج والاستقرار الأسري، وشوَّهوا الزواجَ باختلاق نُكَتٍ باردة، وبالغوا في ذلك بصورٍ باهتة، وخلطوا بين التجارب الفردية الفاشلة والحقيقة الشرعية للزواج، وغَيَّبوا الغاياتِ الكبرى له، وضخَّموا تفاصيلَ صغيرةً لا اعتبار لها.

 

أحبتي: إنَّ إحياءَ الاعتقادِ بأنَّ الزواجَ سُنَّةٌ كونية، ومطلبٌ شرعيٌّ عظيم، ثم طرحَه بالأدلة، سيُعيد – بإذن الله – للزواج معناه الحقيقي كـ ميثاقٍ غليظ يقوم على السكن والمودة والرحمة؛ ولو أدرك دعاةُ العزوبية الغايةَ الكبرى من الزواج لما أعرضوا عنه؛ بل لتسابقوا إليه؛ لكنهم أنزلوه عن مقامه السامي، وظلموه مرّتين: مرّةً حين اختصروه في حفلة عرسٍ ومظاهرَ فارغة، ومرّةً حين شوَّهوه وجعلوه منبعًا للمشكلات؛ وزادوا ظلمًا ثالثًا حين أسقطوا نقائصَهم وإخفاقاتهم عليه، مع أنَّ الخللَ فيهم لا في الزواج.

 

وممّا يُعين على صدِّ هذا التوجّه، ويُسهم في كثرة الزواج، إعانةُ الراغبين فيه؛ وهو عملٌ مشروع، أفتى أهلُ العلم بجواز صرف الصدقات والزكاة له إذا كانوا من أهلها؛ لأن إعفافَ الشباب من أعظم القُرُبات، وأثره لا يقتصر على الفرد؛ بل يتعدّاه إلى المجتمع بأسره.

 

نسألُ الله أن يوفّقنا لطاعته، وأن يجعلنا هداةً مهتدين.

 

وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

 

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين.

 

اللهم ألف بين قلوب المسلمين، واجمع كلمتهم على الحق والدين.

 

المرفقات

دعوة لتيسير الزواج.doc

دعوة لتيسير الزواج.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات