عناصر الخطبة
1/احتفاء وسعادة بحجاج بيت الله الحرام 2/تأملات في رحلة الحج العظيمة 3/الحث على اغتنام عشر ذي الحجة ويوم عرفةاقتباس
تبدأُ رحلةُ الحاجِّ بالإحرامِ، فيخلعُ ثيابَه، وكأنَّه يخلعُ معها ما تعلَّقَ بنفسِهِ مِن أثقالِ الدنيا وهمومِها، فيتجرَّدُ ظاهرًا، ويتجرَّدُ باطنًا مِن الكبرِ والرياءِ والمباهاةِ، ويتركُ في هذه البقاعِ المباركةِ كلَّ تعلُّقٍ بغيرِ اللهِ. تقفُ جموعُ الحجيجِ بلباسٍ واحدٍ، فتسقطُ الفوارقُ، وتذوبُ الحواجزُ، ويظهرُ معنى الأمةِ الواحدةِ في أبهى صُوَرِهِ...
الخطبة الأولى:
الحمدُ للهِ، الحمدُ للهِ الذي شرعَ الحجَّ إلى بيتِهِ الحرامِ، أحمدُه -سبحانَه-، وأشكرُه على نعمةِ الأمنِ والإيمانِ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، شرعَ المناسكَ وأتمَّ الإحسانَ، وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، خيرُ مَن حجَّ واعتمرَ وقامَ، -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- ما لبَّى مُلبٍّ، وطافَ بالبيتِ الحرامِ.
أمَّا بعدُ: فأوصيكم ونفسي بتقوى اللهِ؛ فهي الزادُ، وهي النجاةُ، وهي سرُّ القبولِ. قال -سبحانه-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ:102].
هذه الجموعُ المبارَكةُ وفدتْ مِن أعماقِ الأرضِ، ساقتها أشواقٌ صادقةٌ، وتحدوها آمالٌ عظيمةٌ؛ ترجو عفوًا يغسلُ الذنوبَ، ومغفرةً تمحو الآثامَ، ورحمةً تُضمِّدُ القلوبَ. جاءتْ مثقَلةً بأعبائِها، تحملُ في صدورِها ما أثقلَها مِن ذنوبٍ وهمومٍ، متوجِّهةً إلى ربٍّ عظيمٍ، بقلبٍ موقنٍ بكرمِهِ، تعلمُ أنَّه لا يردُّ مَن قصدَه، ولا يخيِّبُ مَن رجاه.
جاءتْ وقد خلَّفتْ وراءَها ضجيجَ الدنيا وزخرفَها؛ لتقفَ في ساحاتِ الطهرِ، والرجاءُ إذا صدقَ حملَ صاحبَه إلى مواطنِ العفوِ.
رحلةُ الحجِّ لا تُقاسُ بالخطواتِ، ولا بعددِ المناسكِ، بل بما يقعُ في القلوبِ مِن تقوى؛ فَطُوبَى لمَن صدقَ في مجيئِهِ، وأخلصَ في دعائِهِ، وأحسنَ وقوفَه بين يدي ربِّهِ، وجعلَ مِن هذا الموقفِ بدايةَ عهدٍ جديدٍ تُطوى فيه صفحاتُ الذنبِ. قال رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: "مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ"(رواه البخاريُّ ومسلمٌ).
تبدأُ رحلةُ الحاجِّ بالإحرامِ، فيخلعُ ثيابَه، وكأنَّه يخلعُ معها ما تعلَّقَ بنفسِهِ مِن أثقالِ الدنيا وهمومِها، فيتجرَّدُ ظاهرًا، ويتجرَّدُ باطنًا مِن الكبرِ والرياءِ والمباهاةِ، ويتركُ في هذه البقاعِ المباركةِ كلَّ تعلُّقٍ بغيرِ اللهِ. تقفُ جموعُ الحجيجِ بلباسٍ واحدٍ، فتسقطُ الفوارقُ، وتذوبُ الحواجزُ، ويظهرُ معنى الأمةِ الواحدةِ في أبهى صُوَرِهِ.
وأنتَ -أيُّها الحاجُّ- واحدٌ مِن هذه الأمةِ العظيمةِ؛ العظيمةِ بوحدتِها، الراسخةِ في تاريخِها، الساميةِ في قيمِها؛ أمةٌ يجتمعُ أبناؤُها على عقيدةٍ واحدةٍ، وقِبلةٍ واحدةٍ، وربٍّ واحدٍ، يتعلَّمُ أفرادُها أنَّ التفاضلَ ليس في الصورِ والمظاهرِ، ولا في الأموالِ والمناصبِ، وإنَّما فيما وقرَ في القلوبِ مِن إيمانٍ، وصدَّقتْه النياتُ، وترجمتْه الأعمالُ. قال -تعالى-: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)[الحُجُرَاتِ:13].
ثم يرفعُ الحاجُّ صوتَه: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ"؛ كلمةٌ تختصرُ معنى الحياةِ كلِّها، وكأنَّه يقولُ: أنا لك يا ربِّ، مستجيبٌ لأمرِكَ، مقبلٌ عليكَ، تاركٌ ما سواكَ. تتردَّدُ التلبيةُ صوتًا على اللسانِ، ومعنًى يسكنُ القلبَ ويوقظُه، ثم تتحوَّلُ هذه المعاني إلى سلوكٍ في الحياةِ؛ خشوعًا في الصلاةِ، وأمانةً في العملِ، وصدقًا في المعامَلةِ، واستقامةً في الطريقِ.
ثم يدخلُ في الطوافِ، فيطوفُ حولَ البيتِ، وتطوفُ معه معانٍ أعظمُ في القلبِ؛ فلا يدورُ قلبُه حولَ شهوتِهِ، ولا حولَ مالِهِ، ولا حولَ هواهُ، ولا حولَ رضا الناسِ، بل حولَ رضا اللهِ وحدَه، وكأنَّ الطوافَ يعيدُ تحديدَ الوجهةِ، ويعلِّمُه أن يجعلَ اللهَ غايتَه، وأنَّ الحياةَ كلَّها دائرةٌ حولَ مرضاةِ اللهِ.
ثم يسعى بين الصفا والمروةِ، مستحضِرًا سعيَ هاجرَ -عليها السلام- حين كانتْ في وادٍ لا زرعَ فيه ولا ماءَ، لكنَّها كانتْ مع اللهِ؛ فسعتْ بجسدِها، واطمأنَّ قلبُها بربِّها، فيتعلَّمُ الحاجُّ أن يأخذَ بالأسبابِ دون أن يعبدَها، وأن يسعى في الأرضِ وقلبُه معلَّقٌ بربِّ السماءِ.
ثم يأتي يومُ عرفةَ، يومٌ تتشوَّفُ له القلوبُ، وتقفُ فيه النفوسُ مع نفسِها وقفةَ صدقٍ؛ يرى الإنسانُ ضعفَه، ويتذكَّرُ تقصيرَه، ويستحضرُ ذنوبَه، فينكسرُ بين يدي ربِّهِ، ويسكبُ دموعَ الخشيةِ والرجاءِ مِن عينيهِ، وهو يعلمُ أنَّ بابَ اللهِ لا يُغلَقُ، وأنَّ رحمتَه أَوسعُ مِن ذنوبِنا، ومَن صدقَ في الرجوعِ فتحَ اللهُ له أبوابَ القبولِ.
ثم يرمي الجمراتِ، فيرمي الحصى، وكأنَّه يرمي معه ذنوبًا اعتادَها، وعاداتٍ محرَّمةً ألفَها، واستسلامًا طالَ للشيطانِ، مُعلِنًا عزمَه أن يقطعَ طريقَ العودةِ إلى المعصيةِ، وأن يختارَ طريقَ الاستقامةِ والمجاهدةِ.
وفي الزحامِ، حين يزاحمُه الناسُ، أو يخطئُ عليه غيرُه، يتعلَّمُ الصبرَ والحِلمَ، ويحفظُ لسانَه، ويكظمُ غيظَه؛ امتثالًا لقولِ اللهِ -تعالى-: (فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ في الْحَجِّ)[البَقَرَةِ:197]. ثم يعودُ بهذا الخلقِ إلى حياتِهِ كلِّها؛ في بيتِهِ، وعملِهِ، ومعاملاتِهِ، وفي كلِّ شأنِهِ.
وهكذا يغدو الحجُّ مدرسةً ربانيةً إيمانيةً، يخرجُ منها الحاجُّ وقد تزوَّدَ بالتقوى، وصفتْ نفسُه، وزكا قلبُه، وتهذَّبَ خُلُقُه. قال اللهُ -تعالى-: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ)[الحَجِّ:37].
أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم ولسائرِ المسلمين مِن كلِّ ذنبٍ؛ فاستغفِروه، إنَّه هو الغفورُ الرحيمُ.
الخطبة الثانية:
الحمدُ للهِ الذي مَنَّ على عبادِهِ بمواسمِ الفضلِ، أحمدُه -سبحانه- وأشكرُه، له الخلقُ والأمرُ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، القائلُ: (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ)[الفَجْرِ:1-2]، وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، خيرُ مَن عظَّمَ هذه العشرَ، -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- ما تعاقبَ الليلُ والنهارُ، وازدانتْ مواسمُ الخيرِ بالعشرِ.
أمَّا بعدُ، فأوصيكم ونفسي بتقوى اللهِ.
مِن رحمةِ اللهِ بعبادِهِ أنَّه لم يجعلِ الخيرَ للحجاجِ وحدَهم، بل فتحَ أبوابَه للجميعِ؛ فأيامُ العشرِ مِن ذي الحجةِ أيامٌ عظيمةٌ، أقسمَ اللهُ بها: (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ)[الفَجْرِ:1-2]، وما أقسمَ اللهُ بشيءٍ إلَّا لعظيمِ شأنِهِ. أيامٌ تتضاعفُ فيها الأجورُ، وتتنزَّلُ فيها الرحماتُ، فيها الصلاةُ، والصيامُ، والذِّكْرُ، والصدقةُ، والتكبيرُ، تجتمعُ فيها أنواعُ العباداتِ، وكأنَّها دعوةٌ مفتوحةٌ: اقتربْ.
قال رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: "مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ"؛ يعني أيامَ العشرِ. قالوا: يا رسولَ اللهِ، ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ؟ قال: "وَلَا الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ"(رواه البخاري)ُّ.
ومِن أعظمِ أيامِها يومُ عرفةَ؛ يومُ المغفرةِ، يومٌ يمحو اللهُ فيه الذنوبَ. قال النبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: "صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ"(رواه مسلم).
تكفيرُ سنتينِ أجرٌ عظيمٌ بعملٍ يسيرٍ؛ فلا تحرمْ نفسَكَ، ولا تؤخِّرْ توبتَكَ، ولا تضيِّعْ هذه الفرصةَ؛ فالعمرُ محدودٌ، والأيامُ تمضي، وكم مِن إنسانٍ نوى ولم يفعلْ، والسعيدُ مَن بادرَ وأقبلَ على اللهِ.
ألَا فصلُّوا وسلِّموا على خيرِ خلقِ اللهِ، محمدِ بنِ عبدِ اللهِ.
اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك عليه عددَ ما ذكرَه الذاكرونَ، وعددَ ما غفلَ عن ذكرِهِ الغافلونَ، وصلِّ اللهمَّ عليه في الأولينَ والآخرينَ، وفي الملأِ الأعلى إلى يومِ الدينِ.
اللهمَّ ارزقْنا شفاعتَه، وحُسْنَ اتباعِهِ، واجعلْنا مِن أهلِ سنَّتِهِ السائرينَ على هديِهِ.
وارضَ اللهمَّ عن الخلفاءِ الأربعةِ الراشدينَ: أبي بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعن الآلِ والصحبِ الكرامِ، وعنَّا معهم بعفوِكَ يا أكرمَ الأكرمينَ.
اللهمَّ أعِزَّ الإسلامَ والمسلمينَ، وأَصلحْ أحوالَهم، واجمعْ كلمتَهم على الحقِّ والهدى.
اللهمَّ احفظْ ديارَ المسلمينَ، وكنْ لهم في فلسطينَ وفي كلِّ مكانٍ مؤيِّدًا ونصيرًا وظهيرًا.
اللهمَّ مَن أرادَنا وأرادَ بلادَ المسلمينَ بسوءٍ، فاشغلْه بنفسِهِ، واجعلْ تدبيرَه تدميرًا عليه، ورُدَّ كيدَه في نحرِهِ، يا سميعَ الدعاءِ.
اللهمَّ احفظْ أمنَ بلادِنا، هذه البلادَ المباركةَ، مأرزَ الإيمانِ، ومهوى أفئدةِ المسلمينَ، احفظْها مِن كلِّ سوءٍ، وأدِمْ عليها نعمةَ الأمنِ والاستقرارِ، واحفظْ جنودَها، واردُدْ عنها كيدَ الكائدينَ، ومكرَ الماكرينَ، وعدوانَ المعتدينَ.
اللهمَّ إنَّا نجعلُكَ في نحورِهم، ونعوذُ بك مِن شرورِهم، وعمِّمِ الخيرَ والرخاءَ والسعادةَ جميعَ أوطانِ المسلمينَ، وألبسْها ثوبَ الأمنِ والاستقرارِ.
اللهمَّ أصلحْ قلوبَنا، وزكِّ نفوسَنا، واهدِنا سواءَ السبيلِ.
اللهمَّ اجعلْ سعيَنا في رضاكَ، ووفِّقْنا لما تحبُّ وترضى. اللهمَّ تقبَّلْ منَّا، واغفرْ لنا، وارحمْنا.
اللهمَّ احفظْ حُجَّاجَ بيتِكَ الحرامِ، وجنِّبْهم الشرورَ والآثامَ. اللهمَّ اجعلْ حجَّهم حجًّا مبرورًا، وسعيَهم سعيًا مشكورًا، وذنبَهم ذنبًا مغفورًا، وعملَهم صالحًا متقبَّلًا، ورُدَّهم إلى ديارِهم سالمينَ غانمينَ مأجورينَ.
اللهمَّ وفِّقْ وليَّ أمرِنا، خادمَ الحرمينِ الشريفينِ، لما تحبُّ وترضى، ووفِّقْ وليَّ عهدِهِ لما فيه صلاحُ البلادِ والعبادِ، ووفِّقْ جميعَ ولاةِ أمورِ المسلمينَ لكلِّ خيرٍ يا ربَّ العالمينَ.
(رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[البَقَرَةِ:201].
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[النَّحْلِ:90].
فاذكروا اللهَ يذكرْكم، واشكروه على نعمِهِ يزدْكم، ولذكرُ اللهِ أكبرُ، واللهُ يعلمُ ما تصنعونَ.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم