اقتباس
وكل معروف تؤديه إلى أرحامك مضاعف الأجر؛ فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي القرابة اثنتان: صدقة وصلة"، ولما اعتقت ميمونة بنت الحارث وليدة لها قال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لو أعطيتها أخوالك، كان أعظم لأجرك"...
تقتضي فطرة الإنسان وطبيعته أن يكره الوحدة والانفراد وأن يحب الاجتماع والاختلاط بالبشر خاصة الأقربين منهم؛ لذا قالوا: "الإنسان كائن اجتماعي"، لدرجة أن أقوامًا بالغوا فقالوا في أمثالهم: "جنة بغير ناس لا تُداس"، يقصدون: لا تُسكن"!... لكن يشذ عن هذه القاعدة أناس أبوا إلا أن ينفردوا عن البشر ويقاطعوهم حتى أقرب الأقربين إليهم! وهذا ما نسميه في الإسلام بقطيعة الأرحام.
ولقد شدد شرعنا في أمر الرحم تشديدًا وأكد تأكيدًا، حتى لقد جعل للرحم جسدًا به تقوم وتقعد ولسانًا به تتكلم وتفصح، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم، فقالت: هذا مقام العائذ من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذاك لك"(متفق عليه)؛ يقول ابن حجر العسقلاني: "يحتمل أن يكون على الحقيقة، والأعراض يجوز أن تتجسد وتتكلم بإذن الله، ويجوز أن يكون على حذف؛ أي: قام ملك فتكلم على لسانها، ويحتمل أن يكون ذلك على طريق ضرب المثل والاستعارة، والمراد تعظيم شأنها وفضل واصلها وإثم قاطعها"(فتح الباري).
ومِن سخَطِ الله -عز وجل- على قاطع الرحم أنه يعجل له عقوبته في الدنيا؛ فعن أبي بكرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم"(رواه الترمذي، وصححه الألباني)، ولقد عدَّه الجليل -سبحانه وتعالى- من الإفساد في الأرض: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ)[محمد: 22-23].
بل ولا يقبل الله -تعالى- منه عملًا ما دام على معصيته لم يتب منها؛ فعن سليمان مولى عثمان بن عفان قال: جاءنا أبو هريرة عشية الخميس ليلة الجمعة فقال: "أحرج على كل قاطع رحم لما قام من عندنا"، فلم يقم أحد حتى قال ثلاثًا، فأتى فتى عمة له قد صرمها منذ سنتين، فدخل عليها، فقالت له: يا ابن أخي، ما جاء بك؟ قال: سمعت أبا هريرة يقول كذا وكذا، قالت: ارجع إليه فسله: لم قال ذاك؟ قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن أعمال بني آدم تعرض على الله -تبارك وتعالى- عشية كل خميس ليلة الجمعة، فلا يقبل عمل قاطع رحم"(رواه البخاري في الأدب، وحسنه الألباني).
ولا عجب إذن أن تكون قطيعة الرحم من أبغض الأعمال إلى الله -تعالى-؛ فلقد سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أي الأعمال أبغض إلى الله؟ قال: "الإشراك بالله"، قال: قلت: يا رسول الله، ثم مه؟ قال: "ثم قطيعة الرحم"(رواه أبو يعلى، وحسنه الألباني).
وجعل الله -تعالى- صلة الرحم من مسوغات دخول الجنة، وقضى بأن قطيعتها من أسباب الحرمان منها -والعياذ بالله-؛ فأما الدليل على الأولى فما رواه أبو أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- أن رجلًا قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: أخبرني بعمل يدخلني الجنة؛ فقال -صلى الله عليه وسلم-: "تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم"(متفق عليه)، وأما الدليل على الثانية فقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يدخل الجنة قاطع رحم"(رواه مسلم).
***
ورب سائل يقول: تخوفنا من القطيعة وإننا -بحمد الله- لرحمنا واصلون! فما لنا عند الله -سبحانه وتعالى-؟... ونقول: الخير كله لك إن فعلت ذلك ابتغاء مرضاة الله -تعالى-؛ ففي الصحيحين: "من سره أن يبسط له في رزقه، أو ينسأ له في أثره، فليصل رحمه"، وعن عائشة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "..وصلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار"(رواه أحمد، وصححه الألباني).
وصلتك لرحمك علامة إيمانك؛ ففي الصحيحين أيضًا: "ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه".
وهي طريق لك إلى الجنة؛ فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل، والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام"(ابن ماجه).
وكل معروف تؤديه إلى أرحامك مضاعف الأجر؛ فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي القرابة اثنتان: صدقة وصلة"(رواه ابن ماجه، وصححه الألباني)، ولما اعتقت ميمونة بنت الحارث وليدة لها قال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لو أعطيتها أخوالك، كان أعظم لأجرك"(متفق عليه).
***
ويستفسر مستفسر: إن لنا أرحامنا لا يعينونا على أن نصلهم، بل يقطعوننا ويسيئون إلينا ولا يحسنون لقاءنا.. فماذا نصنع معهم؟! ونقول لهذا: لقد سأل رجلٌ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مثل سؤالك فقال: يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي؟! فأجابه: "لئن كنت كما قلت، فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك"(رواه مسلم).
فيعود ويسأل: فهل يحل لي أن أقطعهم؟ ونجيب: لا، لئن قطعتهم كنت "قاطع رحم"، بل اجهد أن تصلح ما بينك وبينهم، بكل وسيلة ممكنة، ولقد قدَّم لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحد تلك الوسائل فقال: "إن أفضل الصدقة: الصدقة على ذي الرحم الكاشح"(رواه أحمد، وصححه الألباني)، والكاشح: أي الكاره المضمر العداوة.
وإنك لن تكون واصلًا لرحمك بحق حتى تصل من قطعك، مصداق ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها"(رواه البخاري).
ولقد تبرأ النبي -صلى الله عليه وسلم- جهارًا غير سر ممن حادوا عن الصلاح فقال: "إن آل أبي -يعني فلانًا- ليسوا بأوليائي، إنما وليي الله وصالح المؤمنين"، لكنه -صلى الله عليه وسلم- مع ذلك لم يقطع رحمهم، بل قال: "ولكن لهم رحم أبلها ببلاها"؛ يعني: أصلها بصلتها(متفق عليه، واللفظ للبخاري)... فصِل من قطعك ولو بأقل القليل؛ فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "بلوا أرحامكم ولو بالسلام"(رواه البيهقي في الشعب، وحسنه الألباني).
وفيما يلي مجموعة نيرة من الخطب المحكمة التي انتبه أصحابها إلى أهمية صلة الرحم، فاهتموا وتشمروا لحث الناس عليها، كما نرجو أن نفعل جميعًا:
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم